"إخوان" مصر لم يعودوا "دولة داخل الدولة"

تم نشره في السبت 29 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • مصريون يشاركون في الاستفتاء على الدستور الجديد مؤخراً -(أرشيفية)

 دالاس دارلينغ* - (ميدل إيست أونلاين)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
بعد قرن من ملاحقتها وإرغامها على النزول للعمل السري تحت الأرض، فيما يعود بشكل رئيسي إلى وجهات نظرها القومية والمعادية للإمبريالية والمؤيدة للقضية الفلسطينية، عملت جماعة الإخوان المسلمين كقوة اجتماعية-سياسية تعمل من أجل تحقيق العدالة والمساواة. كما قام الإخوان المسلمون بتقوية مسلمي مصر من خلال إعادة بناء الحياة الإسلامية على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية. وفي العديد من المناطق المضروبة بالفقر، كسب الإخوان الشعبية من خلال بناء المدارس والمصانع والمستشفيات، وقد شكل الكثيرون من المعلمين والعمال المهرة والمحامين والأطباء والعمال الصناعيين قاعدة الإخوان المسلمين، حتى وصفت الجماعة بأنها "دولة داخل دولة".
مصر الواقعة في موضع استراتيجي في شمال أفريقيا، بالقرب من ملتقى ثلاث قارات، حيث يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط، ومن الغرب ليبيا ومن الجنوب السودان ومن الشرق البحر الأحمر والأردن وقطاع غزة وإسرائيل، تجد نفسها مرة أخرى في مركز دراما متكشفة فريدة من نوعها ومحفوفة بالمخاطر. لكننا نرى هذه المرة أن أهمية مصر الجغرافية -وهي البوابة الغربية لآسيا وموطن قناة السويس- وقد تحولت إلى أهمية سياسية بامتياز، خاصة مع انتخاب الرئيس محمد مرسي المدعوم من حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين وغيره من الأحزاب الإسلامية الأخرى. وباعتبارهم قادة منتخبين، سيكون على الإخوان إدراك أنهم لم يعودوا "دولة داخل دولة".
وإلى جانب الاعتراف بهذه الحقيقة، وفيما يتعلق بمسودة الدستور المصري الجديد والمثير للجدل وما أعقبه من مظاهرات وقلاقل، ينبغي على الرئيس مرسي والإخوان المسلمين تجنب أن يصبحوا هم "الدولة" أيضاً. وتدعي مجموعات المعارضة التي رفضت عقد اجتماع مع الرئيس مرسي وإجراء حوار حول الدستور (أجري استفتاء شعبي عليه يوم 15 كانون الأول-ديسمبر الحالي) بأنه دستور منحاز، ويستند إلى الشريعة التي تضبط الحياة الخاصة والعامة على حد سواء. وقد توقعت مجموعات إسلامية أخرى إحداث فصل أكثر صرامة بين المسجد والدولة، وأن تكون حياة الشخص مستندة بالضرورة إلى السلوك المثالي للرسول محمد عليه الصلاة والسلام.
وثمة مخاوف أيضاً من أن مسودة الدستور تجعل رجال الدين المسلمين متحكمين في العديد من الحقوق المدنية، ومن شأن ذلك أن يضع أسساً دستورية أمام المواطنين لتأسيس "قوة بوليس آداب" لمراقبة السلوكيات. وبينما يريد الإسلاميون الجدد تضمين أفكارهم الحديثة والعلمانية، يسعى مسيحيو مصر الذين يبلغ تعدادهم ثلاثة ملايين شخص إلى تمثيل وحماية تقاليدهم وحقوقهم الدينية. وبعد تهدئة المشاغبين والمتظاهرين في ميدان التحرير، أصدر حتى العسكريون بياناً قالوا فيه إن الحوار هو السبيل الأفضل والوحيد للتوصل إلى اتفاقية ولإنجاز الوحدة. فهل يقدم القادة المنتخبون حديثاً ضمانات على أن نظاماً دكتاتورياً لا يحل محل نظام آخر؟
من أجل تأسيس مجتمع أكثر تمثيلاً وميلاً إلى العدالة، ينبغي على الرئيس مرسي والإخوان المسلمين أن يتبنوا "سياسة المصالحة" وأن يتجنبوا "سياسة رد الصاع". ومع أن جماعة الإخوان المسلمين دعمت الثورات الشعبية، وساعدت حتى في إنهاء الحكم الامبريالي والأوروبي- الغربي، فإن كل المصلحين العلمانيين الحداثيين الجدد تطلعوا إلى حليفهم المتدين (الإخوان المسلمين) خائفين من التهديدات التي قد تواجهها قياداتهم. وفي هذا الإطار، ينبغي رفض عمليات الانتقام التي ارتكبتها الأنظمة السابقة، مثل نظام حسني مبارك، والتي أسست نظام عدالة منفصلاً من أجل إسكات كل المعارضة، وحتى معاقبة وتعذيب وقتل أي شخص تحس بأنه يشكل تهديداً.
