من هو المتوحش الحقيقي؟

تم نشره في الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • طفل فلسطيني يجلس على ركام بيته الذي هدمته قوات الاحتلال الصهيوني - (أرشيفية)

لورنس دافيدسون* — (ميدل إيست أونلاين)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
يطرح الذين يعانون راهناً من رهاب الخوف من حالات رهاب الإسلام، بمن فيهم بعض المنخرطين في الاحتجاجات البشعة على الجالية المسلمة في مانهاتن السفلى، كاتبين قضيتهم ضد "المتوحشين" على شاخصات الإعلانات، وحاثين على المزيد من الدعم الأميركي لإسرائيل. لكن هذه الرسالة تستهدف تبرير التطهير العرقي للفلسطينيين.
يوم الأول من آب (أغسطس)، بعثت بقطعة بعنوان "تاريخ على لوحة إعلانات"، مغطياً عمليات الإحلال، في الضواحي الشمالية من مدينة نيويورك، ولشاخصات إعلامية مشفوعة بخرائط فلسطين، تظهر النمو الثابت للأراضي التي تصادرها إسرائيل، وللانكماش الموازي للأراضي المتوفرة للفلسطينيين المواطنين الأصليين.
كما أبلغت الشواخص هذا المراقب بأن ثمة "4.7 مليون فلسطيني مصنفون من جانب الأمم المتحدة على أنهم لاجئون". وعلى الرغم من أن الصهاينة وصفوا الشاخصات الإعلانية بأنها "معادية للسامية،" فإنها لم تكن شيئاً من هذا القبيل. كانت معلوماتية برمتها ودقيقة بالكامل.
وكما يتبين، فإن الجهد المعلوماتي هو الآن جزء من عدد متزايد من الإعلانات والشاخصات والرسائل التي تتم صناعتها بشكل جمعي ما أصفه بأنه "حروب الشاخصات الإعلانية". وبدءاً من سان فرانسيسكو إلى واشنطن العاصمة ومدينة نيويورك، ترى الصهاينة والمجموعات المؤيدة للفلسطينيين وقد انخرطت في جهود وضع شاخصات إعلانية متنافسة. وتجري هذه العملية في معظم الفضائيات الأميركية العامة، لأن الضغط الصهيوني غالباً ما يفضي إلى رفض شركات شاخصات الإعلان الخاصة عرض رسائل مؤيدة للفلسطينيين.
وراهناً، واعتماداً على الكيفية التي تريد أن تقرأ بها الرسالة التي انطوى عليها أحدث جهد صهيوني، فقد اتسع ميدان معركة حروب الشاخصات الإعلانية إلى ما وراء موضوع فلسطين، ليضم اشتباكاً يجري في شتى أنحاء العالم بين "المتحضر والمتوحش". ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه كانت نوعية اللغة المستخدمة من جانب المستعمرين الإمبرياليين، بمن فيهم الولايات المتحدة في غزوها للهنود الأميركيين، من أجل إقامة المقارنة المفضلة بين المستعمرين وبين المواطنين الأصليين الذين يتعرضون للاضطهاد.
وثمة مجموعة صهيونية تدعو نفسها "مبادرة الدفاع عن الحرية الأميركية" بقيادة المصابة برهاب الخوف من الإسلام باميلا غيلر. وقد انتجت هذه المنظمة شاخصة تقول "في أي حرب بين الإنسان الحضاري وذلك الوحشي، عليك دعم الإنسان الحضاري. اهزموا الجهاديين".
وهدفت غيلر وهذه المبادرة إلى تثبيت هذه الرسالة على الباصات وقطارات الأنفاق والأماكن العامة الأخرى، لكنها واجهت صعوبات في البداية، لأن معظم وكالات النقل وجدت أنها شاخصة تمييزية واستفزازية. ومع ذلك، مضت المبادرة إلى المحكمة، ووجد قاضٍ فدرالي أن شاخصتها تأتي من باب "حرية الرأي" التي يحميها التعديل الأول للدستور الأمريكي.
لذلك، وفي أواخر أيلول (سبتمبر)، وجد أولئك الناس في نيويورك الذين يستقلون الباصات وقطارات الأنفاق رسالة هذه المبادرة أمام أنظارهم. ومن الطبيعي أن القليلين يعطونها حيزاً من التفكير. ومع ذلك، يجب علينا عدم تجاهلها، فهي جزء من جهد دعائي له احتمالات وتداعيات ضارة.
تحليل الرسالة
أولاً: تعارض المبادرة غيلر وإسرائيل من جهة، والجهاديين من جهة أخرى. وتقول خبرتي مع أكثر من ألف طالب جامعي منذ 11/9 أن مصطلح "الجهاديين بالنسبة للأميركيين، يعني ناشطي تنظيم القاعدة. ولا يقرن معظم الأميركيين هذا المصطلح بالفلسطينيين".
ولك أن تصدق أو لا تصدق أنه بينما قال أولئك المقترنون بالقاعدة أشياء سيئة عن إسرائيل، فإن عليهم أن يشنوا حربا على ذلك البلد. وعليه فما هو الذي يتحدث عنه أولئك الصهاينة؟ حسناً، إنهم ربما يحاولون توسيع تعريف كلمة الجهادي ليشمل ليس الفلسطينيين وحسب، وإنما العالم الإسلامي برمته أيضاً. وذلك سيكون متلازماً مع وجهة نظرهم العالمية المصابة برهاب الإسلام.
وبالإضافة إلى ذلك، تراهم يقولون إن إسرائيل تمثل "الإنسان المتحضر" الذي أعلن الحرب على نفس العدو الذي أعلن الحرب على الولايات المتحدة. ومن خلال الطلب من الأميركيين "دعم إسرائيل" فإنهم يعززون فكرة أن الولايات المتحدة وإسرائيل حليفتان.
ثانياً: هل تكون المبادرة مصيبة في القول لنا بأن إسرائيل هي "الإنسان المتحضر؟" إن ذلك فقط يعيش في خيالهم المعادي للتاريخ. وإذا كنت حريصاً على أن تعيش في عالم تقوده الحقائق، فإن إسرائيل يجب أن توصف عندئذٍ "بالوحشية." وهناك الكثير من الأدلة على هذا.
 يوم 10 تشرين الأول (أكتوبر) قدمت البحاثة في جامعة هارفارد سارة روي انتقاداً كارثياً لما فعلته إسرائيل المدعومة من جانب الولايات المتحدة في قطاع غزة. وتعد غزة بسكانها الذين يصل عددهم إلى حوالي مليوني مواطن فلسطيني راهناً أكثر بقعة ازدحاماً بالسكان على وجه البسيطة. وهي أيضاً أكثر سجن مفتوح في العالم اكتظاظاً بالسكان.
 وثمة الحصار الإسرائيلي، غير القانوني وفقاً للقانون الدولي، الذي دمر ببطء، وإنما على نحو أكيد، إمدادات المياه ونظام الصرف الصحي والبنية الاقتصادية ككل. وسيخبرك الإسرائيليون أن حماس التي تحكم غزة تريد تدمير إسرائيل. لكن تلك لا تعدو كونها أمنيات من جانب حماس، لأنها لا تتوافر على الإمكانيات لتدمير أي شيء البتة.
وترغب إسرائيل من جهتها في تدمير الشعب الفلسطيني، وهي تتوافر على تلك القدرة. وهي تقوم بفعل ذلك في غزة وفي الضفة الغربية بخطى بطيئة. وهذه الإجراءات تعد جرائم إبادة جماعية تسير بحركة بطيئة.
 وسارة روي هي أكاديمية أميركية يهودية، على معرفة غزيرة. لكن ثمة مصادر أخرى، بعضها إسرائيلية، تدعم وتسهب في شرح الانتقاد الذي تثيره سارة. وفيما يلي بعض منها:
- بتسليم، مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان.
- رابيز(الحاخامات) لحقوق الإنسان.
- أصوات يهودية من أجل السلام.
وتكشف نظرة على المواقع العنكبوتية لهذه المنظمات عن سرد طويل للسياسات البربرية المتواصلة والإجراءات المرتكبة ضد الفلسطينيين العزل في أغلبهم، والذين لا دخل لهم بالجهاديين على الإطلاق. وفي الحقيقة، فإن ممارسة ما تمارسه إسرائيل في هذا المضمار ينطوي على تأهيل عدد جيد من مواطنيها لكي يكونوا وحوشاً (ليس كلهم). وعليه، وحتى تكون صادقة وفق الحقائق، يجب أن تقرأ شاخصة المبادرة على النحو التالي:
"في أي حرب بين المتوحش واحد (إسرائيل)، والمتوحش اثنين (القاعدة)، تحث مبادرة الدفاع عن الحرية الأميركية على دعم المتوحش رقم واحد. هذا على الرغم من أن إسرائيل لا تقاتل الجهاديين، وإنما تقوم بإبادة جماعية للفلسطينيين عبر إبادتهم". وذلك سيكون دقيقاً تاريخياً، ولو أنه سيضع الحالة تحت ضوء مختلف وبشكل تمييزي، مقارنة مع دعاية السيدة غيلر.
وما تزال نهاية حرب لوحات الإعلانات قيد النظر. وتستهدف رسالة المبادرة جمهوراً أميركياً، وهكذا يمكن أن تقرأ كمحاولة لترويج رهاب الإسلام تماماً قبيل إقامة الانتخابات الرئاسية.
ولمواجهة الواقع العنصري لهذه الرسالة، ثبت مجلس العلاقات الأميركية-الإسلامية شاخصات بارتفاع 16 قدماً في محطات المترو في واشنطن العاصمة، الهدف منها "الترويج للتفاهم المتبادل وتحدي الكراهية". وتقتبس الشاخصات من القرآن الكريم الآية التي تحض على التسامح وتتحدث عن العدل والإعراض عن الجاهل.
أما الشيء السيئ في هذه الأنواع من المواجهات، فهو أن غيلر وأمثالها يتوافرون على الأشياء الغرائبية إلى جانبهم. ويعود هذا إلى أن كل الساعين للسلام هم في نهاية المطاف تحت رحمة المتشددين العنيفين، والذين يفيضون بالكراهية. ومع ذلك، وفي الولايات المتحدة، ستحدثك وسائل الإعلام عن الجهاديين وحسب.
ولذلك، فإن كل ما يحتاجه الأمر هو هجوم واحد من القاعدة على هدف أميركي لطي رسالة مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية في ملف النسيان. ومن جهة أخرى، تستطيع الحكومة الإسرائيلية وحلفاؤها المستوطنون العمل انطلاقاً من النسخة الصهيونية من التطهير العرقي اليومي، والتي نادراً ما يسمع بها الجمهور الأميركي.
الحقيقة هي أن هناك رجال ونساء أقل تحضراً مما نحب أن نعتقد. فأولئك الذين في السلطة، بغض النظر عن الدولة- الأمة، نادراً ما يتصرفون بطرق حضارية. وإما أن يعطي جل المواطنين دعمهم لزعيمهم أو أنهم يكونون غير مكترثين لأعماله. أما البقية الصغيرة المتبقية، الذين يعدون في الحقيقة مرشحين لفئة الناس المتحضرين، فتراهم يتركون للنضال والكفاح ضد تيار معارض قوي وراسخ. وهذا ليس بأكثر صحة في أي مكان في العالم مما هو في إسرائيل.
ولكنا عندها قلب الظلام الحالك.
*أستاذ التاريخ في جامعة ويست تشيستر في بنسلفانيا. وهو مؤلف "شركة السياسة الخارجية: خصخصة المصلحة القومية الأميركية". و"فلسطين أميركا والأحاسيس الشعبية والرسمية، من بلفور إلى الدولة الإسرائيلية". و"التشدد الإسلامي".
*نشر هذا الموضوع بعنوان:
 Who’s the Real Savage?

التعليق