السيادة الشعبية.. الأكذوبة العلمانية

تم نشره في الجمعة 21 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

أسامة شحادة*

"السيادة للشعب" هو الشعار الذي رفعته العلمانية في وجه طغيان الكنيسة ودولتها الدينية في أوروبا، وفي وجه الإقطاعيين والدكتاتوريين هناك، في القرون الماضية. وهو شعار جميل براق، يدغدغ عواطف ومشاعر الجماهير، خاصة إذا زُوق بعبارات رنانة، مثل عبارة بنجامين فرانكلين -الذي يعد من أهم وأبرز مؤسسي الولايات المتحدة الأميركية ومجددي الماسونية- بأن السيادة الشعبية تعني: "الحكام هم الخدم، والناس رؤساؤهم وأصحاب السيادة". ولكن هذه أكذوبة لا حقيقة لها!
ورغم أن فلاسفة العقد الاجتماعي، أمثال توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، نظّروا لمفهوم السيادة الشعبية على أنها الحق الذي لا محيد عنه في وجه البابا والثيوقراطية، إلا أنه مفهوم غير موجود في الواقع السياسي، ويتناقض مع مفهوم السيادة البرلمانية، ومع سيادة الفرد.
فالشعب الذي باسمه يهتفون، وباسمه يموت الآلاف في سبيل السيادة الشعبية، ليس له من السيادة نصيب؛ فلقد تم عبر الزمن إفراغ هذا المفهوم من محتواه، وهو "حكم الشعب لنفسه بنفسه عبر آليات الانتخاب الديمقراطية"!
إذ يزعمون أن شعب أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد كان يملك حق السيادة ، ولذلك كان الأثينيون يجتمعون جميعاً لبحث شؤونهم فيما سموه الديمقراطية المباشرة. لكن الشعب الأثيني الذي يقصدونه في الحقيقة، بحسب المراجع العلمانية نفسها، يقصد به فقط الذكور الأحرار؛ فلم يكن العبيد، وهم غالبية سكان أثينا، يعدون من الشعب أو لهم حقوق المواطنة، وبالمثل النساء أيضاً، واللواتي كن خارج مفهوم الشعب والمواطنة. ومن ثم، فهم يضحكون علينا بأن السلطة والسيادة للشعب!
وبعد تطور الديمقراطية عقب تاريخ دموي مليء بالمآسي، ظهر مفهوم الديمقراطية التمثيلية أو النيابية، والتي تعني أن يفوض الشعب بعض الشخصيات لينوبوا عنه في إدارة الدولة، فيما يُعرف اليوم بمجلس النواب، وذلك لصعوبة اجتماع جميع الشعب لكثرة العدد واتساع رقعة البلاد. وهكذا أصبح هؤلاء النواب يمثلون الشعب. لكن نلاحظ هنا أن النواب بدأوا يتحكمون بمجموع الشعب بما يريدون وليس بما يريد الناس، ولذلك يخرج الشعب ليطالب بحل البرلمان ورفض قراراته، وهو الذي يُفترض أنه يمثل الشعب!
من جهة أخرى، ما تزال هناك شرائح كبيرة من الشعب محرومة من المشاركة في اختيار النواب. فمثلاً، أقدم قانون انتخاب، وهو الذي ظهر في إنجلترا العام 1265، كان يحصر حق الاقتراع بمن يملك قدراً معيناً من المال دون بقية الناس! ويقولون السيادة للشعب! كما أن المرأة في أوروبا لم يسمح لها بالمشاركة السياسية إلا في العقود الأخيرة. وكذلك أيضاً السود الذين مُنعوا من حق المشاركة عقوداً أو حتى قروناً طويلة جداً. وإلى اليوم، ما تزال هناك فئات كثيرة من الشعب محرومة من المشاركة في حق سيادة الشعب، من قبيل من هم دون سن محددة من المشاركة السياسية! فإذن، ليست السيادة للشعب، بل الحقيقة أن السيادة هي لبعض الشعب!
ومن آخر ما تم في مصادرة حق الشعب في السيادة، ما آلت إليه عملية الانتخابات واعتمادها على الدعاية والإعلان والإعلام، بغض النظر عن البرنامج والحق والحقيقة. وهذا كله أصبح يعتمد على توفر المال للقيام بذلك، مما فتح المجال لتدخل الأغنياء في السياسة عبر تمويل الحملات الانتخابية مقابل رعاية مصالحهم الاقتصادية؛ كحال "لوبيات" الأسلحة والنفط والتبغ في الغرب. ولم يقف الأمر عند ذلك، بل قامت بعض الدول والاتجاهات الأيديولوجية بتكوين "لوبيات" لها، كحال إسرائيل ممثلة بمنظمة "إيباك" ومنظمة "جيه. ستريت"، أو اللوبي المسيحي الصهيوني، مما اختطف السيادة الشعبية في الحقيقة، وجعلها تابعة لسيادة هذه "اللوبيات" ومصالحها. وعاشت سيادة الشعب!
ومع تطور الديمقراطية البرلمانية، أصبح البرلمان والحكومة يشرعان قوانين انتخابية تحصر مشاركة الشعب وتقيدها بما يحقق مصالح النخبة الحاكمة (برلمان/ حكومة)، عبر "تربيطات" غير شرعية، بل هي للفساد والرشوة أقرب، كما هو حاصل في زماننا بفرض قوانين انتخابية تعطل إرادة الشعب وتعرقل عملية الإصلاح السياسي. فضلاً عن أن الديمقراطية التمثيلية في الحقيقة لا تعبر إلا عن رأي جزء ضئيل من الشعب في رأي كثير من نقاد الديمقراطية، يتمثل في مجموع الناخبين الذين انتخبوا النواب الذين صوتوا لصالح قرار ما، لأن هناك قطاعا كبيرا، قد يبلغ عدده ثلث الشعب، لا يحق له التصويت بسبب وظائفه أو سنه! وهناك أيضا نسبة كبيرة لم تشارك أصلاً في الانتخاب لعزوف وكسل أو مقاطعة، ويبلغون في أحيان كثيرة نصف مجموع من يحق لهم التصويت. وبعد ذلك تستبعد أصوات الشعب للمرشحين الخاسرين! كما تستبعد أصوات المواطنين للنواب الذين عارضوا القرار. وبهذا، فإن الحكم في الحقيقة ليس للشعب بمقدار ما هو لفئة قليلة جداً منه!
واليوم في عالمنا العربي، وخصوصاً مصر، نشهد اختطافاً لسيادة الشعب باسم سيادة الشعب من قبل القوى العلمانية التي رفضت أن ينص الدستور المصري على حق السيادة لله عز وجل، وأصرت على أن تكون السيادة للشعب، وهو ما نصت عليه المادة (5) من مشروع الدستور المعروض للاستفتاء اليوم: "السيادة للشعب يمارسها ويحميها". وقد تنازلت القوى الإسلامية عن رؤيتها للمادة لصالح العلمانيين سعياً إلى التوافق، ولكن هيهات!
إذ رأينا العلمانيين (المدنيين/ المتنورين/ المثقفين...) يقومون بإقصاء الشعب وسلب سيادته، وهاكم الأدلة:
1 - مطالبة علاء الأسواني، والتي أيدها كثيرون، بحرمان
40 % من الشعب المصري من التصويت بحجة أنهم أميون. وهو ما يتناقض مع ما صدّعوا به رؤوسنا من تميز الهند بأنجح التجارب الديمقراطية مع تعددها الديني والعرقي، ونسبة الأمية البالغة 35 %، وهي نسبة قريبة من نسبة الأمية في مصر. وهذه المطالبة تؤكد أن العلمانيين يعتبرون الشعب المصري شعباً قاصراً لا يستحق أن يحكم نفسه، على غرار عبيد أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وأنه يجب عليه الانصياع لرؤية وقرارات النخبة المتنورة الموازية لنخبة أثينا!
2 - تكرار العلمانيين لأكذوبة أن الشعب يريد إلغاء اللجنة التأسيسية ومشروع الدستور. وبالغ بعضهم بدعوى سقوط شرعية الرئيس د. محمد مرسي، وذلك حين جعلوا أتباعهم المتظاهرين هم الشعب المصري، في إقصاء لغالبية الشعب المصري الذي يبرهن دوماً في كل انتخابات واستفتاءات على أن غالبيته ترفض الرؤية العلمانية.
3 - تصريح رموز العلمانية والفلول من قادة جبهة الإنقاذ برفض نتيجة الاستفتاء إذا جاءت بالموافقة على مشروع الدستور، بالرغم من أن الاستفتاء في الحقيقة هو عودة من الديمقراطية التمثيلية النيابية إلى الديمقراطية المباشرة لحسم الصراع. وهو ما يؤكد نظرة الازدراء والاحتقار لسيادة الشعب عند هذه النخبة العلمانية، وأن شعار "السيادة للشعب" ما هو إلاّ للمتاجرة والاستعراض.
4 - تفضيل العلمانيين الخضوع للحكم العسكري الاستبدادي على القبول بالرغبة الشعبية بانتخاب الإسلاميين. وهو ما صرح به الكاتب محمد حسنين هيكل.
في الختام، فإن العلمانية التي ادعت أنها ضد استبداد الكنيسة والإقطاع، ولهذا رفضت سيادتهما على الشعب وادعت أنها حررت السيادة لتكون لمجموع الشعب، انتهى بها (العلمانية) المطاف بأن نقلت الاستبداد من يد رجال الكنيسة والإقطاعيين وجعلته بيد نخبة أخرى من الساسة وأصحاب النفوذ، وأداتها الرئيسة في هذا هو تضليلات المثقفين ومدعي المدنية!
هذه التناقضات والمطبات التي يقع فيها العلمانيون، والديمقراطية من قبل، هي نتيجة حتمية لكون الديمقراطية منتجاً بشرياً ناقصاً غير منزه عن الأغراض، يسعى إلى رفض الرؤية القرآنية الإلهية، مصداقاً لقوله تعالى عن تناقضات أهواء البشر: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" (النساء، الآية 82).

*كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صحيح مئة بالمئة (nadia)

    الخميس 27 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    من المؤكد ان من خلق البشر بهذا الابداع لم يتركهم دون كتاب تعليمات ليعيشوا بسعادة وتناغم مع هذا الكون فحياة الانسان قصيرة لا تحتمل خضوعه لمناهج وضعها بشر لتنظيم حياته فيتعس لان المنهج البشري ناقص لا يمكنه الاحاطة بكل ما يصلح البشر لذا راينا الشيوعية وما جرته من مآسي وسنرى الرأسمالية وكيف ستنهار فليس للبشر الا ان يعودوا الى المنهج الذي ارسله لهم رب البشر والعالمين.
  • »مقال رائع (شعيب)

    الخميس 27 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    بارك الله في الأيادي التى كتبت هذا المقال ... بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراا .. تحليل