من أجل تمثيل الجميع وتشكيل مجتمع سلمي ومرتكز إلى العدالة، فإنه لا مكان لتعايش النزعة العسكرية مع الجماهير الفقيرة المعدمة. وعندما اعتلى مبارك سدة الرئاسة، فشل في تعزيز التنمية الاقتصادية الجماهيرية، وحكم بيد دكتاتورية باطراد. وبالرغم من بلايين الدولارات التي أتت في شكل مساعدات اقتصادية وعسكرية من الولايات المتحدة، فإن 50 % تقريباً من المصريين ظلوا فقراء. وكان من شأن اقتصاد سوق رأسمالي فاسد مفروض بالإكراه، واقتصاد حيد العديد من المصريين وحط من قدر إنسانيتهم، أن يسمح بصعود الفصائل الإسلامية المعتدلة والمتشددة على حد سواء. وبالتالي، نجمت اختلافات حول العودة إلى الإسلام الأكثر تقليدية وروحانية أم اختيار الطرق الليبرالية والعلمانية.
وقد أجبرت المجموعات المستاءة، مثل الإخوان المسلمين، على النزول تحت الأرض. وسجن قادتها أو اغتيلوا. وأفضت عمليات تعليق الحقوق الدستورية والحد من حرية التعبير والتجمع ومنح الحكومة الحق في سجن الناس إلى أجل غير مسمى ومد صلاحيات الشرطة وشرعنة الرقابة، أفضت ببساطة إلى المزيد من الإضرابات وحالات التمرد المسلح. وتسببت هذه الممارسات الانتقامية في زعزعة ثقة العديدين، وحتى في استيائهم من التدخل الغربي. وبينما روج المسلمون المعتدلون العمل الاجتماعي والعمل الخيري، انتهج آخرون نهج التغيير من خلال الحملات السياسية، وفي بعض الأحيان من خلال العمل العسكري. ومرة أخرى، التفت العديدون إلى الإخوان المسلمين من أجل المساعدة والقيادة.
طوال قرون، ظل الإسلام مصدر الإلهام للعديد من التغييرات في التقاليد السياسية والدينية والعلمانية. واليوم، ما يزال العديدون يعتقدون بأن الإسلام والإخوان المسلمين في مصر والرئيس مرسي يستطيعون خلق نظام اجتماعي عادل وأكثر مساواتية. غير أنه في ضوء التقاليد الدينية المتنوعة في مصر والعديد من المعتقدات الثقافية، فإنه ينبغي صناعة مجتمع تعددي وبدستور تعددي، وهو شيء ما تزال معظم القوى الغربية تكافح لأجله. ولإنجاز ذلك، ينبغي على الإخوان المسلمين أن يتذكروا رحلتهم الطويلة والشاقة، وأن يستحضروا تاريخهم الخاص من التعاطف والعدالة الاجتماعية، معترفين بأنه عندما تحافظ المجموعات المتنوعة على مصالحها الخاصة، فإن الأمة كلها تستفيد.
وفي الوقت نفسه، فعندما تحترم الحقوق الإنسانية، وعندما تتحسن حيوات الجماهير الفقيرة، وعندما يتم تجنب تفعيل دكتاتورية الحزب الواحد (سواء كانت تفضل النخب الغربية أو رجال الدين المسلمين) فإنه سيظهر مجتمع سلمي تحكمه المساواة. وتدرك الدساتير التعددية دائماً أن الفضائل الأخلاقية تكمن بين نهايتين متطرفتين، بمعنى أن ما هو صواب بالنسبة لطرف لا يكون صحيحاً بالنسبة للجميع بالمقدار ذاته، وأن العدالة عمياء، وأن لكل شخص قيمة غير مشروطة. وإذا استطاعت مصر إنجاز هذه المبادئ، فإنها ستتجنب العنف الطائفي الذي يعصف بدول أخرى مثل العراق وأفغانستان بسبب حربي أميركا الوقائيتين واحتلالها العسكري. وهي تنطوي على إمكانية أن تصبح أنموذجاً أخلاقياً وتعددياً جديداً.
وتعني كل من كلمتي السنة والشريعة "الطريق المطروق" و"الطريقة"، كما تعني التقاليد الدينية الأخرى والمعتقدات الأكثر حداثة في مصر. وستكون خسارة مأساوية لإفريقيا وللعالم إذا انزلق أول مجتمع بشري منظم بشكل كبير في التاريخ إلى أتون الصراع الأهلي وسفك الدماء. ومرة أخرى، يبقى التشدد جيداً للاحتجاج وجيداً للثورة وجيداً للحرب، لكنه ليس جيّداً للتنمية، ولا هو جيد للحوار ولا للمجتمع التمثيلي التعددي الذي يتمتع بوفرة من حالات المساواة السياسية والمجتمعية والحريات المسؤولة. ولن تتمكن "دولة داخل دولة" من الحكم بفعالية أبداً، لكنه يستطيع ذلك القادة المنتخبون شعبياً والذين يمثلون الجميع بنزاهة ومسؤولية.

*مؤلف كتاب "سياسة 501: قراءة من الألف إلى الياء في الفكر والعمل السياسي الواعي"، و"بعض الأمم فوق الله: 52 انطباعاً أسبوعياً عن إمبريالة وعسكرة العصر الحديث". وكتب أخرى.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Egypt’s Muslim Brotherhood Is No Longer a “State Within a State”

التعليق