حمام الدم الحقيقي يبدأ بعد سقوط الأسد

تم نشره في السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • سوريون يتظاهرون ضد بشار الأسد في دمشق أمس - (رويترز)

إسرائيل هيوم
شلومو تسيزنا

14/12/2012

يجتمع في هذه الايام في المغرب ممثلو منظمات معارضة نظام بشار الأسد في سورية. ان هذا هو اللقاء الرابع في اماكن الجلاء للمعارضة السورية التي تحارب منذ سنة ونصف بلا نجاح حتى الآن في جُهد لإسقاط السلطة العلوية.
هل سيأتي زعيم سورية القادم من واحدة من المنظمات؟ وهل تتلقى المنظمات المقاتلة على الارض توجيهات من المستوى السياسي الموجود في الغرب أم في الدول العربية؟ ولماذا لا تعمل الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي على وقف المذبحة المستمرة التي حصدت حتى الآن أكثر من 50 ألف ضحية؟ ولماذا تؤيد إيران سورية؟ وكيف يستطيع ان يؤثر فينا ما يجري وراء الحدود؟.
جمعنا فريقا من خمسة من زملاء البحث من المركز المقدسي لشؤون الجمهور والدولة من اجل رسم خريطة المصالح ودلالة الحائرين في الفوضى الجارية عند الجارة في الشمال الشرقي. ان المركز الذي يرأسه الدكتور دوري غولد، هو معهد بحث مستقل يعمل منذ 35 سنة ويشتغل ببحث السياسة وشؤون مركزية في برنامج عمل دولة إسرائيل في المجال السياسي والاستراتيجي والقانوني.
على سبيل المثال سيعقد المعهد في الأسبوع القادم مؤتمرا يشارك فيه دنيس روس يتناول تلك الاسئلة الساخنة المتعلقة بالمنطقة. "ان ما يبدو كأنه الأيام الاخيرة للنظام يمكن ان يستمر شهورا طويلة ايضا" يُبين العميد الدكتور شمعون شبيرا من الباحثين في المعهد. "ان الأسد قد صمد حتى اليوم سنة ونصفا. وقد قدّر ايهود باراك وهو من رجال الاستخبارات القدماء في البداية ان السلطة هناك ستسقط في غضون أسبوعين، لكن وهم النبوءة يدل على صعوبة التقدير والتنبؤ بما سيكون عليه مصير النظم ولا سيما في المنطقة التي نوجد فيها.
"برغم ذلك يبدو ان المسار يتقدم نحو نهاية الأسد، فهناك اشارات أولى على ان دعائم النظام الاخيرة تتضعضع. "مع ذلك تؤيد إيران والصين وروسيا نظام الأسد. وإذا كانت إيران ذات صلة بالمساعدة العسكرية والمعنوية، فان روسيا والصين هما الدعامتان الدبلوماسيتان وهما اللتان تصدان الزعزعات. ويمكن ان نقول ان الأسد لا ينهار من الداخل ايضا، فلا يوجد انهيار للعمود الفقري للقيادة السورية. ولا يوجد انشقاق كثيف لقادة طوابير أو جنرالات في هيئة القيادة العامة السورية. "يُقاس استقرار نظم الحكم ايضا باتساق أجهزة الامن"، يضيف شبيرا، "ان أكثر القيادة العليا في هذه الأجهزة مؤلفة من ناس من أصل علوي. فالطريقة السورية مبنية على حلف أقليات وتدمج الدروز والمسيحيين ايضا. ويوجد توتر دائم بين نخب المدن والضواحي. ولم تتقطع هذه الأطناب ايضا".
 تحالف منظمات
تتألف المعارضة السورية من تحالف اربع مجموعات مركزية بينها عدة قواسم مشتركة أولها أنها تؤيد ارادة انشاء دولة اسلامية سنية في سورية. ان واحدة من المجموعات وهي جبهة النُصرة مؤيدة للمنظمة الدولية الأخطر في العالم وهي القاعدة وقد دخلت في هذا الاسبوع في قائمة المنظمات الارهابية عند الادارة الاميركية. ولما كانت منظمة مساعدة للسكان هي رأس الحربة ايضا في العمليات الموجهة على نظام الأسد فإن هناك مشكلة كبيرة للولايات المتحدة والغرب في تأييد المعارضة السورية.
برغم ذلك أفضت المذبحة التي ينفذها الأسد في السكان والرغبة في العمل على مواجهة إيران بالولايات المتحدة و130 دولة اخرى هذا الاسبوع إلى الاعتراف بالائتلاف الوطني لمنظمات المعارضة السورية وتعريفه بأنه "شرعي".
هناك معادلة تساعد على فهم تنظيم القوى: إن العالم الإسلامي مقسوم بين السنيين (90 في المائة من المسلمين في العالم) والشيعة (10 في المائة الباقين). ومنظمات المعارضة في سورية سنية. وأعضاء القاعدة التي هي قوة سلفية سنيون ايضا. أما النظام الإيراني والنظام السوري فمؤلفان من شيعة أو مقربين منهم (العلويون طائفة نشأت عن الشيعة).
"لا توجد حتى الآن حكومة ظل جالية"، يتابع شبيرا، "بحيث نعلم اذا تم استبدال السلطة السورية الآن من سيكون الحاكم بدل الأسد غدا. نحن الآن في وضع ائتلاف منظمات لا تتفق على رؤية أهداف الثورة. ما كنت لاعتمد على هذه القيادة لتقود سورية في المستقبل. ان هدفها المشترك هو اسقاط الأسد وبعد ان يسقط النظام ستبدأ حروب السيطرة بين منظمات المقاومة وقد يوجد حمام دم آخر هناك ايضا".
حزب الله لاعب رئيس
جُندت منظمة حزب الله بأمر مباشر من طهران بصورة تامة لمساعدة الأسد. بيد انه توجد في داخل المنظمة نفسها اختلافات في الرأي كبيرة تتعلق بسؤال لماذا يجب على ناس المنظمة التي توجه كراهيتها في الأساس إلى اليهود وإسرائيل ان يقتلوا مسلمين وان يُقتلوا مثل مرتزقة إيرانيين. في حين سينعقد في المغرب اليوم مؤتمر منظمات المعارضة لم يُعقد مؤتمر آخر لمنظمة حزب الله كان يفترض ان يجتمع في كل ثلاث سنوات مرة منذ أشهر. وهو المؤتمر الذي يُحدّثون فيه تقرير الحركة الفكري ويحصل فيه رئيس المنظمة على تفويض من جديد.
ليس من يعيق عقد المؤتمر سوى حسن نصر الله خوفا من ان يتم التعبير هناك عن الامتعاض من المساعدة التي تعطى للاسد.
"فَقَد حزب الله الكثير من سمعته الطيبة بسبب تأييده للاسد"، يُبين شبيرا. "ويلاحظ ثمن ذلك في مقدار شعبية نصر الله التي هبطت في العالم العربي وبوجود روح معنوية منخفضة جدا عند مقاتليه الذين يتلقون في كل يوم وراء الحدود السورية جثث رفاق يجب دفنها. ان استعمال الجهاد للسنيين ليس فعالا كحرب اليهود".
يُبين المقدم (احتياط) ميخائيل سيغال، وهو ايضا رجل استخبارات في الماضي وأصبح اليوم باحثا في المركز المقدسي، يُبين سبب تحمس إيران لمساعدة الأسد. "ترى إيران سورية عنصرا دوليا مهما في جبهة مُمانعة الغرب عامة وإسرائيل خاصة. ويُعرف الإيرانيون سورية بأنها "الحلقة المذهبة" لأن سورية تستضيف منذ سنوات قيادات حماس وتُمكّن من نقل حر للسلاح من إيران إلى حزب الله في لبنان".
