ميدان التحرير: برلمان الشعب المصري

تم نشره في الأربعاء 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

تسفي بارئيل-هارتس
لم يوجد بعد الزعيم الذي لم يتسل بحلم "بدون محكمة العدل العليا وبدون "بتسيلم" (منظمة حقوق إنسان). هذا هو التطلع الى حكم الفرد، عديم القيود، بلا رقابة عامة أو قضائية، وكله بذريعة "المصلحة العامة"، التي لا يفهمها الجمهور نفسه. فالزعيم يعرف افضل. يخيل للحظة ان محمد مرسي ايضا، اجتاحه طوفان الطموح الزائد فيما ينسى ما ذكر به مؤيدوه اسرائيل: مصر بعد الثورة ليست مصر مبارك".
وهكذا، في غضون بضع ساعات من لحظة اعلان مرسي عن "الاعلان الدستوري" الجديد – الذي يمنحه صلاحيات تشريعية تفوق على المحاكم – بدأت تظهر في مواقع الانترنت والصحف انتقادات لاذعة للقرار. وسارع قادة حركات الاحتجاج والأحزاب العلمانية الى تسمية هذه القرارات بـ "الفرمانات"، وهو التلميح بقرارات السلطان العثماني التي لم يكن مجال للطعن فيها؛ الأهالي الذين ثكلوا بأبنائهم في مظاهرات الاحتجاج في 2011 نددوا حتى بقرار إعادة محاكمة المسؤولين عن القتل؛ وفي صفحات "الفيسبوك" وحسابات "التويتر" بدأت مساء يوم الخميس تتدفق نداءات لعقد مظاهرات جماهيرية في ميدان التحرير؛ وطالب نشطاء سياسيون بعقد اعتصام في ميدان التحرير حتى إلغاء هذه القرارات، وطالب آخرون بتنحية مرسي عن الرئاسة. وبالمقابل، أعلن آلاف من مؤيديه في الشبكات الاجتماعية بأنهم مع القرارات التي هي "استمرار مباشر للثورة وتأتي لحماتها"، وكالمعتاد، دعوا هم ايضا الجمهور للمشاركة في مظاهرات تأييد للرئيس وقراراته.
ولعب ميدان التحرير مرة اخرى في نهاية الاسبوع دور البرلمان الجماهيري وذكر، اذا كان هناك حاجة الى ذلك، بالمعنى الحقيقي للثورة في مصر. ومع أن للرئيس صلاحيات واسعة للغاية، على الأقل إلى أن يقر الدستور الجديد وينتخب برلمان جديد – ولكن الآن، خلافا للوضع في الماضي، تقف أمام هذه الصلاحيات صلاحية جديدة، صلاحية "الشارع".
على ماذا قامت الصرخة؟ قرار مرسي بإقالة النائب العام، عبد المجيد محمود، الذي عين في عهد مبارك ويعتبر المسؤول عن تبرئة ساحة الكثير من المسؤولين عن قتل المتظاهرين – استقبل بالذات بعطف. وقد استخدم مرسي مناورة دستورية قضت بأن يتسلم النائب العام منصبه لأربع سنوات منذ تعيينه. ومحمود يوجد في منصبه منذ ست سنوات. وهكذا يكون مرسي تجاوز تعليمات الدستور في أن النائب العام لا يعينه ولا يقيله الرئيس. فالنائب العام "ببساطة" أنهى فترة ولايته.
