في ذكرى استشهاد حسن البنا: الإخوان وسنة التجديد

تم نشره في الجمعة 15 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

في الثاني عشر من شباط (فبراير) 1949، كانت يد الغدر قد وصلت الإمام الشهيد حسن البنا الذي أسس جماعة الإخوان المسلمين العام 1928، فاغتالته وأنهت حياته. وقد كان للإخوان المسلمين جهد كبير في حرب العام 1948 دفاعا عن فلسطين، وعلى أكثر من جبهة؛ من مصر والأردن وسورية. كما كان للجماعة فضل عظيم في التوعية وحفظ الهوية الإسلامية، والإسهام الكبير في بث روح الحرية والاستقلال؛ إذ كان الانتداب البريطاني بوقعه الهادئ يمكّن للغزو الفكري في مصر بالذات، ويهيئ الأرضية الكاملة لإقامة الكيان اليهودي وحمايته.
وعلى إثر حرب 1948، وتنامي شعبية الإخوان المسلمين، كان قرار النقراشي باشا، رئيس وزراء مصر حينها، في كانون الأول (ديسمبر) 1948 بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة ممتلكاتها، واعتقال رجالها وزجهم في السجون. وتم التدبير لاغتيال المؤسس، وظن قاتلوه من أعوان الملك فاروق والإنجليز أنهم أنهوا دعوته. لكن سرعان ما تتابعت الأحداث، وكانت حركة الضباط الأحرار؛ فتم إنهاء حكم فاروق نفسه. لكن هذه الثورة ما لبثت أن انحرفت هي أيضا عن مسارها، لتُدخل البلاد في نفق الاشتراكية، وتشدد من حربها على مخالفيها من الإخوان المسلمين الذين ساعدوا الضباط الأحرار على الثورة. ولكن كان ما كان، وكانت سجون التعذيب التي ما سمع بها التاريخ من قبل، وليس هذا مجال التفصيل فيها.
يظن الظالم أحيانا أنه بقتل مخالفه أو سجنه سيقتل فكره وروحه؛ فلا يدري هؤلاء الأغبياء أن الأفكار لا تقتل، بل ربما يساعد قتل صاحبها في انتشارها، إذ ما لبث فكر البنا أن انتشر، وهو الإسلام نفسه بشموليته. فالبنا رحمه الله لم يأت بجديد إلا أخذ الإسلام بشموليته وعالميته، بينما كانت الأفكار الأخرى حينها مقيدة في محاربة بدعة أو إحياء سنة أو اتباع طريقة صوفية أو دعوة فئة، وهذا الذي أدى إلى سرعة انتشار هذه الفكرة وجماعتها في العالم كله، وكتب لها القبول. فأصحابها ضحوا من أجلها، وهي تجسد الإسلام كما هو، وتبعث الأمل في الأمة بأن هذا الدين منتصر لا محالة. وإن الظالمين يحاولون ويبذلون جهدهم لإسكات الحق، ولا يدرون بعدها كيف تنتصر الأفكار. فهذا الدين أراده الاستعمار وأتباعه دينا باردا لا علاقة له بالحياة، وأرادوا نشر العلمانية بحذافيرها كما هي في بلادهم، ومكّنوا لنشر أفكار هدامة ماسونية وتغريبية، وحاولوا عبر رموزهم محاربة اللغة العربية والتراث الإسلامي والقيم الأخلاقية، ونشروا في مصر على وجه التحديد مبادئ التجديد (حسب مفهومهم) والثورة على الحجاب، لكن كان للإخوان –مع غيرهم- الفضل الأكبر في التوعية والنهضة الفكرية، الأمر الذي لا يريده أصحاب المشاريع الأخرى، فكانت الاعتقالات والسجون والتقتيل.
قُتل أصحاب الفكرة، لكنها انتشرت. وقتل سيد قطب، فكان تفسيره وكتاباته أسرع انتشارا في الأرض، ولها أتباعها ومحبوها حتى من غير الإخوان المسلمين. ولا يريد هؤلاء الحمقى من الظلمة أن يفهموا أن هذا دين الله، وأن محاربته هي محاربة لله أولا، ومن يطيق حرب الله؟! ومن الذي يستطيع أن يطفئ نور الله؟! صحيح أن جماعة الإخوان من المسلمين وليست هي جماعة المسلمين، وأتباعها بشر يصيبون ويخطئون، ولكن لا يمكن لعاقل أن ينكر تأثيرهم في العالم كله، فلهم الفضل بعد الله تعالى، وبالتعاون مع الجماعات الأخرى، في حفظ هوية الأمة، ونشر الإسلام في العالم الغربي، وبث الأمل في النفوس.
ومع هذا كله، فللإخوان تجاربهم السياسية على وجه التحديد، وهم الآن يحكمون في أكثر من بلد؛ في مصر نفسها التي عانى فيها الإخوان ما عانوا، وفي تونس وغزة، ولهم الشأن الأكبر في الحكم في المغرب، ومستقبلهم في ليبيا واعد. ولا يمكن أن يُتركوا وشأنهم في الحكم والإصلاح؛ إذ إن التنغيص عليهم مستمر وربما لن يهدأ، فالطريقة التي جاؤوا بها مختلفة عما كان في تركيا مثلا، وهم أمام تحد كبير لا يُحسدون عليه، فهناك حرب إشاعات وتمويل خارجي سخي من دول بعينها لا تريد للمشروع الإسلامي أن يكتمل، ولا تريد أن يصلها الربيع العربي. ومرة أخرى، لا يدري هؤلاء أن الله لهم بالمرصاد، فالموضوع الآن ليس موضوع إخوان مسلمين بقدر ما هو موضوع إسلام حُجب عن الساحة طيلة الفترة الماضية، وموضوع إصلاح في الأمة شامل، وأنها روح حرية وإرادة وثقة بالنفس جديدة تنتشر ولا يمكن الرجوع بشأنها إلى الوراء.
وفي هذا السياق، ووفق سنة التجديد التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنها، بأنه سبحانه يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، فمطلوب من جماعة الإخوان المسلمين أن مفهوم التجديد الذي قد يأتي على الجماعة نفسها. فالمرحلة تغيرت، والواقع يتطلب مرونة أكثر. والثابت لا يمكن تغييره حيث القواعد والأصول والغايات، والمتغير معروف في الوسائل ومواضع الاجتهاد وترتيب الأولويات. وإن متطلبات الحكم والدولة غير متطلبات الفرد والدعوة.
ومن هنا، فالإخوان مطالبون بالمرونة السياسية أكثر، وباستيعاب الآخرين وفتح مجالات وقنوات معهم أكثر. وعليهم أن يجمعوا بين متطلبات الحكم -حيث الشراكة والجسور مع الغالبية- ومتطلبات الدعوة والتربية، ولكن بدون أن تشوّش إحداهما على الأخرى، بأن يتم الفصل بين الجماعة والعمل الحزبي مثلا،  وعليهم تهيئة الكفاءات في المجالات كلها، والثقة بالنفس. وإن هم أحسنوا هذا كله، فهي القوة التي تحثهم على الشراكة مع أصحاب المناهج الإسلامية الأخرى، بل مع غيرها من أصحاب التوجهات الصادقة. أما إن هم أحجموا وتقوقعوا على أنفسهم، فهي علامة ضعف قد يلحقها استبدالهم، فسنة الله ماضية في حفظ دينه: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" (محمد، الآية 38)؛ فالعبرة حينها بالدين أن يُحفظ، لا بالفئة أو الجماعة.
إن الله تعالى يدعونا عموما إلى الإخلاص والصدق وإحسان العمل وأن نكون قدوة. وفي شأن المواجهة مع الباطل، يدعونا أن: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" (الأنفال، الآية 46). فالصراع بين الحق والباطل مستمر باق، ولا بد أن نحرص على وحدة المسلمين والبعد عن التعصب: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" (آل عمران، الآية 103). وأتساءل: هل في تأمير النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره أسامةَ بن زيد على جيش فيه أبو بكر وعمر وكبار الصحابة رضوان الله عليهم ما يشير إلى تجديد الثقة بالأتباع، وأن يُعطى الشباب على وجه التحديد ثقة وانطلاقا؟ فالمرجعية موجودة، والقدوة والخبرة من الشيوخ موجودة، لكن الرؤى والأولويات قد تتغير، ولا يفطن لها الجميع. فلا أقل من المراجعات والمحاسبة؛ فإن كان هذا على الصعيد الشخصي مطلوبا، فهو على صعيد الجماعات أوجب وأهم.