وأصبحت هذه الحلقة الآن في خطر فهي ضعيفة ولهذا يعمل الإيرانيون بكامل الجد. وفي نفس الوقت يُرسَل من إيران مستشارون للاسد وجيشه وتُرسَل قوة عمل خاصة هي قوة القدس المعروفة بأنها قوة خاصة من الحرس الثوري لمهمات خاصة خارج إيران من اجل تنفيذ أنشطة تآمرية في دول جارة أو الدفع قدما بمصالح إيرانية، كما حدث في دول في الخليج وشمال افريقية.
ان رجال القوة موجودون الآن على نحو ظاهر في سورية ويقدمون ايضا معدات تكنولوجية متقدمة لكسر معنويات منظمات المعارضة السورية وقوتها.
يقول سيغال ان إيران تعارض تصور ان ما يجري في سورية جزء من الربيع العربي وترى ذلك تمردا هو محاولة لكسر قوة مقاومة الغرب الذي يُسمى "الشيطان الأكبر"، وإسرائيل التي تسمى "الشيطان الأصغر" على ألسنة الإيرانيين.
"أصبح الإيرانيون يعملون علنا. فإيران من جهتها لا تُجهد نفسها في اخفاء المساعدة للنظام السوري كما لا يخفي أحد مساعدة الثوار من دول كالسعودية وقطر.
"ان إيران هي دولة مع هدف عميق. فهي ترى المعركة حول دمشق أكبر كثيرا من انقاذ سورية نفسها. فهذه قلعة مهمة لها في مواجهة العالم الغربي الذي تحاربه ومن هنا تأتي النفقة".
ويضيف سيغال ان أنشطة نظام آيات الله تتم مع صد انتقاد داخلي من المعارضة الإيرانية التي تفضل ان ترى الاموال تُحول إلى اقتصاد الدولة لا إلى القذائف المخصصة لسورية وحماس. ويتوقع ان يزيد هذا الانتقاد كلما طالت المسارات وكلما أثقلت عقوبات الغرب على الشعب الإيراني.
في مقابل ذلك ليست منظمات المعارضة ملتزمة لأحد، كما يُبين يوني دحوح هليفي، الذي كان في الماضي مقدماً في سلاح الاستخبارات وأصبح اليوم باحثا في المعهد المقدسي. "لكنها غير ملتزمة ايضا لأحد في الغرب وستكون لذلك تأثيرات في المستقبل. ان أكثر سلاح الثوار اليوم يأتي من قواعد الجيش السوري التي احتلوها أو من منشقي الجيش السوري الذين يُسلمون اسلحتهم اليهم. وعلى العموم فان أكثر رجالهم منشقون عن الجيش بحيث يكونون خبراء باستعمال السلاح ومنه سلاح متقدم كدبابات وبطاريات صواريخ مضادة للطائرات".
يشير دحوح هليفي إلى فقدان الجيش السوري المتواصل لسيطرته ويبرز ذلك على خلفية الهجمات الجوية التي تنبع من اضطرار فهي تدل على ان الجيش السوري لا ينجح في السيطرة على الارض أو التمسك بها بعد القتال. ولهذا يحاولون اقامة سيطرة مهددة اخرى.
"ليس الحديث عن دبابتين دُمرتا بل عن عدد كبير من الطائرات يزعم الثوار أنها تزيد على 100 ومنها ما كان على الارض. ان الشعور لدى منظمات الثوار (وله صلة بواحدة منها) ان الايام معدودة. وستُحسم المعركة الكبرى في دمشق، وسيحاولون استغلال تأثير النجاح ومهاجمة دمشق. بعد ذلك ستقع عمليات انتقام في ضواحي دمشق ومذابح. والحديث عن جرائم حرب ستبلغ إلى مذابح شعب"، يقول دحوح هليفي.
"تُوحد المعارضة القوات في جبهتين"، يقول، "فقد أُنشئت قيادة قسّمت سورية إلى 15 منطقة قتال. وحركة الاخوان المسلمين هي التي تسيطر على الاموال التي ترد من الخارج وهي تنقل المال إلى نشطاء في داخل سورية. ولا يأتي المال مباشرة من السعودية بل عن طريق الحدود التركية".
