مختار بلمختار، الوجه الجديد لتنظيم القاعدة (ولماذا لا يشبه أسامة بن لادن)

تم نشره في الاثنين 18 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً
  • مختار بلمختار، زعيم تنظيم القاعدة في المغرب العربي - (أرشيفية)

روبرت فيسك – (الإندبندنت) 24/1/2013
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
في مسرحية ماكبث، يستفسر سيوارد عن ابنه المقتول، فيسأل: "هل كانت جروحه في صدره؟" وقد أراد أن يتوثق مما إذا كانت جراح ابنه تثبت أنه كان يقاتل حمقى ماكبث عندما مات، أو ما إذا كان -إذا جاءته الطعنة في الظهر- قد ولى الأدبار هارباً. وكان من شأن ماكبث أن يكون دكتاتوراً شرق-أوسطي جيداً، مهوّساً بالسلطة، وبقتل منافسيه، وبقمع شعبه تحت التأثير القاتل لزوجة مدللة لا ترحم. ومقاتلو القاعدة، في معاركهم مع أعدائهم الكفار -الروس والأميركيين وإسرائيل والغرب والحكام العرب الذين يفعلون ما نريد، أو لا يفعلون- لا يهربون ولا يولون الأدبار. وتشكل الجروح التي يصابون بها في معاركهم جزءاً من شخصياتهم.
ذات مرة، تفاخر أسامة بن لادن أمامي بندوب خلفتها رصاصات روسية كانت قد اخترقت جسده في أفغانستان –ثلاث ندوب في المجموع- ولطالما ابتهج زعيم طالبان الملا عمر، الذي يرتدي عباءة النبي في قندهار، بالعين التي خسرها لأعدائه. والآن، لدينا مختار بلمختار بعين أخرى خسرها لأعداء الله.
ولا يضع هذا العملاق ذو العين الواحدة أي شيء لإخفاء جرحه. هل أصيبت عينه في إطلاق النار من "المجاهدين" الموالين للغرب في أفغانستان بعد الانسحاب السوفياتي؟ أم أنها طارت منفجرة من وجهه أثناء "إساءة معالجة" متفجرات خلال الحرب، عندما كان بلمختار وأمثاله ما يزالون أبطالاً، أو يعادلون نظراءهم لدينا –كما رآهم رونالد ريغان ذات مرة- من الآباء المؤسسين؟
الآن، يختفي بلمختار، أو يعتلي قمة التلة، إذا كنت تصدق ما يقال لك، في مالي. وقد عاد تنظيم القاعدة إلى العمل، لكن مخضرم الحرب الجزائري هذا يشكل رمزاً مدهشاً للمسار الذي يسلكه الآن صنائع أسامة بن لادن المصابون بالعطب. وكان سجل بلمختار في الحرب الأفغانية مشوباً بمشاركته في صراع التسعينيات القاسي مع النظام العسكري في بلده –كان قد ولد في مدينة غرداية الجزائرية قبل 40 عاماً- والفساد الذي لف الكثير جداً من ميليشيات شمال أفريقيا الاسلامية.
كان عمره 19 عاماً فقط عندما سافر إلى أفغانستان؛ وعندما حارب مختار بلمختار القوات شبه العسكرية الموالية للحكومة في الجزائر، التي كانت عديمة الشفقة بنفس المقدار، تعلم أن الحروب لا ينبغي أن تنتهي بالضرورة، وأن النصر يتحقق من خلال إذلالك أعداءك أكثر مما يتحقق بالانتصار العسكري.
لكن بلمختار كان ابن تاريخ بلاده. ولأنه ولد بالضبط بعد عام تقريباً من انسحاب السلطة الاستعمارية الفرنسية من الجزائر، نشأ وهو يتحدث لغة مضطهدي بلاده السابقين بطلاقة. كانت فرنسيته رائعة، ويتذكر أولئك الغربيون القلائل الذين التقوه -عادة ما كانوا أسراه- طلاقته في التحدث بها. وبوجود رشاش الكلاشينكوف عند قدميه، يقرأ بلمختار القرآن بنغمة متفاخرة -في صورة طبق الأصل عن بن لادن- بوصفه زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بعد أن غادر صفوف هذا التنظيم لفترة طويلة بعد هزيمته في الجزائر كقائد لتنظيم "الموقعون بالدماء". وقد اكتشف أولئك الذين قيضت لهم النجاة من فظائع حقل غاز أميناس مؤخراً -وأولئك الذين لم ينجوا، فيما أعتقد- ما يعنيه ذلك.
