معرفة زوجات المصطفى صلى الله عليه وسلم

تم نشره في الجمعة 1 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

د. علي جمعة*

من مقتضيات الوقوف على سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، معرفة أزواجه. فقد عِشنَ، رضي الله عنهن، معه، ونَقلن عنه كثيرا من شؤون حياته التي نوَّرت للمسلمين سبيل حياتهم بقبسات ومشاعل من ضياء سنته وبهاء طريقته التي يسعد بها المرء دنيا وأخرى. وتكريما لمقامهن المنيف وشأنهنَّ العالي، جعلهنّ الله أمهات للمؤمنين؛ إذ قال تعالى: "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ" (الأحزاب، الآية 6).
وأُولى زوجاته الشريفات، السيدة خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِالْعُزَّي بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلاَبٍ الْقُرَشِيَّةُ الْأَسَدِيَّةُ. تزوّجها قبل الوحي ولها أَربعون سنة، وكان عمره صلّى الله عليه وسلم خمسة وعشرين عاما، ولم يتزوج عليها حتى ماتت. وأَولاده كلهم منها إلا إبراهيم. وهي التي آزرته على النبوّة وجاهدت معه، وواسته بنفسها ومالها. وأَرسل اللّه إليها السّلام مع جبريل؛ وهذه خاصّة لا تُعرف لامرأَة سواها. وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة أَبي طالب بثلاثة أَيام.
وقد ساندت رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما نزل عليه الوحي بقولها: "كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدا، فَوَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ" (صحيح البخاري/ 4953).
وقد بيّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكانة السيدة خديجة عنده، وفضلها في نصرة دين الله بقوله: "أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بنتُ مُحَمَّدٍ، وَمَرْيَمُ بنتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ بنتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ" (مسند أحمد/ 2668).
قال ابن إسحاق: "ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلاك خديجة وأبي طالب. وكانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام، كان يسكن إليها" (سيرة ابن إسحاق 1/ 243).
وعن عائشة قالت: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أَثْنى عليها فأحسن الثّناء. قالت: فغرتُ يوماً، فقلت: ما أَكثر ما تذكرها حَمْرَاءَ الشِّدْقِ، قد أَبدلك اللّه عزّ وجلّ بها خيراً منها. قال: "ما أبدلني اللّه عزّ وجلّ خيراً منها. قد آمنت بي إذْ كفر بي النّاسُ، وصدّقتني إذ كذّبني النّاس، وواستني بمالها إذ حرمني النّاس، ورزقني اللّه عزّ وجلّ ولدها إذ حرمني أَوْلاَدَ النّساء" (مسند أحمد/ 24864).
وكان رسول الله يَبَر خديجة ويكشف عن مكنون حبها في قلبه بعد موتها بصلة أحبابها وأصدقائها؛ فعن عائشة، قالت: دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ، فَأُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنَ الطَّعَامِ وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا تَغْمُرْ يَدَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ هَذِهِ كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ، أَوْ حَفظَ الْعَهْدِ مِنَ الإِيمَانِ" (المعجم الكبير للطبراني/ 23).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا بِي أَنْ أَكُونَ أَدْرَكْتُهَا، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِكَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهَا، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيَتَتَبَّعُ بِهَا صَدَائِقَ خَدِيجَةَ فَيُهْدِيهَا لَهُنَّ" (سنن الترمذي/ 2017). وعنها أيضا قالت: "اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَشَبَّهَهُ بِاسْتِئْذَانِ خَدِيجَةَ، فَارْتَاحَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَالَةُ"، فَغِرْتُ، وَمَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ" (المعجم الكبير للطبراني/ 18).
ثم تزوّج رسول الله صلّى اللَّه عليه وسلّم بمكّة بعد موت خديجة بأيّام السيدة سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ الْعَامِرِيَّةَ الْقُرَشِيّةَ، وأمها الشموس بنت قيس بن النجار الأنصاري، وكانت قبله تحت ابن عمها السكران بن عمرو، أخي سهيل بن عمرو، وكان مسلما فتوفى عنها، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي التي وهبتْ يومها لعائشة، وتوفيت آخر خلافة عمر.
وتزوّج النبي صلى الله عليه وسلم السيدة زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَة بْنِ الْحَارِثِ الْقَيْسِيّةِ مِنْ بَنِي هِلالِ بْنِ عَامِرٍ، وكان يقال لها: أم المساكين، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن حماطة بن جرش بن أسلم بن زيد. وهند هي أمّ لكل من: أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، وأسماء بنت عميس الخثعمية، وأروى بنت عميس زوج حمزة بن عبدالمطلب، وأم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبدالمطلب، ولبابة الصغرى بنت الحارث الهلالية أم خالد بن الوليد.
وكانت تحت عبدالله بن جحش، فلما استشهد في أُحد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث من الهجرة، وتُوُفّيت عنده بعد ضمّه لها بشهرين، وهي في الثلاثين من عمرها.
وتزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم السيدة أمّ حَبِيبَةَ وَاسْمُهَا رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ الْقُرَشِيّةُ الْأُمَوِيَّةُ، أمها صفية بنت أبي العاص بن أمية. ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عاما، وتزوجها عبيدالله بن جحش الأسدي، وأسلما وهاجرا إلى الحبشة، فولدت له حبيبة، وبها كانت تكنى. ثم  تنصر زوجها وارتد، فتزوّجها رسول الله وهي ببلاد الحبشة مهاجرة، وأَصْدقها عنه النّجَاشِيّ أربعمائة دينار، وماتت في أيام أخيها معاوية.
تلك نماذج عن بعض ما ينبغي معرفته عن أزواج سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم، اللاتي ارتضاهن الله تعالى زوجات له. وللحديث بقية عمن بقي من هؤلاء الزوجات الصالحات القانتات رضي الله عنهن أجمعين.


*مفتي الديار المصرية

التعليق