بين إيران وتركيا
يُبين الدكتور دوري غولد الذي هو رئيس المركز المقدسي والذي كان في الماضي سفير إسرائيل في الامم المتحدة ومستشارا سياسيا لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، انه لا يوجد في الساحة الدولية عمل حقيقي لمواجهة سورية بسبب الروس.
"ان مفتاح اتخاذ القرارات في الامم المتحدة هو مجلس الامن"، يقول. "وتُتخذ القرارات في مجلس الامن باجماع كامل أو حينما يكون فهم لأن الحديث عن اجماع بحيث يُسلم من لا يؤيد للاجراء ولا يمنعه.
"الوضع مع سورية مختلف. فقد استقر رأي روسيا هنا على دعم الأسد دعما كاملا. فالروس يخشون سقوط الأسد وارتفاع قوة قوى سنية. وبحسب رؤيتهم فان الطرف السني هو عدوهم الأكبر في الجانب الاسلامي. هذا ما كان في جمهورية الشيشان وهو كذلك ايضا في طاجاكستان والقوقاز. ان المنظمات التي تعمل على مواجهتهم في هذه المناطق سنية تتلقى تمويلا من دول ومنظمات في الخليج العربي يؤيدها الاخوان المسلمون. ولهذا السبب يؤيدون النهج الإيراني الشيعي".
ويُبين الدكتور غولد ان قوى المعارضة تسيطر اليوم على مساحة واسعة من سورية. "ان السؤال الأكبر هو من سيسيطر على سورية بعد الأسد. هل يكونون أصنافا متعددة من الساسة يمكثون في عواصم العالم أم قوى عسكرية تعمل على الارض؟ يبدو في هذه الاثناء ان رجال الميدان لا يتلقون توجيهات من مستوى سياسي ما".
في نفس الوقت يُسلط السفير السابق الاضواء على العراق الذي عُزل صدام حسين فيه في حينه وأصبح فيه نظام شيعي يُدار بالفعل على انه دولة ترعاها إيران. مع سقوط الأسد سيخسر الإيرانيون في الحقيقة قبضتهم على سورية، لكن من المحتمل ان ينشأ نظام سني متطرف قرب حدود إسرائيل في الجولان.
يؤمن باحث آخر في المركز هو الدكتور جاك نرييه الذي كان في الماضي المستشار السياسي لرئيس الوزراء اسحق رابين بأن إيران لن تكف جهودها للتأثير فيما يجري في سورية على أية حال. ويشير إلى تطور محتمل آخر وهو سلطة مستقلة كردية في شمال الدولة توجب تدخلا تركيا وتدخلا إيرانيا مضادا بسبب ذلك ايضا.
"يمكن ان تجد سورية نفسها تحت سلطة عصابات مسلحة كما هي الحال في ليبيا. ففي الوقت الذي تكون فيه السلطة المركزية ضعيفة قد ينشأ في شمال شرقي سورية كيان مستقل للاكراد ويكون هناك حكم ذاتي فعلي للاكراد الذين سيتصلون بأكراد العراق ويخلقون مشكلة لتركيا: فاذا كان لتركيا قبل ذلك 400 كم من "حدود كردية"، فسيكون لها في هذه الحال 1200 كم. فالحديث عن وضع لا تحتمله تركيا وهناك احتمال تدخل في هذه الحال".
يقول نرييه: "مهما يكن الامر فاننا لم نبلغ إلى نهاية العقدة السورية. ستُفتح نافذة عدم استقرار دائم بعد سقوط الأسد. وستظهر علامات ذلك ايضا على لبنان. واذا تدخلت تركيا فستتدخل إيران ايضا. توجد متغيرات كثيرة".
كيف يمكن ان يؤثر كل ذلك في إسرائيل؟
"قد يشتغل الحاكم التالي بعد الأسد أو المنظمات التي ستسيطر هناك بالاعمار وتترك قضية هضبة الجولان. لكن وبنفس القدر قد توجد حاجة ايضا إلى اشتغال يوجه القوى إلى هدف توحيدي – ومن المؤكد ان مواجهة مع إسرائيل تلبي هذه الحاجة".

التعليق