لا تغيير على طبيعة الأداء الأمني في مصر ما بعد الثورة

تم نشره في السبت 16 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

لويزا لفلاك - (فورين بوليسي) 6/2/2013

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

في الفترة الأخيرة، امتدت الانشقاقات والقلاقل من القاهرة إلى منطقة قناة السويس، مخلفة أكثر من 60 قتيلاً وآلاف الجرحى. وما تزال الشرطة المصرية فوضوية ووحشية في الغالب، في تذكير صادم بأن الأجهزة الأمنية المصرية قد ظلت من دون إصلاح وغير قابلة للمحاسبة في جزئها الضخم، بعد عامين من سقوط نظام الرئيس السابق حسني مبارك. وبالرغم من أن الشهور الأولى للرئيس محمد مرسي عرضت مسوغا للاعتقاد بأن إحداث التغيير الممنهج في داخل وزارة الداخلية هو احتمال غير بعيد، يدفع التعنت المستمر من جانب الأجهزة الأمنية والرئاسة والمعارضة السياسية في مصر إلى الاعتقاد بأن احتمال الإصلاح قد أصبح الآن بعيد المنال.
وقد تجلى الغضب الشعبي في وحشية شرطة القاهرة مؤخراً، عندما بثت محطات الأقمار الاصطناعية شريطا لحمادة صابر، العامل البالغ من العمر 48 عاماً، وهو يجرّد من ملابسه ويُسحل ويضرب من جانب قوات الأمن المركزي بالقرب من القصر الرئاسي لمرسي (الاتحادية).
وجاءت ردود الفعل الرسمية على إهانة صابر العلنية سريعة. وبهدف منع ضم الشريط إلى عيوب وحشية الشرطة التي علمت فترة رئاسة مبارك والمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، مضت الآلة الدعائية الرسمية إلى تجاوز الحادثة، وعرضت روايتها الخاصة عن أحداث تلك الليلة. واوردت وسائل الإعلام التابعة للدولة أن وزير الداخلية، محمد ابراهيم، أجرى مكالمة هاتفية مع صابر للاعتذار عن المعاملة التي تعرض لها، فيما اكد مكتب الرئيس أن مرسي نفسه "تألم من الشريط الباعث على الصدمة". واتبع هذه بمشهد أشبه بكوابيس كافكا، حيث أدلى صابر بشهادته من فراشه في مستشفي الشرطة، مدعيا بأن المحتجين، وليس الشرطة، هم الذين جردوه من ملابسه وضربوه. ووفق هذه الرواية، كانت قوات الأمن المركزي هي التي جاءت لانقاذه. ومع ذلك وبعد طعن اعضاء اسرة صابر بهذه الرواية للاحداث، تراجع صابر عن شهادته مشيراً إلى أنها تمت تحت الإكراه.
ويأتي الرد الرسمي على معاملة صابر من خلال محاولة لضبط الرواية الرسمية كمفاجأة صغيرة في سياق جهد الإصلاح الأمني لمصر بعد الثورة. وحتى هذا التاريخ، ما يزال ذلك يتجسد في الاقوال دون الأفعال.
وكان حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الاخوان المسلمين قد سمى إصلاح قطاع الأمن كواحد من سبعة أعمدة لمشروعه النهضوي، وهو البرنامج الرسمي الذي تبناه التنظيم في فترة التحضير للانتخابات البرلمانية في العام الماضي. ووعد المشروع الذي أعلن في نيسان (ابريل) من العام 2012 بإعادة هيكلة وزارة الداخلية، وإصدار قانون جديد لضبط الشرطة. وقد بدت العلامات المبكرة لرئاسة مرسي مشجعة. فبعد أخذه زمام السيطرة من الطغمة الحاكمة عبر انتخابات شعبية، نفذ عملية غربلة لمسؤولين كبار في الشرطة والمخابرات، مزيلاً عوائق رئيسية تعترض سبيل السيطرة المدنية على الجهاز الأمني.
لكن مرسي لم يتابع الفرص المبكرة للإصلاح، فيما يأتي ارتفاع عدد الوفيات من آخر موجة من القلاقل في مصر كتذكرة مؤلمة بضآلة الأمور التي لحقها التغيير. وكان التغير الجوهري الوحيد الذي حصل على المستوى التشريعي قد حدث في ظل البرلمان قصير العمر، عندما مرر تعديلات في القانون رقم 109 (للعام 1971) والتي تخص تنظيم الشرطة. وقد أزال ذلك حق الرئيس في التصرف كرئيس للمجلس الأعلى للشرطة، وعدل مواد تتعلق بضوابط التقاعد والراتب. لكن الهدف من هذه الجهود كان التخفيف إلى الحد الأدنى من الاستياء المتصاعد في داخل صفوف الشرطة، في حين لم يتم عمل شيء يستجيب للموضوعات التي تستمر في تسهيل ممارسة الوحشية وإساءة المعاملة من جانب سلطة الشرطة.
