لإنقاذ سورية.. نحن بحاجة إلى روسيا

تم نشره في الثلاثاء 25 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • التعاون الروسي-الأميركي سيكون طريقاً أقصر لحل المشكلة السورية - (أرشيفية)

ديميتري سايمز* وبول ساوندرز* - (النيويورك تايمز)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
يوم الخميس الماضي، نأى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، جهاراً بالكرملين عن الرئيس السوري بشار الأسد، وأعلن: "إننا لسنا قلقين على مصير نظام الأسد". وفيما يستمر ثوار سورية في كسب أرضية بينما تفقد روسيا الثقة في السيد الأسد، تتوفر لأميركا فرصة لإنهاء المجزرة في سورية وتحسين علاقاتها مع موسكو على حد سواء.
وتعد المساعدة في إسقاط السيد الأسد هدفاً أميركياً مهماً، لكنه يتضاءل من حيث الأهمية مقارنة مع هدف منع إيران من الحصول على السلاح النووي. وفي الحقيقة، فإن إزاحة السيد الأسد بطريقة تحيد الصين وروسيا، وكلتاهما حاسمتان في التعامل مع إيران، سيكون انتصاراً باهظ الكلفة.
وعلى العكس من ذلك، فإن العمل مع السيد بوتين يمكن أن يكون واعداً في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، حيث أحبطت معارضة روسيا المتكررة للمبادرات الأميركية منذ الحملة التي قادها حلف الناتو على ليبيا في العام 2011 العديد من جهود واشنطن الدبلوماسية. كما سيكون من شأن التعاون مع روسيا أن يحد من دور إيران في سورية والمساعدة في كبح طموحات إيران النووية.
ولن يعني انهيار حكومة السيد الأسد انتهاء متاعب سورية. وليس المهم متى سيغادر، وإنما كيف. وتجدر الإشارة إلى أن العنف في العراق أفضى إلى مقتل ما يقارب 100.000 شخص في أعقاب سقوط (الرئيس العراقي الراحل) صدام حسين. وهكذا، فإن انهياراً كلياً للحكومة والقوات العسكرية في سورية، مثل ذلك الذي هندسه الرئيس جورج دبليو بوش في العراق، سيفضي على الأرجح إلى مزيد من القلاقل وسفك الدماء، ومن الممكن أن يفرز ملاذاً آخر للإرهابيين مثل ذلك الذي وجد في أفغانستان في أعوام التسعينيات (من القرن الماضي).
وكانت حالة زعزعة الاستقرار المتنامية في ذلك البلد مباشرة بعد الانسحاب العسكري للاتحاد السوفياتي في 1988-89 عندما اختارت أميركا وحلفاؤها انتهاج محاولة تحقيق النصر العسكري الكلي ورفضت مبادرات (الرئيس السوفياتي السابق) ميخائيل غورباتشيف حول اقتسام السلطة قد ساعد في تمهيد الطريق لأحداث 11/9 (الهجمات على نيويورك وواشنطن التي اتهم تنظيم القاعدة بالوقوف وراءها). ويجب أن يكون تجنب حدوث فراغ أمني على الغرار العراقي أو تكوين ملاذ إرهابي على الأسلوب الأفغاني هدفاً أميركياً رئيسياً في سورية ما بعد الأسد. وباستطاعة روسيا المساعدة في ذلك إذا كانت إدارة أوباما على استعداد لإعادة التفكير في طريقة تعاملها مع الأزمة.
وكانت الولايات المتحدة قد دعت دائماً إلى تعاون الصين وروسيا. ومع ذلك، تبدو الإدارة وأنها على وشك تعريف "العمل سوية" بحيث يعطي روسيا الفرصة لتبني مواقف وسياسات أميركية من دون معطيات ذات معنى، وهو ما يحيّد الكرملين.
وبالرغم من رغبتها في تجنب الاستمرار في زعزعة الاستقرار وسفك الدماء في سورية، لا تبدو إدارة أوباما مستعدة حتى الآن لاتخاذ الخطوة المنطقية التالية: السعي إلى حل متفاوض عليه لإنهاء القتال. ويبدو أنها تفضل الفكرة القائمة على نصر عسكري وسياسي تام يحققه الثوار.
 ولكن، هل يعتقد المسؤولون الأميركيون بأن المعارضة السورية منظمة لدرجة كافية تمكنها من تولي المسؤولية التامة عن الحكم؟ أو أن الجيش السوري الحر يستطيع بسط الأمن في طول البلاد وعرضها؟ وكيف يمكن للولايات المتحدة وقف العمليات الانتقامية الطائفية من دون إقحام القوات وبوسائل تأثير محدودة، أو منع تلك العمليات الانتقامية من إفراز مسلسل جديد من القتل؟ وهل سيكون على أميركا أيضاً أن تتنافس مع نفوذ العربية السعودية وقطر في سورية ما بعد الأسد؟ إن لدى البلدين تفهما أفضل بكثير للشأن السوري وسياسته، بالإضافة إلى روابط مع قادة الثوار هناك، بما في ذلك البعض ممن تعتبرهم واشنطن إرهابيين.
إن من شأن التوصل إلى حل متفاوض عليه، بمساعدة روسيا، المساعدة في الاستجابة للعديد من هذه التحديات. وفي الوقت الذي يضعف فيه موقف السيد الأسد وتصبح تكتيكاته أكثر وحشية، يبدأ المسؤولون الروس بالإشارة، في أحاديث خاصة، إلى الزعيم السوري على أنه "جزار" ويقرون بأنه يجب أن يذهب. وتستطيع أميركا أن تكسب دعم روسيا في مغادرة السيد الأسد طالما لم يكن ذلك شرطاً مسبقاً، وإنما إفراز للمراحل الأولى من المفاوضات.
وتتطلب إزاحة الأسد وإرساء دعائم أرضية العمل لسورية مستقرة التوصل إلى عقد صفقة مع بعض أعضاء الحكومة الموجودة وأجزاء من العسكريين السوريين بحيث يتم حفظ بعض مؤسسات الحكومة- على الأقل خلال فترة انتقالية- وحماية العلويين وغيرهم من المجموعات التي تدعم السيد الأسد. ولعل الأكثر ترجيحاً هو أن تدعم روسيا العملية التي تحتفظ ببعض المسؤولين الأقل كرهاً لبيعهم على مؤيدي السيد الأسد، بمن فيهم الضباط العنيدون في القوات العسكرية السورية. وتفضل موسكو نائب الرئيس السوري، فاروق الشرع، كزعيم مؤقت، لكن مصادر روسية مطلعة تقول بأن الكرملين سيقبل على الأغلب قائداً ثورياً لا يكون متطرفاً إسلامياً –وهو هدف ينسجم مع الأهداف الأميركية.
قد تبدو روسيا شريكاً مكروهاً. كما أن دوافع موسكو لعملية انتقالية متفاوض عليها بالكاد تكون بدافع الإيثار: الحفاظ على روابط عسكرية وتجارية مع سورية وكسب سمعة أن تكون جزءاً من الحل لأزمة دولية رئيسية، وتجنب الانهيار المحلي من العنف في بلد يستضيف زهاء 30.000 مواطن روسي، وكل ذلك يفيد الكرملين. لكن وجود سورية مستقرة يصب في المصلحة الأميركية أيضاً.
ولذلك، نرى إدارة أوباما تواجه خياراً كبيراً. فهي تستطيع اختيار توجيه ضربة قاضية، أو اختيار سلام يتم التوصل إليه ويجلب استقراراً أكثر. وعلى أولئك الذين يدافعون عن فكرة مساعدة الثوار في تحقيق انتصار كامل أن يتذكروا أن الفصل التالي قد يكون شبيهاً جداً بما حدث في العراق أو أفغانستان.
لعل التوصل إلى حل متفاوض عليه، بتعاون روسيا، سيفرز في نهاية المطاف محصلة تخدم أفضل المصالح الأمنية الأميركية طويلة الأمد -وينقذ المزيد من أرواح السوريين.

*ديمتري سايمز هو رئيس مركز المصلحة القومية، وبول ساوندرز هو المدير التنفيذي للمركز.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: To Save Syria, We need Russia

التعليق