الأميركيون يصوتون على مصيرنا

تم نشره في الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً

هآرتس

 إسحق ليئور

في الكتاب الأخير للمؤرخ طوني جاديت "بعد الحرب" وهو كتاب مقابلات صحفية، سُئل ما الذي منع حرب العراق من ان تصبح قضية درايفوس عالمية أو أميركية على الأقل، لأن الحديث كان عن نشر أكذوبة سافرة أفضت إلى حرب. ويُبين جاديت لمُجري اللقاء المؤرخ تيموثي سنايدر مبلغ تعقيد مسألة الكذب والحرب اذا حاولنا ان نجعلهما موضوع احتجاج: "حينما تعلن ديمقراطية حربا عليها ان تُحدث في البداية وسواس حرب بأن تكذب وتبالغ وتشوه وما أشبه". هذا إلى أن جزءا من مشكلة الديمقراطية الأميركية فيما يتعلق بالحروب يتصل بأن "أميركا في القرن العشرين أجرت حروبا من غير ان تدفع تقريبا قياسا بالآخرين. فقد خسر الجيش الاحمر في معركة ستالينغراد من الجنود والمدنيين أكثر مما خسرت أميركا في حروبها كلها في القرن العشرين. يصعب على الأميركيين ان يفهموا معنى الحرب، ولهذا فمن السهل جدا على زعيم سياسي أميركي ان يضلل هذا الشعب ويقود الديمقراطية إلى حرب".
من أين جاءنا الوهْم الكاذب عن المعاناة والثمن الأميركيين في حروبهم؟ من هوليوود – السينما والتلفاز. ونحن نحيا الوهْم الأميركي وكأنه حياتنا. ان من شاهد في مطلع الاسبوع الماضي نشرات الأخبار كان يمكن ان يعتقد ان "ساندي" سيصل إلى سواحلنا. صحيح ان للفانتازيا مصادر حقيقية واضحة. فقد كان يمكن حتى من المكالمات الهاتفية في المذياع والتلفاز مع إسرائيليين يعيشون هناك ان نعلم كم تراوح حياتنا البرجوازية بين البلاد والولايات المتحدة: فرجال الاعمال واساتذة الجامعات العاملون والذين يخرجون في سنة عطلة، ورجال الحواسيب والفنانون والمسؤولون الكبار في دورات الاستكمال وطلاب الجامعات والمهاجرون والسياح، كلهم هناك. وماذا عنا نحن هنا؟ ان محتوى شاشاتهم جزء مما لدينا. لا يوجد بلد غربي آخر يتعرض فيه السكان جميعا للفلكلور التلفزيوني الأميركي كما في إسرائيل. لندع الموضوع المبتذل "إسرائيليون في نيويورك" ولننظر إلى أبطالنا كبنيامين نتنياهو مثلا وحياته الاميركية، وستانلي فيشر مع لغته العبرية الرائعة، وآرثر فنكلشتاين المحرض الكبير على العرب، وشلدون إدلسون الذي أصبحت صحيفته هي الأشد وطنية عندنا، وايلي طبيب وهو مشُتري وبائع لفرق كرة قدم هنا ويطير ليستثمر ماله هناك، وفئات اخرى يمتزج فيها الوطن و"هوم لاند".
بقي شيء واحد مختلفا وبعيدا جدا. فهناك من غير ان يفهموا ثمن الحرب، ينتخبون اليوم رئيسا قد يؤثر في حياة وموت عشرات آلاف البشر، هنا. ان الملايين الذين شاهدوا "ساندي" (وهم لم يشاهدوا على نحو عام كوارث طبيعية أخربت هاييتي أو بنغلاديش) لا يستطيعون ان يفعلوا شيئا في هذه الانتخابات المهمة برغم أنها ستقرر مصيرهم بقدر كبير.
كنا نحن خصوصا مادة في دعاية الانتخابات هناك فقد لعقونا بلسان رطب رجراج. ما معنى ذلك؟ ان مليارات الدولارات تنصب هناك "باسمنا" من جيب الادارة هناك إلى صناعات الحرب هناك. وعلى وريد هذه الدولارات تجلس الادارة ووكالات اخرى ذات مصالح ضخمة ومؤسسات دعم وجماعات ضغط وعسكريون يصاحبهم خطاب محرقة والخوف من الاسلام، ونحن في الشرق الاوسط ننتظر إعصارنا، أعني رئيس الولايات المتحدة المقبل.
فكروا في عشرات آلاف العراقيين الذين سمعوا آنذاك بانتخاب جورج بوش الابن ولم يُخمنوا ان فوزه سيقتلهم ويُدمر حياة ملايين آخرين. ونقول باختصار ان الأميركيين يصوتون اليوم على مصيرنا وليس في مقدورنا ان نفعل شيئا سوى ان ننشد "ان نكون شعبا حرا في بلادنا".

التعليق