قنبلة ذرية في الأمم المتحدة

تم نشره في الأربعاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً

عنار شيلو-هارتس

عُرضت الخطبة على أنها معتدلة. وأثنى عليها أفضل المحللين، بل جاءت صيحات تشجيع من جهات غير متوقعة: ممن هم حول الرئيس اوباما ومن سفير الولايات المتحدة في اسرائيل بل من شيلي يحيموفيتش، وتنفس الجميع الصعداء.
نزل بنيامين نتنياهو في ظاهر الامر عن الشجرة فهو لم يشر في خطبته في الجمعية العامة للأمم المتحدة كما كانت الحال من قبل الى هجوم على ايران قبل الانتخابات في الولايات المتحدة بل تفضل بمط الحبل الى ربيع أو صيف 2013. ولم يحرك قِدْر السياسة الاميركية الداخلية ولم يُحدث قطيعة ظاهرة مع الرئيس اوباما بل شكره خاصة على نشاطه لصد حصول ايران على القدرة الذرية، وكانت تلك خطبة باحثة عن السلام بادي الرأي. وقد طلب نتنياهو في الحقيقة تحديد خط احمر لطهران لكن بحجة ان الخط الاحمر على الخصوص سيمنع حربا.
كانت تلك في واقع الامر أكثر الخطب تهويلا مما خطب نتنياهو. فقد تحدث عن حرب عالمية بين أبناء النور وأبناء الظلام؛ وبين الحداثة المستنيرة المتسامحة التي تمثلها في ظاهر الامر اسرائيل والولايات المتحدة والعالم الغربي، وظلام العصور الوسطى الذي تمثله جهات اسلامية برئاسة ايران والقاعدة تهدد بالسيطرة على العالم والقضاء على كل ذِكر للحداثة وحضارة الغرب.
لم تُسمع خطبة عسكرية مع شعور بالمطاردة كهذه منذ زمن. فإذا كان نتنياهو قد حصر عنايته في الماضي في تهديدات وجودية لإسرائيل وفي عرضها على أنها ضحية، فقد انتشر الخطر الوجودي الآن ليشمل العالم كله. فالقوى العظمى التي تملك آلاف القنابل الهيدروجينية ترتجف مثل ورقة تُطيرها الريح في مواجهة 70 في المائة من قنبلة ذرية ايرانية، تُستل مثل رسم توضيحي في اللحظة المناسبة.
يكمن تحت جلد نعجة كلام نتنياهو اذاً نمر منطلق الى حرب يأجوج ومأجوج بين الظلام والنور. فأين نحن في الحقيقة؟ هل اسرائيل برئاسة نتنياهو هي في جانب النور أصلا؟.
نتنياهو على يقين من ان الامر كذلك، ففي كل مكان توجد فيه كارثة تُجند اسرائيل نفسها فورا للمساعدة، كما أعلن في خطبته. ونحن نتذكر كارثة اللاجئين اليائسين الذين طرقوا حدودنا الجنوبية وكيف جندنا أنفسنا فورا لمساعدة الجياع والعطشى، وطرد أكثرهم بالغاز المسيل للدموع وقضبان الحديد. ونتذكر كارثة الفلسطينيين تحت الاحتلال واعمال التنكيل وسلب الاراضي. وكارثة الطبقات الضعيفة وكيف بيعت هنا في تعسف عشرات آلاف الشقق المخصصة لها وبقيت بغير سكن عام. وكارثة الطبقة الوسطى التي تتحطم تحت الضرائب وغلاء المعيشة. وكارثة اجهزة الصحة والتربية والرفاه التي تتهاوى لعدم الميزانية لأن الميزانية هنا هي ميزانية حرب دائما.
ونتذكر ايضا كارثة جامعة بن غوريون التي يوشك وزير التربية ان يفرض عليها اغلاق قسم اكاديمي مستنير. وكارثة جموع المُقالين وفريق منهم بغير تعويض مناسب، وكذلك عمال "فنيتسيا" و"معاريف". وكارثة دولة تخدم رجال الدين فيها ومستوطنيها وأرباب المال فيها. وكارثة ديمقراطية وسلطة قانون أخذا يتلاشيان. فلعلك تفحص يا بيبي قبل كل شيء وقبل ان تُلقي قنبلة ذرية في الأمم المتحدة وتعلن حربا عالمية بين الظلام والنور، في أي جانب أنت؟.
في رسم القنبلة التوضيحي لبيبي شيء من العزاء ايضا. فالسياسي الطبيعي ينتقل من الكلام الى الفعل وينتقل نتنياهو من الكلام الى الرسم والألعاب. ان الخبير المشهور بالكلام يتركه في ذروة خطبته من اجل بطة أو مثلث سحري أو رسم قنبلة صبياني.
يجب ان نبارك ذلك في حالة نتنياهو، فأن يتكلم أفضل من ان يفعل، وأن يرسم أفضل من ان يتكلم. ولما كانت الرسوم الألعاب هي الكريمة في الكعكة التي يعرضها فإنه يجدر ان نُجلسه على بساط مع رزمة أقلام توش ملونة كي يشغل نفسه ولا يشغلنا.

التعليق