من أسماء الله تعالى: الحليم

تم نشره في الجمعة 14 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

علي جمعة

من أسماء الله تعالى الحسنى اسم الحليم‏،‏ وقد ورد في كتاب الله تعالى في مواطن كثيرة‏،‏ منها‏;‏ قوله تعالى‏: (وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (‏البقرة‏:225)،‏ وقوله تعالى‏: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (‏البقرة‏:235).‏
والحليم هو ذو الحلم، وهو الصفح مع القدرة على الانتقام، يقال: حلمت عن الرجل أحلم عنه حلما: إذا لم أعجل عليه، والفعل منه حلم بضم اللام.
ومعناه في حقه تعالى أنه هو الذي لا يعجّل بالانتقام مع غاية الاقتدار، أو الذي يعزم على عدم الانتقام ولا يظهر ذلك، فإن أظهر ذلك كان عفوا، وسمي عفوّا، أو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقدارا فهو منته إليه.
واسم الحليم من الأسماء التي تملأ معانيها قلب المذنب أملا ورجاء في الرحمة والمغفرة وقبول التوبة؛ لاستئناف السير على صراط الله المستقيم.
وقد تخلق بهذا الاسم خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، حتى وصفه ربه به في قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) (هود:57)، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم متخلقا بهذا الاسم أيضا في أموره كلها، ومن تلك المواقف ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: "إن النبي قال لملك الجبال لما جاءه عارضا عليه أن يطبق على قومه الجبلين المحيطين بمكة: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا" (صحيح البخاري/4754)، بل أوصى السيدة عائشة في بعض تلك المواقف بالحلم على الرغم من كونه هو الذي تحقق في حقه الأذى، وذلك حينما ردت بغلظة على من دخل عليه من بعض أعدائه وبدل أن يلقوا عليه تحية القادم دعوا عليه بالموت بقولهم: السام عليك، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، عليك بالحلم وإياك والجهل" (مسند إسحاق بن راهويه/1686).
كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب من أصحابه من كان فيه صفة الحلم، حيث قال للأشج بن قيس رضي الله عنه: "إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة" [صحيح مسلم/17].
ومن سنته صلى الله عليه وسلم أنه قرب منه ذوي الأحلام أهل الأناة والعلم والتثبت في الأمور، وقد جاء ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه عند تسوية الصفوف للصلاة: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (صحيح مسلم/432)، قال الإمام النووي معلقا على هذا الحديث: ولا يختص هذا التقديم بالصلاة بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الأمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والمشاورة ومواقف القتال وإمامة الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسن والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك (شرح الإمام النووي على مسلم 4/155).
ويجب على المسلم أن يؤمن بأن الله تعالى حليم بعباده مع غاية الاقتدار عليهم، وهذا محض فضل منه ورحمة بخلقه.
وعلى المسلم أيضا أن يتخلق بهذا الاسم كما تخلق به أنبياء الله وأولياؤه الصالحون، ولا ييأسن أحد من أنه غضوب سريع الانفعال والانتقام، لأن الحلم يحصل ببعث النفس وتنشيطها إليه مثله مثل العلم، ولكن يحتاج إلى صبر ومثابرة، قال صلى الله عليه وسلم: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه" (الأوسط للطبراني/2663).
وحلم المسلم يكون بالصفح عمن خالف أمره، وبحفظ الود، وحسن العهد، وإنجاز الوعد وستر العيوب التي يراها، وقد وعد الله الذين يكظمون غيظهم ويعفون عن الناس بجنة واسعة فقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:133، 134)، كما أن للحليم من الناس ثوابا جزيلا عند ربه، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم، وإن الرجل ليكتب جبارا، وما يملك إلا أهل بيته" (الأوسط للطبراني/6273). وقد ذكر الإمام الماوردي عدة أسباب باعثة على ضبط النفس، وهي: الرحمة للجهال، القدرة على الانتصار، الترفع عن السباب واستنكافه وقطعه والتفضل عليه، الاستهانة بالمسيء، الاستحياء من جزاء الجواب، الخوف من العقوبة على الجواب، الرعاية ليد سالفة وحرمة لازمة، المكر وتوقع الفرص الخلفية.. وبعض الأسباب أفضل من بعض (أدب الدين والدنيا/255 بتصرف). فاللهم جملنا بالحلم حتى يفشو السلام والأمان في أنفسنا وفي ربوع أوطاننا.. آمين.


*فقيه الديار المقدسة المصرية

التعليق