ندوة حول رواية سميحة خريس الجديدة في المركز الثقافي الملكي

متحدثون: "على جناح الطير" تختلط فيها السيرة الذاتية بالأمكنة

تم نشره في الخميس 25 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً
  • سميحة خريس (يمين) وهزاع البراري ود. رزان ابراهيم خلال الندوة في المركز الثقافي الملكي أول من أمس - (تصوير: أسامة الرفاعي)

مدني قصري

عمان - "على جناح الطير" عنوان رواية جديدة صدرت مؤخرا للروائية سميحة خريس، ودارت حولها الندوة التي أدارها مساء أول أمس الثلاثاء بالمركز الثقافي الملكي القاص هزاع البراري، التي وصفها البراري بالتجربة المباشرة مع المدن المختلفة التي زارتها الكاتبة وغاصت في ثناياها.
 وقدمت الناقدة الدكتورة رزان إبراهيم ورقة نقدية مستفيضة، بل تشريحا نقديا إن صح القول، حللت فيه هُوية النص الاجتماعية والسياسية والثقافية المنفتحة على التاريخ والجغرافيا.
في تحليلها لهذه الرواية تقول الناقدة رزان إبراهيم إن من الأشياء الجميلة التي كان لها وقْعٌ واضح على نفسها تلك العلاقة الخاصة التي ربطت خريس بالمكان، لاسيما مدينة عمّان التي تشبعت بها فوصفتها بعفوية مفعمة بمشاعر الصدق والعاطفة. وقد حللت الناقدة غائية الرواية فلخصتها في هدفين اثنين هما أوّلا رغبة الروائية في نقل المعارف والمعلومات، وثانيا حرصها الشديد على إشراك القارئ في الأمكنة التي أقامت فيها وأحبتها، أو عشقتها، وحكمت عليها أحيانا بكثير من المثالية لشدة حبها لهذه الأماكن التي خبرتها عن قرب وعرفت خفاياها وفكت أحيانا طلاسمها.
كتبت خريس تفاصيل كثيرة عن واقع البلاد والمدن التي زارتها، وعن وتاريخها وتحولاتها الاجتماعية والسياسية، وما طرأ على بنياتها التحتية وعمرانها وذهنيات مجتمعاتها من تغيرات هائلة. ولم تكتف الكاتبة برصد الأمكنة ووصف تفاصيلها بل وقفت عند محطاتها الكثيرة وقفة تأملات عميقة، فلم تحكم على المكان بالجملة، وإنما رصدته من زوايا عديدة، وأعطت لكل زاوية منه حقها من الاهتمام والعناية، فلم تُبعدها فوضى المكان - إن وُجدت - عن جمالياته وإن خفيَت أحيانا. وفي مختلف المحطات التي وقفت عندها نقلت الكاتبة مختلف التجارب الثقافية التي تميز هذه البلاد والمدن، وتناولتها بالنقد والتحليل والمقارنة، ولم تُهمل الجوانب الفولكلورية وما تتضمنه من بواطن خفية، ومن نكهة اجتماعية وثقافية ودينية، في هذه البلدان التي ما زالت تتمسك بتقاليدها العريقة، متحدية بذلك هجمة الحضارة وتكنولوجياتها. لكن، هل ما كتبته خريس في "على جناح الطير" يصنف ضمن أدب الرحلات؟
يعرف أدب الرِّحلات بأنه لون من ألوان الأدب يصور فيه الكاتب ما عاشه من أحداث وما واجهه أو صادفه من أحداث وصور خلال رحلاته إلى مختلف البلدان. فلعل الروائية سميحة خريس قصدت في روايتها "على جناح الطير" هذا اللون من الأدب لما تضمنته روايتها هذه من معلومات جغرافية وتاريخية واجتماعية وثقافية، استقتها مما علمته وتعلمته واطلعت عليه وشاهدته وخبرته وصوّرته من خلال رحلاتها وتنقلاتها العديدة عبر الأقطار العربية وغيرها، ومشاهداتها الحية، فجاء ما صوّرته للقارئ غنيا وفيرا، وممتعا ومسليا. لكن خريس مع ذلك لا تدعي هذا اللون من الأدب، مكتفية بالقول إن الرواية سيرة الأمكنة كما رأتها بصدق وأمانة، والتي حرصت فيها على أن تُعمل فيها ما تستحقه من تأمل وموضوعية يُحركها حب البحث والتمحيص والتحليل والنقد.
