غزو العراق: المأساة التي لم نستطع منعها بالاحتجاجات

تم نشره في الثلاثاء 19 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً
  • يافطة احتجاج على الحرب ضد العراق، سقطت من المتظاهرين في لندن العام 2003 - (أرشيفية)

أوين جونز  (الإندبندنت)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
قبل عقد تقريباً من الآن، وفي يوم قاسي البرودة من شهر شباط (فبراير)، قمنا بتنظيم مسيرة شاركت فيها مئات الآلاف من أجل وقف كارثة. كانت المظاهرة التاريخية ضد حرب العراق زحفاً متثاقلاً أكثر من كونها مسيرة: كانت الشوارع شديدة الاكتظاظ بحيث تعذر السير فيها بسرعة كبيرة. وكانت الطريق إلى لندن مليئة بعمال مصانع السيارات. وسارت في المسيرة السيدات العاملات في تصنيع الحلوى، ورجال الإطفاء، وعمال ترتيب رفوف الاسواق المركزية، والمحاضرون وأصحاب الحوانيت: كانت هناك النشوة التي تجلبها قوة الشعب. وعندما غادرنا إلى نقاط التقاطنا، كانت اليافطات منتشرة في الشارع، وكانت أصداء الهتافات ما تزال تتردد في هواء المساء، فاعتقدنا باننا كسبنا. فكيف أمكن إهمال أكبر كتلة من المتظاهرين تجتاح شوارع بريطانيا على الإطلاق؟
إنها ذاكرة ثقبتها المرارة الآن. نعم، لقد ساعدنا في إحداث واحدة من أعظم الثورات البرلمانية في التاريخ، حيث عارض 139 نائبا برلمانيا عماليا الحكومة، لكن المحافظين المتحدين في جزئهم الأعظم جاؤوا لانقاذ توني بلير. وعندما كنت أزور المدارس، كان التلاميذ في أعمار ستة وسبعة أو ثمانية اعوام يسألون عندما قمنا بالمسيرة كيف لهم ان يغيروا شيئا اذا كان ما يصل إلى مليوني متظاهر لم يستطيعوا التغيير. ولكم أن تنسوا فضيحة التكاليف: لقد كان العراق هو الذي قوض ما كان لدى الملايين من ثقة في مؤسستنا السياسية. لكن الالم النفسي الحقيقي يكمن في مكان آخر. كانت تداعيات معضلة العراق أسوأ بكثير مما تصوره أولئك منا الذين هتفوا: "ليس باسمنا". فقد أعقبت ذلك أعوام من الدماء والفوضى العارمة. ولا يمكن أن يكون هناك أي شعور بالانتصار أو بالتبرير.
لقد كنا على حق فيما يتعلق بالذريعة الزائفة: عدم وجود أسلحة دمار شامل. لم تقد الذريعة إلى شيء. وقد استمعنا إلى سكوت ريتر، كبير مفتشي الأسلحة لدى الامم المتحدة الداعم للجمهوريين، والذي اعلن قبل شهور من سقوط أولى القنابل أنه "منذ العام 1998، تم نزع أسلحة العراق بشكل أساسي". وفهمنا ان وزير الخارجية السابق روبين كوك كان يعرف ما يقول عندما أعلن في كلمة استقالته التاريخية: "إن العراق لا يمتلك أي أسلحة للدمار الشامل بالمفهوم العام للمصطلح".
وقد رفضنا قبول كل التحريفات اليائسة التي تم استخدامها لتلفيق الغزو بتعابير قانونية غامضة وزائفة. وقال الامين العام للامم المتحدة كوفي أنان، في الاعقاب: "لقد كانت (الحرب) غير قانونية". وقال السير مايكل وود المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية للجنة تحقيق تشيلكوت إنها كانت "مناقضة للقانون الدولي".
كما أننا لم نصدق أنها كانت مدفوعة بمسوغات انسانية، على الأقل بالنظر إلى سجل الغرب المريع من دعم الدكتاتوريات الوحشية. وهي فضيحة ما تزال مستمرة حتى اليوم، من الخليج إلى كازاخستان التي يوظف دكتاتورها توني بلير الآن براتب 13 مليون دولار سنوياً. وكانت وكالة المخابرات المركزية الأميركية (السي آي إيه) قد ساعدت البعثيين في الوصول إلى السلطة، حتى أنهم قدموا لهم قوائم بأسماء الشيوعيين الذين تم ذبحهم من فورهم. ولقد سلح الغرب ودعم صدام في حربه ضد إيران. وعندما وقف النائب العمالي المعادي للحرب جيريمي كوربين في البرلمان في العام 1988 لادانة دعم بريطانيا للاستبداد البعثي بعد استخدام الغاز ضد الأكراد، كان هو الصوت الوحيد. ولم يقل كل أولئك الذين استخدموا معاناة الشعب الكردي 15 عاما بعد ذلك لتبرير الغزو أي شيء.