*أكاديمي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ماهو منهج الجماعة (عابر سبيل)

    الأربعاء 20 شباط / فبراير 2013.
    أرجو من الكاتب أن لا يغفل أن جماعة الإخوان هي جماعة اقرب إلى الصوفية وهذا ليس افتراء لكن ما هو موجود في كتب سيرة حسن البنا حيث أنة أخوة ذكر أن الأول كان يزور قبر البدوي ولماذا يتم ذكرة على أنة شهيد في أي معركة قتل لقد قتل على خلاف سياسي مع الملك فاروق راجعوا فلم الوثائقي الذي بث ع الجزيرة الوثائقية عن حسن البنا
  • »مناصر للدعوة (ابوعبيدة)

    الأحد 17 شباط / فبراير 2013.
    رحم الله شيخ المجاهدين في زمن عز فيه الرجال وانها دعوة منصورة بأذن الله طالما الهدف ارضاء الله ولكن اذا دخلت الدنيا في قلوب الرجال ستكون النهاية المخزيه .
  • »إمام الدعوة (عمر أبو زيتون)

    السبت 16 شباط / فبراير 2013.
    رحم الله الشهيد الإمام حسن البنا , فقد كان صاحب فكر ودعوة وذو بصيرة نفتقدها في هذا الزمن والذي نسأل الله عز وجل أن يهيء لنا فيه رجالا كالبنا وأمثاله ليحرروا الأمة من العبودية التي يعيشونها .