باكير يوقع ديوان شعره الأول "حين تلفت النهر"

تم نشره في الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • الشاعر الزميل فوزي باكير يوقع ديوانه في المركز الثقافي الملكي - (من المصدر)

مدني قصري

عمان- احتفل الشاعر فوزي باكير، برفقة عشّاق وعاشقات الكلمة الجميلة، وكوكبةٍ من الشعراء الشباب والنقاد والإعلاميين، بتوقيع ديوان شعره الأول "حين تلفّت النهر"، وذلك في أجواء دافئة صنعها حضورٌ مميز وأنوار خافتة أضفت على المسرح الدائري بالمركز الثقافي الملكي صفاءً شاعريا عاليا.
الحفل مزَج بين الجمال والأناقة والرومانسية، وفقرات موسيقية رائقة أدّاها عازفُ العود علاء يوسف على إيقاعات قصائد فوزي الذي أتقن الإلقاءَ إتقانَه لانتقاء الكلمة المعبّرة العميقة.
ولم يبخل الحضور الذي استساغت آذانُه ونفوسه قصائدَ فوزي، بالإصغاءِ والتصفيق والإعجاب والتشجيع، مبتهجاً بمعانٍ قوامُها الرموز والدلالات والاستعارات والمشاعر، والخيبة والأحلامُ، تنمّ عن موهبة دفينة بدأت تتفتق وتطفو على "سطح" فوزي باكير، لتنبئ بميلاد شاعر مبدعٍ يرنو إلى كوكب الشعر الذي سوف يتألق فيه تألُّق الكبار بعد حين.
في الأمسية الحميمية، قرأ فوزي مجموعة من قصائده المكثفة، القصيرة منها والطويلة، والتي كان للمرآةِ والمرأة نصيبٌ وافر فيها، لفرط التواطؤ بين هذه وتلك في حياة البشر ومفارقاتهم الأبدية.
نخال ونحن نستمع إلى قصائد فوزي باكير أن وراء كل شيء مرآة في هذه الحياة؛ فالمرآة عند فوزي هي الوجه الآخر للأشياء. هي القناع الذي يخفي حقيقة الأشياء وجوهرها. فلكل شيء مرآتُه الخفية في هذا الكون. فالمرآةُ إذن هي روح الأشياء حين تبوح بماهيتها الأولى والأخيرة.
في قصيدة "مرآتُه"، يقول فوزي: "يخيفُه وجهُه/ كلما رآه يسيلُ/ من فضّة المرايا/ فمضى إلى الجهات المُظلمة/ لعلّه يراه لامعاً/ مثل الذّهبِ/ في عتمةِ المناجم".
وتتواصل مناجاة فوزي للأشياء في قصيدة "مرآة الحجر"، يقول فيها: "منذ الصنم الأول/ لم ينطقْ الحجر/ سوى مرّة واحدة/ في وجه النحّاتين/ كنت روحاً وعرة/ على كتفِ الجبال البعيدة/ لماذا الآن/ أنا هنا/ في المدينة/ تمثالٌ/ ملطَّخ بالدماء/ على هيئةِ طاغية؟".
وفي قصيدة "مرآة الرقص" يحلق بنا فوزي في عالم الكون والنور والديجور قائلا: "أوّلُ الرقص/ ليس "حنجلة"/ كما زعمَ/ قديماً/ أهلُ العتمة/ وإنما/ أوّلُ الرقصِ/ جسدٌ/ يئنُّ/ وآخره ضياء.../الشمسُ تقلّد الصوفيّ/ إذ تدور حول نفسِها/ المسكينة/ تنهش في لحمِها/ ببطءٍ/ وتُضيء الصباحات/ لترقُصَ الطيورُ على نوافذها/ لم أراقصْها/ إلا خارجي/ وفي القصيدة/ سحبتُ الأرضَ من تحت أقدامها/ لتضيءَ الهاوية/ عندما نرقص/ نحدّق في النجوم/ شامتين/ فقد رُفِعتْ/ دونما عمدٍ/ دونما فرح".
وفي قصيدته "مرآة الدمع"، يقول فوزي: "ليس دمعاً هذا/ إنما/ ما لفظته العين/ ممّا فاض/ عن حاجة البصر". ولمّا كان الإنسانُ مرآة الإنسان، نرى باكير يقول في قصيدته "مرآتُه": "يُخيفه وجهُه/ كلما رآه يسيل/ من فضّة المرايا/ فمضى إلى الجات المُظلمة/ لعلّه يراه لامعاً/ مثل الذهب/ في عتمة المناجم".
المرآةُ في ديوان فوزي باكير هي التي تنعكس على الأشياء، في صِدْق وشفافية. كلُّ شيء هو مرآة بقيّة الأشياء. وهذا ما يريد باكير أن يعلّمنا إياه. الميلادُ، مثلا، هو مرآة الموت. والعجوزُ مرآة العمر. ووسائل الإعلام مرآةُ ما يقوله الناس، والناسُ مرآة ما يعكسه الإعلام. أجل، إنها لعبة المرايا. لذلك كانت المرآة في رأي فوزي هي كل ما هو خليق بالتأمل. ولا غرو أن تكون المرأة مرآة للرجل، لأنها أنوثته الخفية، مصدر إلهامه وإبداعه. وهذا ما نقرأه، مثلا، في قصيدة فوزي، التي يقول فيها: "كنتُ أشتهي/ أن تطول طريقي/ إليها../ مادمتُ/ سأظل متعثّرا/ بعطرها". لذلك أيضاً سيظل هذا الديوان هو مرآة باكير، الشاعر الموهوب. لأنّ الإنسان في النهاية هو مرآة الإنسان. فحتى الجريمة تُرعب الجريمة نفسها، فهي مرآتُها. وتلك هي الحقيقة التي نقرأها في قصائد شاعرنا فوزي باكير؛ كقصيدة "مرآة الأفول" التي تقول: "تُرى/ كيف ستبدو الوجُوه/ لو قُدِّر للمرايا/ أن يهرم فيها الضوء/ وتشيخ؟".
في قراءته لديوان باكير "حين تلفّتَ النهرُ" المتسم بخفة الظل، يقول الناقد العراقي عبود الجابري: "بين الماء والضوء يتنقل فوزي باكير، مثل نرسيس، خجلا خائب الأمل، يخشى أن يرى حقيقة وجهه، فلا ينعم بفضيلة الانتحار الذي يمنحه الخلود، ولا الضوء يعكس حقيقة من يشتهي من الظلال في ما يكسره من مرايا قائمة، ولا الماءُ يصفو من حوله ليعكس تقاطيع الوجه الذي يريده مفتاحا لأبواب الحية التي يروم الدخول في جناتها المتمنّعة. وحين أسقط في يده لجأ إلى اختراع مراياه ومهَرَها بما يرغب من انعكاسات رأى أنها الأقرب إلى تشكيل صورة وجهه الذي لا يراه سواء. وحين قرّت عيون الحروف بين يديه، أعلن عن لا جدوى الحوار مع الماء والشمس والمرايا، فكتب مرائية كفارس ينعى حصانه في ذروة الحرب. فوزي قادم إلى كوكب الشعر بخيول تُغير بدون أن تسمح للطين أن يعلق بحوافرها".

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يا صديقي (إسلام الحوراني)

    الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    جدا كنت و كان كل شئ رائع ... أتمنى لك المزيد من الابداع ..