أميركا: "الجمال الرئاسي" كمعيار للانتخاب

تم نشره في الجمعة 19 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 صباحاً
  • المرشحان الرئاسيان الأميركيان رومني وأوباما. الوسامة أيضاً تهم -(أرشيفية)

إيان بوروما*

نيويورك- تُرى ما هي الغاية من إجراء مناظرة رئاسية؟ في سياق الانتخابات الرئاسية الأميركية، نستطيع أن نعتبر مصطلح "مناظرة" تسمية خاطئة. فعندما واجه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي منافسه الاشتراكي فرانسوا هولاند، كانت تلك مناظرة حقيقية -تناولت قضايا جوهرية حقيقية ودامت أكثر من ساعتين. وعلى النقيض من هذا، تأتي المناظرات الرئاسية في الولايات المتحدة أشبه بالأداء المسرحي، حيث يتدرب كل من المتناظرين بلا نهاية على الإجابات عن كل سؤال محتمل مع فِرَق من المدربين والمستشارين.
وفي المناظرات الأميركية، يخاطب المرشحون صحفيين منتقين بعناية، والذين نادراً ما يعقبون على الإجابة عن أسئلتهم. ويكون التركيز في تقييم أداء المرشحين على طريقة عرضهم، ولغة أجسادهم، وتقلصات عضلات وجوههم اللاإرادية، وتنهداتهم غير المقصودة، وابتساماتهم، وملاحظاتهم الساخرة، وحركات أعينهم الغافلة، أكبر من التركيز على مضمون حججهم. هل يبدو المرشح متكبراً، أو ودوداً ويستحق الثقة؟ وهل تبدو ابتساماته حقيقية أم مصطنعة؟
الواقع أن هذه "العناصر البصرية" قد تكون عظيمة الأهمية. ويقال إن ريتشارد نيكسون خسر السباق أمام جون كينيدي في العام 1960 على شاشات التلفاز: فقد بدا كينيدي رابط الجأش ووسيماً، في حين كان نيكسون عابساً في وجه الكاميرا، وكانت حبات العرق تتقاطر على وجهه، وقد بدأ الشعر ينمو عليه منذ حلق ذقنه في الصباح. وفي مناظرته مع رونالد ريغان في العام 1980، ظهر كارتر في هيئة الشخص المتعجرف الذي يفتقر إلى روح الدعابة، وبدا ريغان في هيئة العم المسن الودود. وخسر كارتر.
وفي العام 2000، عجز آل غور عن الاستقرار على الدور الذي يرغب في لعبه في مناظرته مع جورج دبليو بوش، فبدا مراوغاً ومتحولاً من الغطرسة إلى التواضع المصطنع ثم العكس. وكانت حججه هي الأفضل، ولكنه خسر "المناظرات" (والانتخابات) على الرغم من هذا.
ويقال لنا إن المناظرات هذا الشهر بين الرئيس باراك أوباما والمنافس الجمهوري مِيت رومني قد تقرر نتيجة الانتخابات. ووفقاً للخبراء، فإن هذه هي الفرصة الأخيرة. فإذا ظهر أوباما بمظهر الأستاذ الجامعي النخبوي، فإنه قد يخسر. وإذا غضب رومني، أو ألقى بنكتة سخيفة، فإن فرصه قد تتبدد. ومرة أخرى، فإن المسألة هنا لا تتعلق بمن لديه السياسات الأفضل، أو الأفكار الأحسن؛ إن الأمر برمته يدور حول طريقة العرض.
وقد شاهد أكثر من 67 مليون أميركي المناظرة الأولى من المناظرات الثلاث هذا العام. ووفقاً لاستطلاعات الرأي العام، فإن نحو 17% فقط من الناخبين المؤهلين لم يحسموا أمرهم بعد بشأن مرشحهم المفضل. وهو أمر مستغرب، نظراً للفجوة السياسية المتنامية بين الحزبين السياسيين الرئيسيين في أميركا. وفي الجلسات الخاصة، قد يكون بوسع أوباما ورومني أن يتفقا على العديد من الأمور، ولكن الحزب الجمهوري تحرك لمسافة بعيدة باتجاه يمين ليبرالية أوباما المعتدلة، وانجرف معه رومني.
