مناصرة ومناصحة لجماعة الإخوان المسلمين

تم نشره في الجمعة 7 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين يتظاهرون في عمان مطالبين بإصلاحات سياسية واقتصادية - (أرشيفبة)

أسامة شحادة*

 

يشهد العالم العربي اليوم صعودا كبيرا للإخوان المسلمين على الصعيد السياسي من جهة، وهجمة إعلامية شرسة جداً عليهم من جهة أخرى، ما يستدعى التوقف مع هذه الحالة الغريبة والتأمل فيها. وهذه الكلمات تنطلق من أمر النبي صلى الله علي وسلم "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره" (رواه البخاري).
1 - الإخوان المسلمون هم أكبر وأقدم التنظيمات العربية والإسلامية السياسية الموجودة في العالم العربي. وهم ليسوا حملة فكرة وافدة أو مناقضة لهوية الأمة الإسلامية والشعوب العربية، كحال خصومهم العلمانيين؛ اليساريين منهم والليبراليين. وهذا سبب رسوخهم وانتشارهم، بخلاف الأحزاب الشيوعية بألوانها المتعددة (اشتراكية، قومية، ناصرية، بعثية، يسارية..)، أو من لقبت بالأحزاب الوطنية كالوفد في مصر مثلاً، والتي لم تجد قبولاً شعبياً إلا بالقهر والإرهاب.
أما سبب قوة الإخوان المسلمين فيعود لقيام الإخوان على فكرة التنظيم الحزبي الذي يربط أعضاءه. وساعد على ذلك أن الأستاذ حسن البنا أتيح له عشرون عاماً (1928-1949) لبناء الجماعة بدون وجود معيقات هائلة كالتي واجهتها الجماعة فيما بعد في مصر وغيرها.
2 - إن الحملة الإعلامية الإقصائية التي تشن على الإخوان اليوم، من قبل عدد من الأنظمة العربية والقوى العلمانية، بل وحتى من دول الممانعة كإيران وسورية، وهي تجمع بين فرقاء لم يجتمعوا إلا على عداوة الإخوان، هي حملة ظالمة في غالبيتها، لا تهدف إلى الإصلاح أو التقدم بل هي تهدف إلى التخريب والتدمير للحفاظ على مصالح فئات فاسدة ظالمة تضررت بغياب أزلامها عن السلطة، فاستغلت بعض أخطاء الإخوان فضخمتها وأبرزتها. وهي فئات لا تجرؤ على الظهور علانية فتختبئ خلف بعض التجمعات والقوى التي يحسن الجمهور الظن بها. ولا يُقصد بهذه الحملة الإخوان فقط، بل إنها في قسم كبير منها عداء لكل التيار الإسلامي وليس للإخوان فحسب؛ عداء شرس وظالم يريد استئصال الإسلاميين والإسلام إن استطاعت.
3 - إن هذه الحملة الإعلامية الإقصائية التي تهدف إلى شيطنة الإخوان المسلمين اليوم، ستكون عامل زعزعة للمجتمعات العربية. فالإخوان يشكلون قطاعا كبيرا من مجتمعاتنا، ولا يمكن إقصاؤهم أو شيطنتهم بدون أن يسبب ذلك ردود فعل سيئة، سواء عند بعض الإخوان أو المتعاطفين معهم أو عند الإسلاميين من غير الإخوان -وخاصة القريبين من فكر "القاعدة"- الذين سيقولون: إذا كان الإخوان المتساهلون مع الأنظمة والعلمانيين هذا جزاؤهم، فعلام نسلك الطريق السياسية السلمية؟!
4 - إن هذه الحملة الإعلامية الظالمة للإخوان المسلمين تشابه حملة الكراهية والإرهاب التي مارسها الغرب تجاه الإسلام والمسلمين عقب زوال الاتحاد السوفيتي بدون وجه حق. ولكن العجيب هنا أن المجرم الذي تقدمه هذه الحملة العربية هو الإخوان المسلمون، وهم الفصيل الذي كان يقدم في الحملة الغربية على أنه البديل للتطرف والإرهاب! ولعل في هذا تنبيه للإخوان إلى مراجعة تحالفاتهم وتنازلاتهم، خاصة للعلمانيين اليساريين والشيعة، وأنهم عند الجد لم يجدوا إلا رفقاءهم الإسلاميين بجانبهم، والذين طالما أقصاهم الإخوان وتجاهلوهم!
5 - المنطق والعقل يقولان إنه كان يجب على الأنظمة العربية التفاهم مع الإخوان على غرار المغرب؛ فالإخوان فصيل كبير وقوي ويمكن التفاهم معه، وتاريخ الإخوان يشي بذلك. والإخوان اليوم غير منسجمين مع إيران وسورية؛ وهو المأخذ الجوهري على الإخوان عند تلك الأنظمة والتي كانت تخشى من تحالف إيراني إخواني ضدها، فلما ضعف ارتباط الإخوان مع محور إيران بسبب الثورة السورية خصوصاً، كان المنطق يقول بوجوب احتضانهم من قبل الأنظمة العربية بدلاً من الهجوم عليهم، لينشأ محور عربي تركي عاقل ومعتدل في وجه المحور الإسرائيلي المعتدي والمحور الإيراني الطائفي المتهور.
6 - إن الإخوان المسلمين وهم يواجهون هذه الحملة الإعلامية الظالمة، ليس لهم بعد اللجوء إلى الله إلا المسارعة إلى التوبة من أخطائهم، والمراجعة لمواقفهم غير الصائبة بالتعالي وعدم المشاورة مع شركائهم. وما أدق وصف الباحث الراحل حسام تمام، رحمه الله، لحال الإخوان إذ يقول: الإخوان أقاموا دولة موازية للدولة المصرية تقريبا، لكنها أخذت أيضا كل عيوبها! فرغم قوة التنظيم وضخامته، إلا أنه صغير الفكر والإبداع، مأسور للولاء، طارد للكفاءات، يكره المنافسين من نفس اللون ويتجمل بحوار المخالفين. وكما هي الدولة المصرية ضعيفة إعلاميا، فقد اكتشفنا ضعف الإخوان الإعلامي، واكتشفنا غياب البرامج والحلول!
لقد كتب كثير من الصادقين عن أخطاء الإخوان والثغرات التي يؤتون منها. وعليهم (الإخوان) اليوم وقد تصدروا المشهد، ويعلنون التزامهم بالحوار والسلمية في العمل السياسي، أن يبادروا إلى الاستفادة من هذه الدراسات ليزدادوا رفعة عند الله أولاً وعند عباده ثانياً. وعليهم أن يحرصوا على الناصح الشفيق أكثر من حرصهم على التصفيق الشديد.
7 - لعل وصف د. بشير عبدالفتاح لحال مصر اليوم "حكم بلا خبرة ومعارضة بلا رؤية" هو وصف دقيق، وهو جزء من تبعات حالة التخلف والهزيمة التي وصلت إليها أمتنا. وما هذا النجاح الجزئي اليوم بالثورات العربية وزوال بعض الطغاة وتلمس طعم الحرية وحبس الأشقياء، إلا بمقدار تقدم الأمة الحقيقي في سلم الإيمان والعدل والحق والعلم، والقيام بالواجب والتزام القانون.
ولذلك، فإن جماعة الإخوان المسلمين، مثلها مثل سائر الأمة، فيها من الخير والشر بمقدار ما في الأمة منهما. ولذلك، تصلح جماعة الإخوان أن تكون معيارا لقياس تقدم الأمة الحقيقي؛ فبمقدار تقدم الإخوان بتقديم مصلحة الأمة والوطن على مصلحة الجماعة والتنظيم، تكون الأمة تقدمت؛ وبمقدار التزام الجماعة بالشورى والشفافية والانتخابات الداخلية، بدلاً من اعتماد الولاء والأقدمية والسمع والطاعة، تكون الأمة تقدمت؛ وبمقدار اعتماد الإخوان على العلم ونشره والتزامه بدلاً من أدبيات الجماعة فحسب، تكون الأمة تقدمت؛ وبمقدار رقي مؤسسات الجماعة من مدارس ومستشفيات وهيئات ثقافية وخيرية على صعيد الكفاءة والفاعلية، تكون الأمة قد تقدمت؛ وهكذا. فالإخوان جزء من نسيج المجتمع، معبر عن حقيقة أحواله وأوضاعه خيراً وشراً.
8 - المطلوب من الإخوان المسلمين والإسلاميين اليوم، تقديم القدوة في مؤسساتهم الخاصة بكونها شفافة وعادلة وراقية. نريد البدء في ممارسة الثقافة الإيمانية والإحسانية والإيجابية، وعدم الاكتفاء برفع شعاراتها. ويجب على الإخوان المسلمين والإسلاميين الانفتاح على الآخرين الصادقين والتعاون معهم فيما فيه منفعة للبلاد والعباد، وحتى نحاصر تأثير المفسدين الذين لا علاج لهم.
وختاماً، إن المواجهة القائمة في مصر اليوم يجب أن يسعى جميع المخلصين إلى أن تكون في صالح أمتنا، بتحسين الأداء الإخواني لا القضاء عليه، وتقديم الحلول لا التحالف مع الفلول، والصبر والتوازن في المواقف بدلاً من التطرف أو التحلل.


*كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقارنه (joe)

    الاثنين 17 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    وما هو موقف الاخوان من الديانات الاخرى، هل هم كفره كما يعتقدون،اخي العزيز قارن بما قدمته بريطانيا للملقب ابو قتاده وما يمتلكه الاخوان من فكر تجاه الديانات الاخرى، الله يصلح الجميع.
  • »مناصرة ومناصحة (ابو اسلام)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    الكاتب صاحب القلم المحايد احترمه وأتقبل رأيه
  • »لا فض فوك (ناديه)

    الجمعة 7 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    نعم ليت الكل يستجيب لهذه النصائح القيمة حتى لا يكون مصير هذه الامة الى الهاوية فيستبدل ربي قوما غيرنا ثم لا يكونوا امثالنا