في شريط فيديو، تحدث بلمختار عن الكفاح ضد الكفر -وبعبارة أخرى، ضدنا نحن، الغرب- وعن أهمية الشريعة الإسلامية والمشروع الإسلامي في شمال مالي. وهو رجل حكيم جداً لأنه لم يلق بالاً لحقيقة أن عذاب مالي ينبع من رفض الطوارق-البربر-العرب الشماليين طوال عقود الخضوع لحكم إدارة سوداء في الجنوب، لكنه انجذب -مثل بن لادن في أفغانستان- إلى حيث السلطة المركزية ضعيفة أو غير موجودة. وفي حين سجلت منظمات حقوق الإنسان أشكالاً من العقوبات القاسية حسب قانون الشريعة -الإعدام وبتر الأطراف، واضطهاد المرأة، وتلك القائمة المألوفة- تحدث بلمختار عن الشريعة التي أطعمت الفقراء، وأقامت العدالة بين المسلمين، والمساواة في الحقوق.
كان أندرو ليبوفيتش، محلل الشؤون الإفريقية في داكار، قد لفت الانتباه إلى أن جهادية بلمختار قد تكون حقيقية جداً، على الرغم من تورطه في التهريب، وقال إنه ينبغي دراسة تصريحاته العلنية وأخذها على محمل الجد. وقد أعلن بلمختار أن شمال أفريقيا مهدد من "الدول الغربية الصليبية، وخاصة فرنسا"، وسيتم قتال المعتدين المحتملين "في منازلهم"، وجعلهم يعاينون "تجربة حرارة الجروح" في بلدانهم نفسها، ومهاجمة مصالحهم. وهنا، في واقع الأمر، جاء التحذير حول حادثة مرفق "إن أميناس". أم هل ينبغي القول إنه كان تحذيراً نبوئياً؟
وقد حيا بلمختار الملا عمر، زعيم طالبان، وخليفة بن لادن، أيمن الظواهري، "الأمير المثابر". وبعبارة أخرى، كان يعيد تأكيد ولائه لمبادئ تنظيم القاعدة الأصلية. لكن المشكلة -التي نرفض نحن في الغرب فهمها- هي أن تنظيم القاعدة نفسه قد تغير. لقد ولت الأيام التي كانت فيها هذه المؤسسة الخطيرة تطالب بالخلافة الإسلامية في جميع أنحاء العالم. وقد عملت الصحوة العربية –الثورات الجماهيرية العربية ضد الدكتاتورية- على تحويل بن لادن إلى رجل الأمس. وكانت مشاهدته للتلفزيون في أبوت آباد في الأيام التي سبقت إعدامه على يد الأميركان قد أثبتت لابن لادن أنه لا أحد من المحتجين -من القاهرة إلى دمشق إلى اليمن- لوح بعلم تنظيم القاعدة، أو حمل صورته.
وفي الواقع، وضمن اتصالات بن لادن الأخيرة مع بعض أتباعه في اليمن، كان هناك طلب لترجمة مقال كنت قد كتبته في صحيفة الإندبندنت، ووصفت فيه تنظيم القاعدة -بعد تورطه مع القتلة الانتحاريين السنة للشيعة في العراق- بأنه أكثر المنظمات طائفية في العالم. وكان بن لادن قد احتج طويلاً ضد دور الفرع في حمام الدم الطائفي في العراق. هكذا برزت "قاعدة" غيرت مواقفها.
وكان عبد الباري عطوان من جريدة القدس العربي -الذي يفهم الروح المظلمة لتنظيم القاعدة أكثر من أي شخص آخر، قد وصف كيف أن بن لادن تحدث دائماً "بشوق" عن جبال أطلس في المغرب العربي –تورا بورا شمال أفريقيا- وعن المصالح الأميركية في أفريقيا نفسها. وقد رحل العديدون من صنائع بن لادن من أفغانستان إلى الجزائر ومالي وموريتانيا وتشاد والنيجر، وحتى نيجيريا. وتستورد الولايات المتحدة الآن نفطاً من نيجيريا بالمقدار ذاته الذي تستورده من المملكة العربية السعودية، بلد الموطن لأسامة بن لادن نفسه. ومثلما فعل القذافي -الذي كان بن لادن يمقته- قدرت القاعدة الأهمية الاقتصادية لأفريقيا. ألم يكن بن لادن نفسه قد أمضى خمس سنوات في المنفى الخطر في السودان؟
بطريقة غريبة ولكنها بالغة الوضوح، جاءت نتائج الحرب الأهلية الجزائرية المخيفة لصالح بلمختار. فقد دعا الرئيس بوتفليقة، صديق فرنسا الأعز في شمال أفريقيا الجديدة، إلى استفتاء ناجح، والذي أقر عفواً فعالاً عن المقاتلين الاسلاميين، بينما يمنح العذر للتعذيب الجماعي الذي مارسته الحكومة وفرق إعدامها. وهكذا، قفل الإخوة الأضعف والأرق حاشية في الثورة الإسلامية عائدين إلى الوطن، فيما هاجر الرجال القُساة الذين لا يسامحون داخلين إلى الصحارى وعبر الحدود الجزائرية. وقد ورث بلمختار كتيبة "مطهرة" من تنظيم القاعدة - ونسخة جديدة من معركة بن لادن.
