النفط والغاز والمحافظون الجدد في الأزمة السورية

تم نشره في الأحد 14 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 صباحاً
  • منشأة نفط سورية في مدينة حمص - (أرشيفية)

الدكتور عبد الحي زلوم *


تعوّدت أن أبحث عن دور النفط والغاز في الأزمات الدولية عموماً والشرق اوسطية على وجه الخصوص.
 ذهبتْ مارغرت تاتشر الآف من الكيلومترات بعيدة عن الجزر البريطانية لتحارب في جزر الفوكلاند المحتوية على (300) من البشر ومئة الف من الماعز مدعية بالديمقراطية والحرية سببا لحربها ليخرج علينا المكتب الجيولوجي البريطاني بعد ذلك بقليل يعرض امتيازات لمربعات مناطق يعتقد انها غنية بالنفط والغاز.
كذلك ظننا ان المعارك في واحة البريمي كانت حرب ماء في صحراء حتى علمنا ان تحت ارض تلك المعارك مكامن نفطية تقاتلت فوقها الاعراب والقبائل نيابة عن شركات النفط وبالوكالة. فهل هناك عنصر من عناصر النفط أو الغاز في أكمة الازمة السورية؟
 إذا كان الأمر كذلك، فهو حتما ليس السبب الوحيد في اشتعال الأزمة؛ فالأرض السورية هي الآن أرض يتم على ربوعها محاولة تشكيل  شرق اوسط جديد داخل نظام عالمي جديد، ويدفع السوريون من بشر وحجر ثمن إعادة التشكيل هذه، ولربما كانت ممارسات النظام السوري على مدى أربعين عاماً قد خلقت من أعدائه من قبلوا بالشيطان الأصغر والأكبر حلفاء لتغيرٍ قد لا تكون نتائجه حسب توقعاتهم. وأنا هنا لا أكيل المديح أو الهجاء لهذا النظام أوذاك، ولكن أحاول إلقاء الضوء على بعض عناصر مسببات الأزمة، وليس جميعها، علّ ذلك يكون ذا فائدة لمن يهمه الامر ليعلموا أن اقتتالهم يخدم أجندات الآخرين وليس أجندات وطنية، فيتوقف سفك الدماء.
خطوط الأنابيب  المتنافسة الإيرانية والقطرية
حقل بارس الجنوبي كما يسمى بإيران (او حقل الشمال كما يسمى بقطر) هو أكبر حقل للغاز في العالم يمتد بمساحة 9700 كليومتر مربع، 6000 كم² منها تحت المياه الاقليمية لقطر، 3700 كم² تحت المياه الاقليمية الايرانية للخليج ويقع الحقل على بعد 3000 متر تحت سطح أرض الخليج، حيث متوسط عمق المياه 65 متراً. ويتكون مخزون الغاز القابل للاستخراج في القسم القطري
بـ900 تريليون قدم³، بينما الكمية في القسم الايراني تعادل 500 تريليون قدم مكعب ويمثل الاحتياط القطري من هذا الحقل
99 % من احتياط قطر من الغاز في حين يمثل احتياط ايران من هذا الحقل 36 % من احتياط الغاز الايراني. للعلم فان اكبر احتياطات العالم من الغاز هي على التوالي في روسيا، ايران، تركمنستان، قطر، الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وتأتي الجزائر بالمرتبة العاشرة والعراق بالمرتبة الحادية عشرة.
نشرت جريدة الوول ستريت جورنال Wall Street journal بتاريخ 25/07/2011 أن اتفاقاً بين ايران والعراق وسورية قد تمّ لنقل غاز حقل جنوب بارس عبر الاراضي العراقية الى سورية ومنها إلى السوق الاوروبية، وهي أكبر سوق مستهلك للغاز في العالم، وبكلفة 10 مليارات دولار يتم بناؤه خلال ثلاث سنوات.
كما تناقلت الانباء عن خيارات قطرية لنقل حصتها من الحقل نفسه الى نفس الاسواق الاوروبية عبر خط أنابيب ينتهي بميناء العقبة الأردني وخيار آخر لخط عبر السعودية إلى الاراضي المصرية، ومنها عبر البحر المتوسط إلى أوروبا.
روسيا أكبر مورد للغاز للسوق الأوروبية
روسيا هي صاحبة أكبر احتياطي للغاز في العالم، وهي تزود 25 % من احتياجات الغاز الاوروبية، ارتفعت حديثاً إلى 30 % بعد تشغيل خط جديد اسمه Nord Stream يبدأ بالمقربة من بيترسبرغ ويمر تحت مياه بحر البلطيق إلى شمال ألمانيا. إن اعتماد الاقتصاد الأوروبي عموماً والألماني خصوصاً على الغاز الروسي كان دوما مصدر قلق للولايات المتحدة وحلف الاطلسي، وتسعى جاهدة هذه القوى لإدخال غاز الشرق الاوسط كمنافس استراتيجي للغاز الروسي.