في برنامج حواري عندما كنت في الجامعة، تنبأ شخص من أرفع الشخصيات العسكرية البريطانية بأن 99 % من العراقيين سيرحبون بقوات الاحتلال بالورود. في حين أن نسبة 1 % المتبقية ستصمت بشكل أساسي خوفاً من عمليات انتقامية بعثية. لكن انتفاضة سنية اندلعت مباشرة تقريباً بعيد الاحتلال، وتبعتها حالات تمرد في أوساط المواطنين الشيعة الذين يشكلون الأغلبية. وأصبح العراق ميداناً للمتطرفين الذين يستلهمون فكر تنظيم القاعدة، والذين لم يكن لهم في السابق أي دور يلعبونه في البلد. وقتل أكثر من 12000 مدني في أكثر من 1000 عملية انتحارية خلال الأعوام السبعة الأولى من الاحتلال وحدها. وتبع ذلك حمام دم طائفي بشع: إعدامات، وتفجير سيارات، وقبور جماعية، وجثث منتفخة تعوم في الأنهار.
إن النقاش حول مدى علو كومة الجثث هو عمل وضيع، ولدى الإحصائيات عادةَ انتزاع العنصر الإنساني من النقاش. لكن الكلفة الإنسانية تهم. وقد رفض المحتلون إحصاء الموتى في العراق، تاركين الأمر للتقديرات المختلفة واسعة النطاق. وتقف الأرقام المحافظة لإحصاء الجثث في العراق حول 172.906 حالات وفاة عنيفة على الأقل. وقدرت الحكومة العراقية ومنظمة الصحة العالمية أن ما وصل إلى 223.000 شخص قتلوا في الأعوام الثلاثة الأولى من الغزو، حتى أن إحدى الدراسات قدرت أن هناك أكثر من مليون شخص قد ماتوا. وعندما تم محو الجزء الأكبر من مدينة الفلوجة، وقتل المئات بأيدي القوات الأميركية -التي استخدمت الفوسفور الابيض الذي يقطع أنسجة الجلد في الجسم البشري- لزم ليبراليو صاروخ كروز الصمت وحسب.
كل هذا الدم، من أجل ماذا؟ في العام 2005، قال إياد علاوي -عميل السي آي إيه السابق الذي نصب أول رئيساً لوزراء العراق- إن "الناس يعملون نفس الشيء الذي كانوا يفعلونه في زمن صدام، لا بل أسوأ من ذلك". ومن جهتها، تحذر منظمة هيومان رايتس ووتش من أن "شعب العراق اليوم يتوافر على حكومة تنزلق أكثر نحو النزعة الاستبدادية"، مطبقة "إجراءات قاسية ضد الساسة المعارضين والمعتقلين والمتظاهرين والصحفيين، بحيث تضيق عملياً فضاء المجتمع المدني المستقل والحريات السياسية في العراق". وقد أصبح العراق الآن في المرتبة 150 من بين 179 بلداً على مؤشر حرية الصحافة العالمية، أي أنه أسوأ من روسيا او زيمبابوي. وتمنح مؤسسة "فريدوم هاوس" الممولة من الحكومة الأميركية العراق علامة 6 في مجال الحريات المدنية، وعلامة 6 في الحقوق السياسية، حيث العلامة 7 هي الأسوأ. ولذلك، لا غرابة في أن يحذر توني دودج، الخبير في الشؤون العراقية في LSE من أن "المالكي يتجه نحو دكتاتورية هدامة بشكل لا يصدق".
قد تظن أن من السهل لي أن أعنف، فأنا أختبر الرعب الذي كان سائدا في زمن صدام. لكن بوسعك حينئذ أن تستمع إلى الشعب العراقي. وقد كشف استطلاع مفصل أجراه معهد زغبي في نهاية العام 2011 عن أن نسبة 30 % وحسب من العراقيين شعروا بأن غزو بلادهم تركهم في وضع أحسن، فيما شعرت نسبة 23 % بأن الأمور بقيت على حالها السابق وحسب، فيما قالت نسبة 42 % بأن الأمور أصبحت أسوأ. وبين الشيعة، شعرت نسبة 70 % بأن الأمور أصبحت أسوأ أو هي بنفس السوء الذي كانت عليه في ظل صدام. وكانت نسبة الذين رأوا ذلك من السنة هي 79 %. فيا له من كسب للقلوب والعقول في الحقيقة.
لقد كان الصقور مخطئين وفق كل اعتبار. كانوا مخطئين حول الاسلحة؛ ومخطئين إزاء استقبالهم بالورود؛ ومخطئين حول الكلفة البشرية؛ ومخطئين إزاء تحول العراق إلى ديمقراطية مزدهرة. لكنني استحضر النشوة التي شعرت بها يوم 15 شباط (فبراير) من العام 2003 بحزن. إننا لم نستطع إيقاف الجحيم الذي اندلع بعد شهر من ذلك، حاصداً أرواح مئات الآلاف، بمن فيهم حيوات 179 جندياً بريطانياً. إنها تعاسة لا تقدر، ورعب لا مثيل له. ينبغي أن لا يتكرر ذلك مرة أخرى.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
What a tragedy that we couldn't stop the war in Iraq despite marching in our thousands

التعليق