من الآن فصاعداً، سوف تتوجه "طهارة سلاح" تنظيم القاعدة –وهو الأمر الذي لم يتم الاعتراف به أبداً- ليس نحو التطلع اليائس إلى إقامة خلافة العالم الإسلامية، وإنما إلى خوض الصراعات التي يمكن أن تذل أعداء الإسلام الكفار. وقد بقيت تكتيكات معركة بن لادن من دون تغيير، لكنه يتم التخلي عن فلسفته فقط، وبهدوء. الآن يجب على مقاتلي التنظيم –سواء من هُم في أيدي بلمختار أو آخر منافسيه، الزاهد المفترض عبد الحميد أبو زيد- إذلال الجيوش الغربية التي يستطيعون إقناعها بالتدخل في العالم المسلم. وتماماً كما كان كل جندي غربي أمكن تشجيعه على القدوم إلى أفغانستان والعراق هدفاً، كذلك يجب أن يكون كل جندي فرنسي يصل إلى مالي هدفاً.
قم بإذلال جيوش الغرب الجبارة وجرهم باتجاه خيانة حلفائهم الدمويين. هذا هو الأمر الذي يوجهه تنظيم القاعدة في المعركة الآن. وكلما كان بالإمكان استفزاز فرنسا -وأميركا وبريطانيا- أكثر ودفعها للتتحالف مع الحكومة الجزائرية الشرسة أو القتلة في الجيش المالي، أصبح انتصار تنظيم القاعدة أكبر. والآن، تم بالفعل حذف فصل الرعب الفرنسي والبريطاني من المذبحة الجزائرية في حق الرهائن والمسلحين في مرفق أميناس للغاز على حد سواء من السجل. وقد أعلن ديفيد كاميرون بسذاجة -وبنص ربما يكون قد كتبه بلمختار نفسه- أن "تصميمنا أقوى من أي وقت مضى على العمل مباشرة مع الحلفاء في جميع أنحاء العالم لاستئصال هذه الآفة وهزيمة الإرهاب". وبصرف النظر تماماً عن كليشيهات كاميرون المروعة ("استئصال"، "الآفة") - التي توازي بشكل غريب خطاب تنظيم القاعدة الممل- فإن ذلك يضع المملكة المتحدة فعلياً في حلف مع النظام القاتل في الجزائر. ما أكثر أشباه ماكبث هناك!
في هذه الآونة، تنقل جماعات حقوق الإنسان تقاريراً عن قيام الجيش المالي بعمليات قتل انتقامية ضد المدنيين الطوارق في البلدات "المحررة" حديثاً. والآن، يقال لنا إن "دبلوماسيين غربيين"، تلك الجماعة من النصابين الذين نحبهم نحن الصحفيين، كانوا قد "حذروا منذ فترة طويلة من أن الجيش [المالي] سوف يتورط في عمليات قتل انتقامية". من المؤسف أنهم لم يقولوا لنا ذلك قبل شهر. ثم لدينا وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو درايان وهو يفشي لنا أن متمردي بلمختار قد "نوعوا أساليبهم. فهم يمكن أن يغادروا بلدة في أي وقت، أو أن يختلطوا بالسكان ... إنها حرب عصابات في المدن، بقدر ما هي حرب، ولذلك تكون إدارتها معقدة للغاية". لكنه لم يقل لنا ذلك قبل شهر، هل فعل؟
نشرت وكالة الأسوشيتد برس –وهي ليست، كما ينبغي أن أعترف، وكالة الأنباء لدي للحقيقة العالمية- تقريراً رائعاً ذكياً كتبه روكميني كالاماتشي مؤخراً، والذي سرد كيف وصل زميل بلمختار الجهادي
عبد الحميد أبو زيد إلى بلدة ديابلي في مالي، واستولى على بيوت المدنيين بمساعدة قدامى المحاربين القادمين من العراق وأفغانستان، واختبأ فيها من أجل تفادي الضربات الجوية الفرنسية، وقدم الهدايا للأطفال، وعرض دفع الإيجار والمال لقاء المياه، وأكل -بينما يحرسه خمسة رجال مسلحين- صناديق من المواد الغذائية المستوردة من الجزائر. "أكل المعكرونة وتناول الحليب المجفف، وقرأ القرآن، ووضع الخطط للحرب".
هاكم مختصر الحكاية: تجاهلهم، فتكون قد خسرت "الحرب على الإرهاب". قاتلهم، وسوف تواجه الإذلال. ويفهم مختار بلمختار الجزائري ذلك. ونحن لا نفعل. ويحدثنا وزير الخارجية الفرنسي عن تنوع التكتيكات. تمويه، اختلاط بالسكان. ها هي غابات بيرنام تتقدم إلى دونسينين.(1)


*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Mokhtar Belmokhtar, the new face of al-Qa'ida (and why he's nothing like Osama bin Laden)
(1) في مسرحية ماكبث، يأمر مكدوف جنوده بالتقاط الأغصان من أشجار غابة بيرنام واستخدامها كتمويه، بحيث عندما ينظر حراس ماكبث من أبراج قلعته، يعتقدون أن الغابة هي التي تقترب من القلعة. (المترجم)

التعليق