نذر الحرب في بحر الصين

تم نشره في الجمعة 19 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً
  • طاقم سفينة حربية صينية أثناء مناورة مشتركة مع البحرية الروسية في بحر الصين -(أرشيفية)

جون ماري بويسو* - (ليبراسيون) 9/10/2012
ترجمة: مدني قصري
ما فتئت التوترات التي باتت تتأجج اليوم بين الصين واليابان حول جزر سينكاكو (دياويو عند الصينيين)، والتي تطالب طوكيو وبكين كلاهما بالسيادة عليها، تتكرر منذ التسعينيات. لكن المشهد الحالي لهذه التوترات يبدو محفوفاً بقدر أكبر من المخاطر، ويصبح أدهى وأمر من أي توتر آخر في السابق.
ففيما وراء الحجج التي يقدمها الطرفان لدعم ادعاءاتهما، فإن مستقبل التوازنات الجيو-استراتيجية في آسيا، والزعامة الإقليمية على القارة، هما اللتان سيكون لهما تأثير حاسم على الأحداث في المستقبل. وستكون القوة التي تراقب الممرات المائية هي التي ستتحكم بآسيا. وبالنسبة للصين، أصبح البحر الآن هو أفقها الاستراتيجي الجديد بعد أن حققت الاستقرار على حدودها. وقد بينت ذلك بوضوح، حيث هناك منذ العام 2002 قانون يؤكد سيادتها على مجموع الجزر، وعلى الجزر الصغيرة الواقعة في بحار الصين، وعلى جزر بحار الصين الجنوبية. ويمنح هذا لقواتها المسلحة الحق في فرض هذه السيادة. ولذلك يتسلح العملاق الصيني تحقيقاً لهذا الهدف. ولا شك أن أسطول الصين من الغواصات هو أسطول فعال، وسوف تحصل الصين قريباً على حاملتين للطائرات، وهي تطور الآن مجموعة هائلة من الصواريخ بر/ بحر، وبحر/ جو. وفي هذا الشأن، تقوم قيادة الجيش الأميركي باستكشاف طرق التعامل مع ما تصفه بأنه رغبة الصين في حرمانها من قدرتها على التدخل في البحار الآسيوية على المدى البعيد.
وبين الطرفين، تجد اليابان نفسها في وضع غير مريح: فدفاعها يستند إلى معاهدتها الأمنية مع الولايات المتحدة، لكن اقتصادها مرهون في المقام الأول باعتماده على الصين، أكبر شركائها التجاريين. ويبدو الأرخبيل الياباني غارقاً في أزمة اقتصادية بلا نهاية، ويعاني من عدم الاستقرار السياسي، ومكبل بديون هائلة، ناهيك عن مسألة كارثة فوكوشيما. وإلى جانب ذلك، تنحدر أحوال المواطنين، والرأي العام ما انفك يتوه، ويربكه الإحباط والخوف من التقهقر والانحطاط. ومنذ نحو عام والبلاد تتعرض للإهانات بسبب النزاعات الحدودية مع جيرانها الذين يستثمرون مشاكلها بصلافة. وكان رئيسا روسيا وكوريا الجنوبية، قد زارا، وسط ضجة إعلامية كبيرة، إحدى جزر الكوريل التي تطالب طوكيو بها. ولو أضفنا إلى ذلك أن وسائل الإعلام ولوبي الدفاع يلعبان على وتر التهديد الكوري الشمالي، إلى حد تنصيب بطاريات مضادة للصواريخ في قلب مدينة طوكيو، عندما أعلنت بيونغ يانغ عن إطلاق قمر صناعي (في نيسان -أبريل 2012)، فإننا سندرك مدى توتر الرأي العام.
وهذه الأرضية مهيئة لانفجار المشاعر القومية، وهي المشاعر التي يؤججها أحد اللوبيات المنظمة تنظيماً جيدا. وقد فجر الأزمة الحالية شينتارو إيشيهارا محافظ طوكيو، وهو رجل مصاب برهاب الصين "الصينوفوبيا"، ومعروف بنكرانه ورفضه لجرائم الحرب التي ارتكبتها اليابان في آسيا. وبعد أن قامت حفنة من القوميين الصينيين بدخول إحدى الجزر لفترة وجيزة، أطلق شينتارو إيشيهارا عملية اكتتاب مخصصة لشراء جزر سينكاكو من أصحابها الخواص، بدعوى توفير حماية أفضل لها. لكن الحكومة زايدت عليه في قيمتها واشترتها بما يعادل 20 مليون يورو.
ولإدارة هذه الأزمة، في أعقاب هذه الرعونة، يتعين على القادة اليابانيين أن يتمسكوا بالهدوء وببرودة الأعصاب. ويبدو أن الحزب الديمقراطي الياباني الذي يتولى السلطة منذ العام 2009، قد ضاعف من سلوكاته المرتجلة وأخطائه، بسبب قلة خبرة أقسامه ودوائره، وبسبب ضعف المناورة البرلمانية وضغوط الأحداث منذ كارثة فوكوشيما. فقبل أشهر قليلة من موعد الانتخابات التي بدأت سيئة للغاية، لم تعد الحكومة تعرف ما الذي يمكن أن تفعله حتى تُحسن صورتها.
وفي إدارة أزمة جزر سينكاكو المتفاقمة، قد تسفر مثل هذه الرعونة عن عواقب خطيرة. ولكن العودة غير المتوقعة للحزب الديمقراطي الليبرالي القديم إلى السلطة قد لا تؤدي إلى إصلاح الأمور. والمرشحون الرئيسيون الثلاثة لرئاسته هم السيد إيشيبا، زعيم اللوبي الياباني للدفاع، ونجل الحاكم إيشيهارا المتطرف، والسيد "أبي" الذي كان جده متهما بارتكاب جرائم حرب، والذي لا يقر اعتراف اليابان بالفظائع التي تورط فيها سلفه. 
يرتبط ضجيج الحرب وأصوات مراوح الآليات الحربية في بحار شمال شرق آسيا بدوامة السياسة الداخلية للبلدان المعنية بالأزمة. لكن الرهان القائم على المدى الطويل هو السيادة على المسرح الآسيوي. وفيما بين حكومة يابانية في ضيق شديد، وبين نظام استبدادي يقدم بيادقه دون تورع، ليس من المؤكد أن ينتصر الاعتدال في النهاية.


*مؤرخ اختصاصي في قضايا اليابان المعاصرة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Bruits d’hélices en mer de Chine

التعليق