وتجدر الإشارة إلى أن الإضافة التي تميز هذه الرواية أن سميحة خريس لم تكتف بوصف الأماكن، بل تقارن أيضا بين حالها حاليا وبين حالها ماضيا، ما يعني أن خريس في كثير من الحالات تعيد اكتشاف أمكنة كانت قد زارتها من قبل، ويعود بعضها إلى أيام الطفولة، فتقارن هذه الحال بتلك، وتتوغل في ثنايا ودهاليز هذه وتلك، لتضع القارئ في صورة المكان الحقيقية وما شهده عبر الزمن من تحوّلات، أو من ركود، أو من تقهقر وتدهور أحيانا. وقد لعبت ذاكرة الكاتبة دورا مُهما في وصف تفاصيل الأماكن، لكن كان لذاكرتها بعض الزلات العفوية (ما أكثر الزلات التي يُوقعنا فيها اللاشعور من حيث لا ندري) حيث خانتها هذه الذاكرة أحيانا فقالت في حق بعض الأماكن أشياء لا علاقة لهذا المكان بها. لكنها مخيلة المبدع التي لا حول للمبدع ولا قوة فيها أحيانا. ولذلك كانت رحلات الكاتبة فرصة لتصحيح بعض المعلومات والأفكار المسبقة التي علقت بذهنها لسنوات طويلة.
في هذه الرواية أبدعت الكاتبة في وصف طقوس الشعوب وموروثهم الثقافي والديني، ورصدت في هذا السياق دور المرأة في هذه العادات والتقاليد، وروت لنا كيف قفزت هذه المرأة بكفاحها وإرادتها من على أسوار الحريم لتغشى عالم الحقيقة وتحتل مكانها في حيز الحياة العملية الذي هيمن عليه الرجل طويلا. وقد وصفت سميحة عالم المرأة هذا، القلق المضطرب، عند شعوب كثيرة احتكت بها وتفاعلت مع حياتها اليومية، ورصدت علاقة المرأة الوثيقة بالأمكنة وتأثيرها المرئي والمخفي منه عليها. وفي سياق حديثها عن الرافد الاجتماعي في هذه المحطات الكثيرة كسرت خريس الكثير من التابوهات (المحظورات) فلم تتردد في إبداء إعجابها بطقوس وغرائب الشعوب – التي يعتبرها الناس ضربا من الخرافة - ومنها على سبيل المثال، طقوس طائفة الدروز، كاعتقادهم بتقمص الأرواح – أو ما اصطلح عليه علميا بـ "العودة للتجسد". وكان للمرأة الأردنية نصيب وافر في وصف الروائية لعلاقتها بالمكان، وما أحدثت فيه وفي ذهنيات مواطنيه وسياسييه على السواء من تحولات بعد ما حققته من تطور فائق في شتى المجالات الحياتية والفكرية.   
ولم تكتف الروائية بالجانب الاجتماعي وحده، ولكنها خاضت أيضا في عالم السياسة وتوغلت فيه إلى أبعد الحدود أحيانا، من خلال تناولها للعلاقات التاريخية ما بين البلدان، وما شابها من عور وخلاف أحيانا، وما طرأ عليها أحيانا أخرى من تقارب وتعاون وتقارب. وفي هذا الساق تقدّم لنا الكاتبة آراءها وآراء أهل الاختصاص في القضايا التي حكمت العلاقات ما بين هذه البلدان، من خلال ما ترويه من ذكريات ومشاهد، عاشتها أو عايشتها، أو قرأت عنها، أو اكتفت بتذكرها، أو جاد به عليها خيالها وإبداعها.
اتفق النقاد والمثقفون الذين حضروا هذه الندوة على أن نص سميحة خريس لا يندرج في إطار السيرة الذاتية بمفهومها الشائع، ولكنه سيرة أمكنة اختلطت فيها آراء ومشاعر وذكريات وانفعالات وعواطف وتماهي الروائية مع الأماكن، وكذلك الأحكام التي أصدرتها في حقها، وإسقاطاتها الذاتية عليها، مما يجعلنا نخال وكأننا نقرأ سيرة ذاتية من لون جديد قلما رأيناه في عالم الأدب قديمه وحديثه. لكن يبقى أن هذه السيرة المتعددة الأبعاد والاتجاهات والتي تخللتها أيضا ومضات من فلسفة الحياة والموت هي سيرة من صنف خاص، قائمة على ارتباط الكاتبة الوثيق بالمكان الذي عشقته، وتحدثت فيه برومانسية عالية، ليصبح المكان على هذه الصورة، عند سميحة خريس، مكانا مقدسًا وليس مجرد مكان!

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق