تحليل اقتصادي

الدين العام الأردني إلى أين؟

تم نشره في الاثنين 24 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • جرافيك -(الغد)

الدكتور عزالدين كناكرية*

عمان - يكثر الحديث حول الارتفاع المتواصل في حجم الدين العام الأردني، سواء بالارقام المطلقة او كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي وحول الاثارالسلبية المصاحبة لذلك على الاقتصاد الوطني في حال استمرار هذا الارتفاع والتوقعات المستقبلية لحجم هذا الدين والاجراءات اللازمة لاعادته الى المستويات الطبيعية.
ولدى الحديث عن الدين العام الأردني لابد من الايضاح ان هناك عدة عوامل تعمل على زيادة هذا الدين، فعجز الموازنة العامة وعجز موازنة الوحدات المستقلة وكفالة الحكومة لبعض قروض المؤسسات الرسمية الاخرى كلها تؤدي الى زيادة هذا الدين.
وعلى الرغم من الاجراءات الحكومية المتخذة خلال الاعوام الماضية ومنذ تطبيق برنامج التصحيح الاقتصادي والاجتماعي لتخفيض حجم هذا الدين والتي تمثلت بمبادلة بعض الديون الخارجية وشراء بعض الديون الاخرى واعادة جدولة البعض الآخر والتي ادت الى انخفاض نسبة هذا الدين الى الناتج  المحلي الاجمالي خلال تلك الفترة ، الا أن التزايد الكبير في عجز الموازنة العامة وموازنة الوحدات المستقلة، منذ بداية الازمة المالية العالمية العام 2009 وفي ضوء المستجدات والتداعيات المحلية والدولية والاثار المصاحبة للربيع العربي، في البلاد العربية والاضطرار لكفالة الخزينة لقروض شركة الكهرباء الوطنية نتيجة انقطاع الغاز المصري، كل ذلك أدى الى معاودة ارتفاع الدين العام الداخلي والخارجي بشكل غير مسبوق وصل الى مستويات عالية تفوق المستويات المستهدفة المقبولة، حيث تشير البيانات المنشورة في نهاية تشرين الأول (اكتوبر) من هذا العام الى وصول رصيد الدين العام (الخارجي والداخلي) الى حوالي 16.3 مليار دينار بما يعادل حوالي 23 مليار دولار اي ما نسبته حوالي 73.3 % من الناتج المحلي الاجمالي منها حوالي 1.6 مليار دينار تعود لكفالة الحكومة لقروض شركة الكهرباء الوطنية. ولاشك ان وصول الدين العام الى هذه المستويات العالية يعتبر مؤشرا حرجا ومقلقا يستدعي الوقوف عنده طويلا نظرا لانعكاسات ذلك سلبيا على كافة المؤشرات الاقتصادية بما فيها زيادة تراكمات خدمة الدين العام  والحد من فرص النمو الاقتصادي المستهدفة خاصة وان حوالي 52 % من نسبة الدين الى الناتج المحلي الاجمالي يمثل دينا داخليا تم الحصول عليه من خلال السيولة النقدية المتوفرة من البنوك المحلية بشكل أصبح يؤدي الى مزاحمة القطاع الخاص في الحصول على التمويل للمشاريع اضافة الى انعكاسه على زيادة أسعار الفائدة نتيجة زيادة الطلب الحكومي على الاقتراض من البنوك المحلية حيث تشير بيانات البنك المركزي الأردني المنشورة الى وصول نسبة الفائدة على سندات الخزينة (لفترة ثلاث سنوات) الى 8.6 %.
ان توجه الحكومة للحصول على القروض من المؤسسات الدولية الخارجية لتمويل عجز الموازنة يمكن تفهمه بأنه جاء للتخفيف من الضغط على السيولة المحلية ولا شك ان هناك آثارا ايجابية لهذا التوجه في المدى القصير حيث سيؤدي ذلك الى رفد الخزينة  بالسيولة النقدية اللازمة لتمويل احتياجات الوزارات والدوائر الحكومية دون مزاحمة القطاع الخاص المحلي اضافة الى تعزيز احتياطي المملكة من العملات الأجنبية، الا ان ما يجب الاشارة اليه ان هذه القروض ليست منحا حيث لابد من اعادة تسديد هذه القروض والقروض التي تم اقتراضها سابقا من الاسواق الخارجية  واعادة تحويل قيمتها من المملكة الى حساب تلك المؤسسات في تواريخ استحقاقها اضافة الى قيمة الفوائد التي تترتب سنويا على هذه القروض، ما  يستدعي التنبه من الآن الى ضرورة تضمين  برنامج التصحيح الاقتصادي والمالي الذي تم الإعلان عنه مؤخرا واستراتيجيات وخطط التدفقات النقدية المستقبلية بما يمكن المملكة من تسديد تلك المبالغ في موعدها دون أي تأثير على المؤشرات المالية والاقتصادية.
وفيما يتعلق بالتشريعات التي تحكم نسبة الدين المستهدفة فقد تضمنت المادتين (21) و(22) من قانون الدين العام وادارته لسنة 2001 بعدم جواز زيادة كل من صافي الرصيد القائم للدين العام الداخلي والرصيد القائم للدين العام الخارجي في أي وقت من الاوقات عن 40 % من الناتج المحلي الاجمالي بالاسعار الجارية للسنة الاخيرة التي تتوافر عنها البيانات وتضمنت المادة (23) من نفس القانون بعدم جواز زيادة الرصيد القائم للدين العام في أي وقت من الاوقات عن 60 %  وقد حددت المادة (24) من القانون الى ان سريان احكام المادتين(22) و(23) يتم اعتبارا من التاريخ الذي يقرره مجلس الوزراء،
ومما لا شك فيه ان عدم تحديد تاريخ لسريان القانون من قبل مجلس الوزراء حسب ما تضمنه القانون (بعد ان تم تحديده في سنوات سابقة ثم اعيد النظر فيه في ضوء المستجدات في ذلك الوقت)  يجعل الامر غير ملزم للحكومات للتقيد به ويؤدي الى التخوف من استمرار هذه النسبة بالارتفاع دون وجود ضوابط محكمة.
وبخلاصة القول وبهدف انسجام الاجراءات الاصلاحية التي اعلنتها الحكومة سواء في تعزيزالايرادات او تخفيض النفقات الجارية اوزيادة النفقات الرأسمالية لزيادة النمو الاقتصادي فإن الامر يتطلب الإعلان عن استراتيجية ملزمة لادارة الدين العام  منبثقة عن برنامج التصحيح الاقتصادي والمالي الذي أعلنته الحكومة يحيث تتضمن هذه الاستراتيجية تاريخ سريان النسبة المنصوص عليها في قانون الدين العام من قبل مجلس الوزراء والاخذ بعين الاعتبار آليات وتدفقات نقدية مدروسة لتسديد القروض الخارجية التي تم اقتراضها او الجاري على اقتراضها  سواء من الاسواق الخارجية او الداخلية في تواريخ الاستحقاق.


* أمين عام وزارة المالية سابقا

التعليق