ثم هناك العامل الكبير غير المعلن والمتمثل في التحيز العنصري، وهو الأمر الذي يحاول  الجمهوريون حتى من اليمينيين المتشددين عدم التصريح به علنا. فمن المعروف أن نسبة معينة من الناخبين الأميركيين لن يصوتوا لصالح رجل أسود، مهما قال، ومهما كان أداؤه جيداً في المناظرة.
وإذا لم تكن السياسات أو الأحكام المتحيزة المسبقة كافية لإقناع نسبة الـ17% من الناخبين الذين لم يحسموا أمرهم بعد، فمن المؤكد أنهم يبحثون عن شيء آخر. إنهم يريدون أن يروا ما إذا كانوا سيعجبون بأحد المرشحين أكثر من الآخر. ولا يسعنا إلا افتراض أن المناظرات، في نظرهم، لا تعدو كونها مسابقة لإبراز شخصية المرشح.
وكان هذا الموقف ليبدو منطقياً بكل تأكيد في الانتخابات السابقة، عندما لم يكن الفارق السياسي كبيراً حقاً بين المرشحين الديمقراطي والجمهوري. وبشكل عام، كثيراً ما يتفق المرشحون حول السياسات الاقتصادية والخارجية، مع ميل الجمهوريين بدرجة أكبر إلى تفضيل مصالح الشركات الكبرى وميل الديمقراطيين إلى الدفاع عن مصالح العمال. ولذلك، فإن من غير الممكن أن نلوم الناخبين دائماً إذا وجدوا صعوبة في حسم أمرهم. فهم يعمدون عندما يعجزون عن الاختيار وفقاً لأسس منطقية متعقلة، إلى اتباع غرائزهم ويصوتون لصالح المرشح الأكثر اتفاقاً مع أمزجتهم.
أما في هذه المرة، فتبدو المبررات لمثل هذا الاختيار الاعتباطي أقل كثيراً. فالفوارق السياسية مذهلة. وعلى الرغم من هذا، هناك سبب وجيه لعدم استبعاد مسابقة إظهار الشخصية بالكامل. إن الرئاسة الأميركية مؤسسة شبه مَلَكية، فضلاً عن كونها سياسية. فالرئيس والسيدة الأولى هما الملك والملكة في الجمهورية الأميركية. هما الوجهان الرسميان اللذان تقدمهما الولايات المتحدة للعالم الخارجي. وعلى هذا، فليس من الغريب تماماً أن يبدي الناخبون رغبتهم في أن يكون مظهر رئيسهم مثيراً للإعجاب، بعيداً تماماً عن جدارة سياساته. وقد يبدو اختيار رجل السياسة الأكثر قوة في البلاد على أساس حسن مظهره على شاشات التلفاز اعتباطياً، بل وحتى متعسفاً. ولكنه ليس أكثر عشوائية من حدث الميلاد الذي يحدد حق الملوك والملكات في حكم بلدانهم.
والفارق هنا بطبيعة الحال هو أن أغلب الملوك والملكات في العصر الحديث يشكلون أنظمة مَلَكية دستورية ولا يتمتعون بسلطة سياسية. أما الرجل الذي يختاره الناخبون الأميركيون لقيادة بلادهم، فسوف يؤثر على حياة الجميع، وليس الأميركيين فحسب. ولأن غير الأميركيين لا يمكنهم التصويت في الانتخابات الأميركية (وهو أمر مؤسف بالنسبة لأوباما، الذي قد يحرز على الأرجح فوزاً ساحقاً في تصويت عالمي في مواجهة رومني)، فإننا مضطرون إلى الاعتماد على حكم الـ17% من الناحبين الذين لم يحسموا أمرهم بعد، والذين سيشاهدون التلفاز هذا الشهر.
وليس هذا بالأمر المطمئن تماما، ولكن الجمهورية الأميركية لديها ميزة تفتقر إليها الأنظمة الملكية. فسواء كان شبه الملك الجديد جيداً أو رديئاً، فإن التخلص منه ممكن كل أربع سنوات. ثم بعد ذلك تبدأ المنافسة من جديد؛ المنافسة التي هي في جزء منها إيديولوجية، وفي الجزء الآخر مسابقة جمال.


*أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان في كلية بارد، ومؤلف كتاب "ترويض الآلهة: الدين والديمقراطية في ثلاث قارات".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت،" 2012.

التعليق