من أسمائه تعالى: الكريم

تم نشره في الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

د. علي جمعة*

قال تعالى: "وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ" (النمل، الآية 40).
والكريم صاحب الكرم، ‏وهو: اسم جامع لكل ما يحمد ويرضي في بابه، ومنه: وجه كريم، وكتاب كريم. وإذا أضيف الكرم إلى الله تعالى، فهو اسم لكمال إحسانه وإنعامه. وأكرم تفضيل من الكرم، وقد ورد وصف الله به في قوله تعالى: "اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ" (القلم، الآية 3). ولفظ "الأكرم" ليس مصوغا للمفاضلة هنا، وإنما هو مصوغ للدلالة على قوة الاتصاف بالكرم.
ومعنى اسم "الكريم" في حق الله تعالى أنه: هو الذي لا يضيع من توسل إليه، ولا يترك من التجأ إليه. وهو الذي يبتدئ بالنعمة من غير إيجاب، ويتبرع بالإحسان من غير سؤال، ويعفو عن السيئات، ويغفر الذنوب ويخفي العيوب، ويكافئ بالثواب الجزيل على العمل القليل. وقد جعل كل ما في الأرض لمنفعة عباده.
ولقد ذم القرآن من يغفلون عن شكر الله تعالى على نعمائه، وهم يتمتعون بها فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ" (الانفطار، الآية 6). وخص ذكر وصف الكريم هنا دون غيره للتذكير بنعمة الله على الناس ولطفه بهم؛ فإن الكريم حقيق بالشكر والطاعة. ولعل من يغفل عن الشكر يظن أن الإنعام دليل على الرضا والقبول، ويغيب عنه أنه ابتلاء يستوجب الشكر والطاعة؛ قال تعالى: "فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ" (الفجر، الآيتان 15-16).
والمسلم ينبغي عليه أن يعتقد أن الله تعالى هو الكريم على الإطلاق، وأن كرم الله تعالى الحقيقي على الإنسان هو هدايته للتقوى؛ قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات، الآية 13).
ولقد تخلق الأنبياء عليهم السلام باسم الله الكريم حتى وصفوا به، ومنهم نبي الله يوسف وآباؤه عليهم السلام، إذ سُئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكرم الناس، فقال: "أتقاهم لله". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابنُ نَبِيِّ اللهِ ابنِ نَبِيِّ اللهِ ابنِ خَلِيلِ اللهِ" (متفق عليه). وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم عنهم: "إِنَّ الكَرِيمَ ابنَ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يَعقُوبَ بنِ إِسْحَاقَ بن إِبْرَاهِيمَ" (مسند أبي يعلى/ 5932).
وكذلك كان صلى الله عليه وسلم متخلقا بهذا الاسم العظيم، إذ كان أكرم الخلق صلى الله عليه وسلم. وقد وردت شواهد ذلك في مواطن كثيرة، منها ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه. قال: فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة". (صحيح مسلم/ 2312).
وعطاؤه صلى الله عليه وسلم لم يكن مقتصرا على من حوله من المؤمنين، وإنما شمل الكافرين أكثر من المؤمنين. ومن ذلك ما ذكره ابن شهاب الزهري، من أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى صفوان بن أمية في فتح مكة، وكان وقتئذ كافرا، مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة. وفي ذلك يقول صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي. فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي (صحيح مسلم/ 2313).
فعلى المسلم أن يقتدي بذلك الخُلق، وأن يحسن ظنه بربه الكريم، فلا يخشى على نفسه فقرا أو إذلالا؛ وأن يكون سخيا كريما ليرضي ربه، وليجلب حب الناس له. وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
دار من الناس ملالا بهم
        من لم يدار الناس ملوه
ومكرم الناس حبيب لهم
        من أكرم الناس أحبوه
وليحرص على أن يكون عطاؤه من غير منة. وإذا جفاه أحد عاتبه لكن لا يستقصيه، وإذا هجره أحد وصله. وكذلك يجاهد نفسه حتى لا يقع في البخل، لأن البخل ليس منع الآخرين، بل هو في الحقيقة حرمان للبخيل نفسه من الخير؛ قال تعالى مخاطبا المؤمنين: "هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" (محمد، الآية 38).
فاللهم أفض علينا من كرمك، واجعل ما تمن علينا به في أيدينا لا في قلوبنا، حتى تكون قلوبنا لك وحدك، وأيدينا واصلة إلى خلقك.


*مفتي الديار المصرية

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشكر لله (خالد)

    السبت 12 كانون الثاني / يناير 2013.
    اللهم ما اصبح بنا من نعمة فهي منك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر اللهم اتمم نعمتك علينا يا الله
  • »أكرمك الله يا شيخنا الجليل (اسماعيل يوسف)

    الجمعة 11 كانون الثاني / يناير 2013.
    الحمد لله الذي أكرمنا بألإسلام دين الرحمة والخير للناس كافه . وجزى الله الشيخ العلامة د. علي جمعه كل خير . وشكرا للغد .