وفي الواقع، قاومت الحكومة جهود الإصلاح من داخل جهاز الشرطة. ومنذ ثورة 25 كانون الثاني (يناير)، استجاب على الأقل ثلاثة ضباط متوسطي الرتبة للثقافة الممنهجة لإساءة المعاملة التي يمارسها الجهاز عبر اقتراح مبادرات من شأنها تنظيفه من ضباط الفساد وتقديم تدريب افضل وآليات محاسبة اكثر فاعلية. لكن، وبالرغم من إجماعهم على ذلك مع مسؤولين رئاسيين وبرلمانيين، فإن مطالباتهم لقيت آذاناً صماء.
وبدلاً من ذلك، عمدت حكومة مرسي إلى الاستخدام المتكرر لقانون الطوارئ. وقد تم استخدام هذه المناورة التي ابتكرت أولاً في ظل حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كشريط لاصق لتمويه غياب التغيير الهيكلي. وهي تسمح للشرطة باعتقال المشتبه فيهم لفترات طويلة قبل إرسالهم إلى محاكم عسكرية، بالاضافة إلى تقويض الحقوق الدستورية ولجم الحريات الصحفية. وحسب ما تقول هبة مريف، مديرة منظمة هيومان رايتس ووتش في مصر، فإن أحكام الطوارئ تشجع إساءة المعاملة والانتهاكات التي ترتكبها الشرطة. وتقول إن عملية نقل المعتقلين من نظام العدالة المدني، وبشكل خاص "تلغي أي اشراف يمكن أن يتولاه المدعون العامون (المدنيون)".
وفي الاثناء، يتصاعد الاحساس بالافتقار إلى الإصلاح بشكل أكثر حدة خارج العاصمة. فمنذ العام 2011 سجلت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حالات متكررة من "العودة غير الضرورية لاستخدام الأسلحة النارية" من جانب الشرطة في المحافظات خارج القاهرة. وقد وثقت المنظمة حالات انخرطت فيها مجموعات من رجال الشرطة في هجمات انتقامية في ضواح مدنية.
لكن، وبعد الجولة الأخيرة من القلاقل، بدت مدينة بور سعيد الواقعة على قناة السويس وأنها خبرت أكثر حوادث الشرطة دموية في حقبة ما بعد مبارك. ومع أنه سيتم تأسيس خط زمني بالضبط للتطورات، فقد تمخضت الاشتباكات بين الشرطة والمدنيين يوم 26 كانون الثاني (يناير) عن 28 وفاة، حتى إن مزيدا من الاشخاص قتلوا خلال مسيرة الجنازات في اليوم التالي. وفي الرد على ذلك، أعلن مرسي حالة الطوارئ في المدينة، فارضا نظام منع التجول وموسعاً صلاحيات الجيش والشرطة خلال الليل. وقد أورد شهود عيان أن ناقلة جنود مدرعة اطلقت عيارات نارية "بشكل عشوائي" على المحتجين خلال مظاهرة تحدت نظام منع التجول. ووفق مريف، فإن الوفيات في بور سعيد تبين أنها " ليست هناك حدود على حق استخدام القوة" ضد المحتجين بالقرب من منشآت الدولة.
فيما تتفاعل تداعيات الافتقار إلى الإصلاح في شوارع مصر، تبقى درجة رغبة الحكومة في التغيير مسألة مفتوحة. ووفق الدكتور عمر عاشور، أستاذ جامعة إكستر والذي أجرى مقابلات موسعة مع مسؤولين في الاخوان المسلمين وفي الأمن، فإنهم "ينطوون على الإرادة للتغير، لكنهم لا يتوافرون على الصلاحيات لأن هناك معارضة داخلية قوية في داخل صفوف وزارة الداخلية، وهناك أيضاً عدم ثقة عميق بينهم وبين بعض الشخصيات في داخل وزارة الداخلية. وبالاضافة إلى ذلك، يتعرض القصر الرئاسي للهجوم كل بضعة أسابيع. وفي غمرة ذلك، تراهم يحتاجون إلى الخدمات الأمنية، ولذلك لا يريدون هز الجهاز".
الآن، أفضت حالت الاستقطاب المتنامي بين النخب السياسية في البلد إلى وضع فرص الإصلاح في مكان أكثر حرجاً، وفق عاشور. وفيما حاولت شرائح معينة من المعارضة إقناع مسؤولي الدفاع والداخلية بأهلية رجلها القوي الخاص، كما يقول عاشور، فإن القرينة السياسية تنمو باطراد في عكس اتجاه الإصلاح.
ومع ذلك، وحتى لو كانت حكومة مصر تفتقر إلى القدرة على الإصلاح، فإنها تتمتع بالقدرة على خفض مستويات المواجهة إلى الحد الأدنى من خلال خطابها الخاص. ومنذ منتصف العام ،2011 سجل تحول في نبرة البلاغات الرسمية فيما يتعلق بدور ومسؤوليات قوة الشرطة. وقد منح القبول المبدئي بالحاجة إلى إجراء تغيير فضاء للتركيز على أهمية استخدام القوة في وجه القلاقل. وتؤكد البلاغات راهناً على حق قوات الأمن المركزي في الدفاع عن ممتلكات الدولة بأي قوة تراها مناسبة. وفيما يستمر سفك الدماء، فإن هذه البلاغات يمكن أن تكون ملهبة للمشاعر بشكل مأسوي.


*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Egypt's Static Security Sector

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق