الخيارات الأخلاقية في عمليات التحقيق

تم نشره في الثلاثاء 18 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

ديفيد إغناتيوس*— (الواشنطن بوست) 12/12/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يقول مارك بوال، كاتب سيناريو الفيلم الجديد "زيرو دارك ثيرتي" إنه أراد معالجة موضوع التعقيدات الأخلاقية التي انطوت عليها عملية مطاردة وقتل أسامة بن لادن. ويظهر النقاش القائم أصلاً حول الفيلم أنه قد نجح مع المخرجة كاثرين بايجلو في ذلك، وفي الكثير غيره أيضاً.
ويسرد الفيلم قصة التعقب غير المتوقف لأسامة بن لادن الذي يظهر من خلال شخصية تدعى "مايا" المستندة إلى القصة الحقيقية لأحد صيادي وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي آي إيه) الذي كان يتعقب زعيم القاعدة. وكان الفضل يعود لإحساس مايا الجيد عبر التركيز على المرافق "أبو أحمد الكويتي" الذي قاد الصيادين في نهاية المطاف إلى فريستهم.
لكنه انتصار خافت. ففي المشهد الملتبس الأخير من الفيلم، تشاهد مايا جالسة في طائرة شحن من طراز "سي 130" في قاعدة باغرام الجوية بعد أن تعرفت إلى جثة بن لادن. ويسألها أحد أفراد طاقم الطائرة عن الوجهة التي تريد التوجه إليها، فلا تعرف بماذا تجيبه. وهذا يؤطر حالة عدم اليقين القائمة لدى أميركا نفسها: ماذا أنجزنا من خلال قتل بن لادن؟ وبأي ثمن؟ وإلى أي وجهة نحن متجهون تالياً؟
يتركز النقاش عن الفيلم على الدور الذي لعبه التعذيب في التوصل إلى الكويتي ومن ثم إلى بن لادن نفسه. ويوحي الفيلم بأن مايا ربما لم تكن لتنجح في مهمتها من دون "أساليب التحقيق المعززة" (بالتعبير الأورويلي الملطف). ولا "يدافع" الفيلم عن التعذيب، عندما يعرضه في تفصيل مرعبة تدعو إلى التصديق، لكنه يعرض كيف أن الأدلة التي استخرجها التعذيب قادت إلى باب بن لادن. فهل كانت مايا ستتمكن من الوصول إلى هناك بطريقة أخرى؟ لا يتكهن الفيلم بالاحتمالات.
ويقول بعض النقاد إن الفيلم خاطئ. أولاً، لأن التعذيب غير فعال؛ وثانياً لأنه كان من الممكن العثور على بن لادن من خلال استخدام تكتيكات أخرى. لكنني أخشى أن هذا الطرح يخفف من الورطة الأخلاقية ويتغاضى عن جزء من السجل الحقيقي. وقد طلبت من ضباط استخبارات توضيح بعض التفصيلات، فاستجابوا بأن أمدوني بمعلومات قد تساعد المشاهدين في تقييم "زيرو دارك ثيرتي" عند افتتاح عروضه في 19 كانون الأول (ديسمبر) الحالي.
 دعونا نبدأ بما قاله ليون بانيتا، الذي كان في حينه مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في العام الماضي في رسالة للسناتور جون ماكين، الذي كان هو نفسه ضحية للتعذيب وواحداً من منتقديه البارزين. وفيما يلي مقتطف من الرسالة التي كتبت بعد أسبوع من الغارة على مجمع بن لادن في 2 أيار (مايو) من العام 2011: "قادت حوالي عشرة أعوام من العمل الاستخباراتي المكثف وكالة الاستخبارات المركزية إلى استنتاج أن بن لادن كان على الأرجح مختبئاً في المجمع في أبوتاباد، باكستان... وكان بعض المعتقلين الذين قدموا معلومات مفيدة عن دور المسهل/ المرافق قد أخضعوا لأساليب التحقيق المعززة. أما إذا كانت تلك الأساليب هي "الطريقة الوحيدة الفعالة وقتها" للحصول على هذه المعلومات، فهي مسألة نقاش ومن غير الممكن حسمها بالتأكيد. لكن الأكيد هو أن المعلومات كانت جزءاً فقط من عدة مصادر مضاعفة من الاستخبارات التي قادتنا إلى بن لادن".
وهكذا، يشكل ذلك تحذيراً، منذ البداية: إن دور التحقيق الفظ القاسي "لا يمكن حسمه على نحو أكيد". ودعونا ننظر بشكل محدد إلى المعلومات عن الكويتي الغامض. فوفق مسؤولي الاستخبارات، قدمت عدة عشرات من المعتقلين معلومات عنه ابتداء من العام 2002. وكان سبعة من أصل ثمانية من المعتقلين في الحقيقة محتجزين لدى أجهزة الاستخبارات الخارجية، ولا تستطيع (سي آي إيه) أن تقول ما إذا كانوا قد تعرضوا للتعذيب. (الثامن كان محتجزاً لدى القوات الأميركية).
وجاء أول ذكر لحقيقة أن الكويتي كان مرافقاً لبن لادن في العام 2003 من معتقل لدى (سي آي إيه) والذي كان قد أخضع لتحقيق قاسٍ. ويدحض المعارضون للتعذيب ذلك بالقول بأن خالد شيخ محمد، والذي كان قد أخضع للتعذيب بمحاكاة الإغراق 183 مرة، كذب بخصوص الكويتي، وهو ما يظهر، وفق رأيهم، أن الممارسة لا تؤتي ثمارها. لكن الخبراء في مكافحة الإرهاب يحاججون بأن الحقيقة القائلة بأن محمد أخفى دور المرافق، حتى تحت الإكراه، كانت في الحقيقة راية حمراء تقنع المحللين بأهمية المرافق.
ويصر أحد ضباط الاستخبارات على القول إنه حتى من دون المعلومات التي استندت إلى التعذيب "فإننا كنا سنركز على الكويتي باعتباره شعاع الليزر".
يصف فيلم "زيرو دارك ثيرتي" انتصار المحللين في الإصرار على تتبع الخيوط التي تقود إلى المرافق. لكن مسؤولي الاستخبارات يقولون إن الاختراق كان يتمثل في الحصول على اسمه الحقيقي، إبراهيم سعيد، الذي اكتشف في الكويت عبر "عمل تجسسي عتيق الطراز"، ويعني ذلك، افتراضياً، تجنيد مصدر بإمكانه الدخول إلى شبكة القاعدة. وحول ذلك الموضوع، يطبق المسؤولون الرفيعون أفواههم.
وهنا تكمن النقطة الأساسية، بالنسبة لي على الأقل: يجب علينا أن نعارض التعذيب لأنه خطأ، وليس لأنه لا يؤتي أكله. ربما كان من الممكن تعقب أثر المرافق عبر وسائل أخرى؛ لن نعرف ذلك أبداً. وكان الرئيس أوباما محقاً حين حظر استخدام التعذيب، لكنه يجب على الجمهور أن يفهم أن هذا القرار ينطوي على كلفة محتملة قوامها المعلومات التي تضيع. هذا ما يجعل الأمر قراراً أخلاقياً.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
The moral choices on interrogations

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق