تعودنا على الوضع الراهن

تم نشره في الأربعاء 5 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

معاريف

نوعم شيزاف

أحد الكليشيهات المعروفة في الخطاب السياسي في إسرائيل يتعلق بمعادلات التأييد العالية بين الجمهور اليهودي لحل الدولتين. وحسب هذا الزعم، رغم الانتفاضة الثانية، وجولات القتال مع حماس في غزة، فإن أغلبية اليهود ما يزالون يفضلون هذا الحل على ضم المناطق. وهكذا يواصل علماء السياسة والصحفيون الدهشة لماذا يدير الإسرائيليون ظهر المجن للاحزاب التي تتبنى تقسيم البلاد واخلاء المستوطنات ويختارون التصويت بالذات لمن بسلوكهم يبعدون كل امكانية للتسوية.
في الحدث الذي جرى في جامعة تل أبيب قرر باحث لماذا "ليس الجمهور الإسرائيلي ببساطة عقلانيا". غير أنه في اتخاذ القرارات توجد ايضا امكانية ثالثة، يسأل عنها الباحثون في استطلاعاتهم في أوقات متباعدة: خيار استمرار الوضع القائم. في حالات قليلة تطرح فيها هذه الإمكانية على المستطلعين، يتبين أن عددا متزايدا من الإسرائيليين يفضلونها على فك الارتباط أو الضم. بل واحيانا يدور الحديث حتى عن اغلبية.
هذه الحقيقة تملأ بعدم الراحة قلوب معظم المحللين. فهل يحتمل أن يكون الإسرائيليون يريدون الاحتلال حقا؟ انهم حقا يختارون الابرتهايد؟ ولكن اذا وضعنا جانبا الاعتبار الاخلاقي، فان الوضع الراهن هو على ما يبدو الخيار المفضل لليهود في إسرائيل، على الاقل في المدى القصير. ومع ان الاحتلال يجبي ثمنا اقتصاديا ما وعزلة دولية، ولكن اذا ما نظرنا إلى اعتبارات الربح والخسارة البسيطة، فانه افضل من الامكانيات الاخرى.
ضم المناطق سيؤدي إلى تغيير مهم في الميزان الديمغرافي وفي طبيعة الدولة؛ اما اخلاء المستوطنات واقامة دولة فلسطينية فينطويان على مخاطر أمنية (يميل اليسار إلى تجاهلها) وعلى خلاف من شأنه أن ينتهي كحرب اهلية. هذا لا يعني أن الجمهور اليهودي سعيد من الوضع الحالي او يريد بشدة التحكم بالفلسطينيين – بل هو ببساطة يفضل هذه الوضعية على البدائل.
ليس ثمة من يرمز إلى هذا الاعتراف والى هذا التمسك بهذا الوضع الراهن اكثر من بنيامين نتنياهو. رئيس الوزراء استخلص الدروس اللازمة من ضياع الحكم في ولايته الاولى، وأصبح فنان حل المشاكل الوافدة والمراوحة في المكان. كما أن هذه هي قوة جذبه: رغم كل الاحاديث عن الرؤيا وعن الطريق، يعرض رئيس الوزراء على الإسرائيليين بالاساس استمرار الوضع القائم.
رويدا رويدا، ينتقل هذا الاعتراف بان هذه هي الارادة الحقيقية للناخب الإسرائيلي إلى باقي الساحة السياسية ايضا، والان يتعلق الجدال الاساس بين رئيس الوزراء ومنتقديه من الوسط بالطريق الافضل لصيانة الوضع الراهن. وبينما يسعى نتنياهو وشيلي يحيموفتش إلى تجاهل الموضوع الفلسطيني تماما، تؤمن تسيبي لفني ويئير لبيد بادارة مفاوضات تخفف من الضغط على إسرائيل، وهكذا، بشكل مفعم بالمفارقة، ستساعد هذه ايضا في الحفاظ على الوضع القائم. ودون صلة بالانجازات المتوقعة لكل الطامحين إلى رئاسة الوزراء ففي المسألة الاساس للوجود الإسرائيلي فان الانتخابات القريبة القادمة قد حُسمت.
عن تغيير المناخ العالمي يقال انه يتم بوتيرة بطيئة بما يكفي كي يتمكن السياسيون من تجاهله. ذات الشيء يمكن قوله اليوم عن الاحتلال وعن السياقات الهدامة التي جلبها على دولة إسرائيل. فتعميق العنصرية، الفساد المستشري، العسكريتارية وفقدان الشرعية الدولية – كل هذه تتغلغل رويدا رويدا. في كل لحظة معطاة تبدو البدائل أسوأ والرغبة في التغيير اقل. وهكذا يتغلب الاحساس بان دولة إسرائيل لن تكون قادرة على إنهاء الاحتلال بنفسها وأنه سيكون مطلوبا ضغط كبير من الخارج من أجل إشفاء الجمهور والساحة السياسية من الادمان على الوضع الراهن.

التعليق