الغاز السوري
 ولربما ما زاد الازمة اشتعالاً أنه قد تم الاعلان في شهر آب (اغسطس) لسنة 2011 عن اكتشافات بحرية كبرى مقابل الشاطئ السوري تم تسميته حقل (Qara) والحقل مقابل القاعدة العسكرية الروسية بميناء طرسوس.
وتسعى روسيا أن تكون شركتها Gasprom العملاقة هي المطورة لهذا الحقل؛ بحيث يتم التنسيق، لا المنافسة، بين هذا الغاز والغاز الروسي في السوق الاوروبية.
الغاز الفلسطيني
بدأ ائتلاف من شركة بتريتش غاز (60 %) British Gas، واتحاد المقاولين (30 %ccc) والسلطة الفلسطينية 10 % بالتنقيب البحري عن الغاز سنة 1998، وتم اكتشافه والاعلان عنه رسمياً سنة 2000 بعد حفر بئرين بحريين. عطل الاحتلال الاسرائيلي عملية الانتاج للحقل المكتشف بحجة أن دخله سيدعم الارهاب الفلسطيني. لكنه شجع اسرائيل بالقيام باعمال الاكتشاف قباله شواطئ فلسطين المحتلة حيث اكتشفت بعض الحقول العملاقة، وما زال الحقل الفلسطيني مقفلاً بالرغم من تعثر وصعوبة سلطة عباس من دفع رواتب اجهزتها الامنية المتعاونة مع أجهزة الامن الاسرائيلية.
الغاز الاسرائيلي
بينما كانت الانظمة العربية منشغله بالاقتتال في ما بينها، ودوماًً بالنيابة عن آخرين، كانت اسرائيل تطور صناعة النفط والغاز بشكل ملفت وكبير.
 فحتى سنة 2009 كانت تمتلك حقل غاز واحدا صغيرا، لكنّه كان يكفي لسد 70 % من حاجة اسرائيل من الغاز الاّ أن احتياط حقل النفط هذا واسمه ( Yam Tothys) سينضب خلال ثلاث سنين.
سنة 2009 تم اكتشاف حقل كبيرة اسموه حقل Tamar وهو قبالة الحدود اللبنانية الفلسطينية ويبعد عن الشاطئ حوالي 50 ميلاً وسوف يبدأ الانتاج من هذا الحقل خلال الشهرين القادمين. الاّ أن الاكتشاف الأكبر والعملاق تمّ سنة 2010 بالمشاركة مع شركة Noble Energy الاميركية. ويبعد هذا الحقل 84 ميلاً غرب ميناء حيفا والحقل يقع تحت مياه البحر الابيض المتوسط بعمق 3 أميال تحت الماء. تم تسمية هذا الحقل بـ Leviathan أي وحش البحر.
وحسب التقديرات، فإن هذا الحقل يكفي لسد حاجة الدولة العبرية لاكثر من مئة سنة، لكنه في الغالب سينتهي في الاسواق الاوروبية أيضاً. وبالمناسبة فقد تم انشاء برامج طموحة لاستخراج النفط من الصخر الزيتي لسد حاجة اسرائيل ( حوالي 300,000 برميل/اليوم) من هذا المصدر ويشرف على هذا البرنامج باحث يهودي اميركي متقاعد من شركة شل Shell، كان يعمل في دائرة الابحاث لتلك الشركة في كولورادو بالولايات المتحدة.
البعد الصهيوني
في مارس لسنة 2012 اصدر مركز SABAN لدراسات الشرق الاوسط النابع إلىBrookings Institution دراسة تحت عنوان: "سورية: خيارات تغيير النظام" والممول لمعهد سابان هذا هو حاييم سابان – الاميركي الاسرائيلي الجنسية والمركز هو أحد مراكز المحافظين الجدد في واشنطن. جاء في التقرير: "تستطيع اسرائيل أن تحشد قواتها في هضبة الجولان لتقوم بتشتيت قوى الجيش السوري النظامي خصوصاً من خوفه على المحاربة على جبهتين فيما لو قامت تركيا بحشد قواتها على الحدود السورية في الوقت ذاته مع الابقاء على المعارضة وتزويدها بالسلاح".
من الطريف أنه خلال الايام القليلة الماضية تم حشد القوات الاسرائيلية في الجولان بتغطية اعلامية واسعة في نفس اليوم الذي انتشر فيه الجيش التركي على الحدود الشمالية لسورية وفي نفس الوقت الذي اعلن فيه البنتاغون عن قدوم قوات اميركية إلى دول مجاورة أخرى.
أكثر الباحثين في مركز سابان هذا هم من الليكوديون الاميركيون والاسرائيليون، ومنهم ShlomoYanai المدير السابق لادارة التخطيط في الجيش الاسرائيلي، ومارتن إنديك السفير الاميركي السابق في اسرائيل وهو ليكودي عتيد، و Avi Dicter رئيس جهاز المخابرات الاسرائيلي الداخلي Shin Bet و Yusef Kupperwasser المدير السابق لمديرية الابحاث في الجيش الاسرائيلي.


* خبير نفطي دولي

التعليق