النهج الأميركي الجديد: المتابعة من الأعلى

تم نشره في الثلاثاء 19 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

باريس - يتقدم التدخل العسكري الفرنسي في مالي بسرعة، حيث يمثل سقوط تمبكتو مؤخراً مَعلَماً بالغ الأهمية على مسار الجهود الرامية إلى دحر المتمردين الإسلاميين الذين سيطروا على شمال البلاد. وبشكل أكثر عمومية، يؤكد النجاح الواضح للتدخل الفرنسي على ثلاث نقاط رئيسية.
فهو أولاً يؤكد أن فرنسا ما تزال قادرة على العمل كمحرك رئيسي لأوروبا. وتمتلك فرنسا قوة عسكرية كبيرة وقابلة لإمكانية الانتشار السريع، كما أظهرت ذلك في ليبيا في العام 2011. وعلاوة على ذلك، ترتبط هذه القدرة العسكرية بنظرة عالمية، وليس مجرد الدفاع عن المصالح الاقتصادية.
ولذلك، لا تسعى فرنسا في مالي إلى المطالبة بالموارد، أو تصدير الديمقراطية، أو توسيع رقعة أفريقيا الفرنسية التي لم تعد تؤمن بها. وإنما، وعلى نحو أقل تشويقا، تسعى فرنسا إلى تحقيق الاستقرار في بلد خاضع لقوى عنيفة لا تقودها غالباً جهات تنتمي إلى مالي، والتي يرجح أن توقع الفوضى في هذه المنطقة بالكامل وتهدد أوروبا.
ثانيا، يسلط هذا التدخل الضوء مرة أخرى على الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي، الذي يروج "لاستراتيجية شاملة" في التعامل مع مالي والمنطقة بالكامل من أجل تجنب مواجهة السؤال الحاسم: تحت أي ظروف قد تستخدم أوروبا القوة؟
وتتعلق النقطة الأخيرة بطبيعة التورط الأميركي في الصراع. فالولايات المتحدة تظل الحليف الاستراتيجي الأكثر قيمة لفرنسا في هذا المسعى، لكن الشروط تغيرت. فبعد عشر سنوات من التدخلات العسكرية غير المثمرة (في أفضل وصف لها) دفعت القيود المفروضة على الميزانية إدارة الرئيس باراك أوباما إلى التضحية ببعض القوات البرية من أجل الحفاظ على القدرات الجوية والبحرية الكبيرة سالمة، والغرض من ذلك على ما يبدو هو احتواء الصين.
وكانت إعادة التقييم التي أجراها الرئيس أوباما سبباً في زيادة حِدة التحول الواقعي في السياسة الخارجية الأميركية، والذي أصبحت الولايات المتحدة الآن بموجبه غير راغبة في التدخل إلا عندما تتعرض مصالحها المباشرة للخطر. وفي حالات أخرى، سوف يكون لزاماً على حلفاء أميركا أن يبرهنوا على التزامهم من أجل الحصول على دعم مشروط.
وقد تم تطبيق هذا النهج الجديد على ليبيا، حيث كان الطابع المميز له "القيادة من الخلف". ولكن هذا المفهوم غير ملائم لأنه يعني ضمناً أن الولايات المتحدة كانت القائدة في نهاية المطاف. ومن الواضح أنها لم تكن كذلك. فلولا الدفعة الأولية من فرنسا وبريطانيا العظمى، لكانت الولايات المتحدة ستظل سلبية على الأرجح، وهو ما نصحت به وزارة الخارجية ووزارة الدفاع. (حتى أن وزارة الخارجية ذهبت إلى حد تحذير فرنسا وبريطانيا العظمى من التصويت لصالح قرار الأمم المتحدة رقم 1973، الذي سمح بالتدخل).
وفي نهاية المطاف، قلب أوباما موقف المسؤولين البيروقراطيين في إدارته، فاقترح تدخلاً عسكرياً قويا، من دون قوات برية، ولفترة محدودة للغاية. وفي النهاية، قدمت الولايات المتحدة 75 % من عمليات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، و75 % من عمليات التزود بالوقود في الجو، و90 % من الاستخبارات الخاصة بتحديد الأهداف، وهي مساهمة كبيرة بلا أدنى شك. وعلى الرغم من ذلك، كانت ليبيا بمثابة البداية لمفهوم جديد، والذي ينطبق على مالي، وتمكن تسميته "المتابعة من الأعلى".
وبعبارات أخرى، تقول الولايات المتحدة لحلفائها إنها لم تعد راغبة في التدخل في المناطق ذات الأولوية المنخفضة ما لم يلتزم حلفاؤها بذلك أولا، تماماً كمثل المستثمر الذي ينتظر من المتعهد تقديم الدفعة الأولى. وكما حدث في ليبيا، كان لزاماً على فرنسا أن تأخذ زمام المبادرة في مالي. وكما كان الحال في ليبيا، فإن الدعم الأميركي كان حاسماً في المجالات الأربعة التي تنقص فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية: الاستطلاع الجوي، وتحديد الأهداف، والنقل الجوي، والتزود بالوقود في الجو.
ولكن، وخلافاً لما حدث في ليبيا، اتخذت الولايات المتحدة في مالي خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات عبر الأطلسية من خلال النظر في جعل فرنسا تدفع في مقابل استئجار طائرات نقل القوات. ورغم التخلي عن هذا الاقتراح في نهاية المطاف، فإنه يكشف عن تآكل الدعم الأميركي وتصميم الولايات المتحدة على الإشارة إلى عدم تحمسها لمساعدة الأوروبيين الذين يتعرضون للمخاطر.
وهناك فضلاً عن ذلك خلافات حقيقية داخل البيروقراطية الأميركية عندما يتعلق الأمر بتقييم التهديد الذي يفرضه تنظيم القاعدة في مالي على مصالح الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن مبدأ المتابعة من الأعلى يحمل أهمية رمزية وأهمية تتعلق بالعمليات. فعلى مستوى العمليات، يقتصر العمل على الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع ولا يشتمل على إقحام قوات برية. وهو يعني من الناحية الرمزية دعم الجهود الأولية الملموسة التي يبذلها الآخرون.
بالنسبة لأوروبا، فإن هذا الموقف يبعث على القلق لسببين. الأول أنه يوضح ديناميكية التوقف ثم التحرك التي تستند إليها السياسة الأميركية، والتي قد تتأرجح -في غضون خمسة أعوام فقط- من التوسعية المزعجة إلى الانسحاب المزعج بنفس القدر من العالم. صحيح أن تمكن الجهاديين من مالي لا يهدد الولايات المتحدة بشكل مباشر، أو على الأقل لا يهددها بقدر ما يهدد أوروبا، ولكن هل من المنطقي أن نتمسك بهذا التحليل البسيط بعد ما حدث في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001؟
ثانيا، تستمر أوروبا في تجاهل الحاجة إلى تحديد الظروف التي قد تسمح لها باستخدام القوة، ليس من أجل حفظ السلام، بل ولقتال قوات معادية محتملة. ويعد النفور من الحرب واحداً من أشد المخاطر التي تتهدد أوروبا حالياً.
وبالنسبة للفرنسيين، فإن من شأن الموقف الأميركي أن يفرض إعادةً لتقييم أهمية أفريقيا في الاستراتيجية العالمية لفرنسا، ومن الواضح أن من شأن الكتاب الأبيض حول الدفاع الذي أصدرته الحكومة في العام 2008 والذي يقلل من أهمية القارة، أن يبرر على الأرجح تقليص القوات البرية الفرنسية. وعلاوة على ذلك، فإنه يشجع فرنسا على التطرق لموضوع القوة العسكرية مع حلفائها الأوروبيين.
من المعروف عن المستشارة أنجيلا ميركل انتقادها لفرنسا لأنها غير متحمسة بالقدر الكافي للاتحاد السياسي الأوروبي. والسؤال المطروح الآن هو: كيف نبني أوروبا بدول تدفن رؤوسها في الرمال كلما ذُكِر موضوع استخدام القوة، في حين تعترف باستخفاف بأن فرنسا تدافع عن أوروبا بالكامل في مالي.
الآن، يتعين على فرنسا أن تصر على معالجة مسألة استخدام القوة باعتبارها شرطاً مسبقاً لأي مفاوضات بشأن التكامل السياسي في أوروبا. ومن خلال إثباتها لأوروبا أنها تتابع تحركاتها من الأعلى، فإن الولايات المتحدة سوف ترغم الأوروبيين على الإفاقة من سباتهم السياسي وتواضعهم الاستراتيجي. ويبقى السؤال يدور حول ما إذا كان الأوروبيون على استعداد للقيام بهذا.

*أستاذ العلاقات الدولية في معهد الدراسات السياسية في باريس، ومؤلف كتاب "إنجازات محدودة: سياسة أوباما الخارجية".
*خاص بـالغد، بالتعاون مع خدمة بروجيكت سنديكيت، 2013.

التعليق