ولكن اذا كانت تنحية محمود وتعيين طلعت ابراهيم في هذا المنصب الهام تعد خطوة شعبية، فإن القرار بإعادة محاكمة كل من هو مسؤول عن قتل المتظاهرين – والمقصود هنا اولئك المسؤولون الذين برأتهم المحكمة – بدأ تنم عنه رائحة كريهة.  وبالفعل فإن المواطنين المصريين، من خلال حركات الاحتجاج يطالبون منذ فترة طويلة بتطهير الحكم من بقايا الحكم السابق بل ويحتجون ايضا على التسويف في تقديم المسؤولين عن قتل المتظاهرين الى المحاكمة. وفي الاسبوع الماضي نظمت مظاهرات عنيفة في شارع محمد محمود في الذكرى السنوية للاشتباكات مع قوات الشرط في المكان. واعتقد مرسي بأن القرار بإعادة محاكمة المسؤولين سيهدئ المتظاهرين بل ويمنحه مزيدا من نقاط الاستحقاق. فقد قال "هكذا نبدأ بتعويض شهداء الثورة حقا". ولكن عندها جاءت الضربة القاضية عندما قضى فيإطار قراراته الجديدة بان كل قراراته من لحظة تعيينه (في 30 حزيران 2012) هي ذات مفعول دستوري وغير قابل للطعن في المحاكم، الى أن يقر دستور جديد وينتخب برلمان جديد. وبشكل محدد تقضي القرارات ايضا بأن المحاكم لن تكون مخولة بحل مجلس الشورى ولجنة صياغة الدستور.
وهنا علق مرسي في مسار صدام جبهوي مع الحركات الليبرالية والعلمانية، مع جمعية القضاة شديدة القوة، التي دعت إلى تعطيل الجهاز القضائي، مع رابطة المحامين ومع كل من يخشى على ميزان القوى السياسي في مصر. ولمرسي منذ الآن صلاحيات تشريعية بعد أن الغى في آب ملحق الدستور الذي أملاه المجلس العسكري الأعلى وأخذ لنفسه الصلاحيات التشريعية التي كانت للمجلس العسكري من قبل. ومع ان هذه الخطوة أثارت الانتقاد في حينه، ولكنها قبلت لدى الجمهور كيفما اتفق، وذلك لأنه لماذا لا يكون للرئيس المصري المنتخب ذات الصلاحيات التي كانت للمجلس العسكري. ولكن أن يأخذ الصلاحيات التشريعية وان يضع نفسه ايضا فوق المحاكم، أي فوق القانون – فقد باتت هذه خطوة مبالغا فيها، "فرعونية جديدة"، كما قال خصومه.
مرسي، من جهته، غاضب على ما يسميه "جر الأرجل" في لجنة صياغة الدستور، التي سبق أن حلت مرة واحدة، بعد أن قررت المحكمة بأن مائة من أعضائها لا يمثلون كل فئات الجمهور. وفي تركيبتها الجديدة أيضا تعاني اللجنة من وزن زائد لرجال الإخوان المسلمين والتيارات الدينية لدرجة أنه يوجد أمام المحكمة الدستورية الآن التماس بحلها، بدعوى أن شكل اختيار أعضائها لم يكن دستوريا. مرسي، الذي يسعى منذ الآن إلى إنهاء عملية الصياغة المعقدة، التي يتطلب فيها كل بند تأييد 67 من أعضاء اللجنة، عرض المسودة لمصادقة الجمهور ومن هناك التقدم نحو الانتخابات للبرلمان، يخشى من أن يطيل حل المحكمة للجنة أكثر فأكثر في المرحلة الانتقالية. كما أنه يريد أن يبقي على التشكيلة الحالة لمجلس الشورى، والذي توجد فيه أغلبية للحركات الدينية، بعد أن حلت المحكمة البرلمان.
ظاهرا، هذه نوايا مرغوب فيها، ترمي إلى تسريع بناء المؤسسات الدستورية في مصر، نقل صلاحياته الى البرلمان الجديد، وتوفير دستور جديد لمصر "بروح الثورة" كما يدعي مرسي. ولكن عندما تطبق النوايا الطيبة بأساليب النظام القديم، التي تهدد بتفريغ صلاحيات المحاكم من محتواها، حاليا على الأقل، فإن ميدان التحرير ينبعث من جديد. يتعين على مرسي الآن ان يقرر: إما أن يتراجع بإهانة أو أن يوقع مصيبة سياسية على الإخوان المسلمين.

التعليق