لتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط الجديد: راهنوا على نسائه وفتياته

تم نشره في الأربعاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 صباحاً

بينيديتا بيرتي - (ميدل إيست أونلاين)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
لقد هزت الموجة الضخمة من الاحتجاجات المجتمعية والسياسية في "الربيع العربي" الوضع القائم في الشرق الأوسط، ما جعل صوت المرأة يسمع بقوة غير مسبوقة. ومع ذلك، وفي مرحلة ما بعد الثورة، انعكس اتجاه هذا الصعود الأولي في وضع وتأثير المرأة.
وقد شهد الربيع العربي شرائح ضخمة من المواطنين في عموم المنطقة، وهي تنهض ضد الاستبداد وتنضم إلى القوى المطالبة بالحرية والعزة والكرامة. وفي تلك المرحلة المبكرة، لعبت النساء دوراً مهماً ومشهوداً على نحو لا يصدق في دعم الاحتجاجات. ومع ذلك، وعندما استقرت رياح الثورة، عادت الأدوار الجندرية السابقة إلى الظهور ثانية بشكل كبير، وأعاد حكم الأمر الواقع النساء، ثانية، على هوامش المشهد العام.
 ولا يجيء هذا الميل نتيجة لعملية ثوروية، وإنما هو استمرار لوضع قائم. وكان قد تم التأكيد مسبقاً في تقرير العام 2009 الذي صدر عن الأمم المتحدة بخصوص التنمية البشرية العربية، وفيما لا يخالف الحقيقة، على وجود تمييز ضد النساء، وأن هذا التمييز يظل واحداً من التهديدات الكبيرة التي لا تلقى الاهتمام، والموجهة إلى الأمن البشري في المنطقة والتي تعوق تنميتها.
لكن، وحتى لو كان التمييز ضد النساء إرثاً من الماضي أكثر منه نتاجاً ثانوياً للثورات، فإن المرحلة المستمرة لما بعد الانتفاضة لم تقد إلى تحسين وضع المرأة في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك، ذهبت العديد من النساء الناشطات في المنطقة إلى حد التحذير من الإساءة المتصاعدة لأوضاع النساء وحقوقهن.
ومن دون تحسين لحقوق النساء، لا يمكن أن تكون هناك "صحوة" إقليمية صحيحة وحقيقية. وفي الحقيقة، يعني مفهوم "الربيع" العربي الانتقال نحو مجتمع يسوده المزيد من المساواة والمزيد من الديمقراطية والمزيد من الازدهار. ولغاية تحقيق كل هذه الأهداف، تمس الحاجة إلى الاستثمار في إمكانات هذه المنطقة غير المكتشفة في معظمها - نسائها.
وسيكون من شأن خلق مجتمع أكثر انفتاحاً وديمقراطية ومساواة، أن يتطلب بشكل حتمي انخراط كل أصحاب الحصص الرئيسيين في العملية السياسية والمجتمعية. وفي المقابل، يدعو ذلك إلى مشاركة أكبر من جانب النساء -اللواتي يشكلن تقريباً نصف السكان في الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
ولكن، ما الذي يمكن فعله من الخارج لدعم تحسين وضع وحقوق النساء والفتيات اللواتي يعتبرن في المقابل مكونات رئيسية لانتقال ناجح وديمقراطي؟
أولاً، من المهم في المقام الأول تحديد ما الذي لا يمكن عمله: وهو التدخل المباشر، لأن تقرير محصلة الثورات يجب أن يعتمد على الشعوب في المنطقة. وفي نفس الوقت، ما يزال ثمة مكان لدعم المبادرات الحكومية التي تسعى لتحسين حقوق النساء ووضعهن القانوني.
وتمس الحاجة أكثر ما يكون لمثل هذه الإصلاحات في عموم المنطقة وفي عدد من المناطق: بدءاً من ضمان المساواة أمام القانون بين الرجال والنساء، ومروراً بضمان الأهلية القانونية المساوية للنساء، انطلاقاً إلى إصلاح قانون العائلة (الأحوال الشخصية)، فإلغاء القيود المفروضة على قدرة النساء على العمل. وفي الوقت ذاته، يجب دمج الجرائم، مثل "التحرش الجنسي" في القانون الجزائي، وفرض عقوبات أكثر صرامة على كل أشكال العنف ضد النساء -وخاصة العنف المنزلي- وهو ما يجب أن يكون أولوية. وبنفس الطريقة، يجب أن لا يمنع احترام الإجراءات المحلية من الإفصاح جهاراً عن معارضة الحملات والقيود التي تستهدف حرية النساء.
ثانياً، وبالإضافة إلى دعم المساواة القضائية، من المهم الذهاب إلى ما وراء الحماية القانونية والاستجابة لفجوة الأمر الواقع المحركة في الفرص والحقوق بين الرجال والنساء في داخل المجتمع. وكما قال الرئيس الأميركي الأسبق ثوماس جيفرسون على نحو مشهور: "ليس ثمة شيء أكثر ظلماً من المعاملة المتساوية للناس غير المتساوين".
وتبعاً لذلك، فإن الاستثمار في تعليم الفتيات والنساء يلعب دوراً رئيسياً في المباشرة في التعامل مع فجوة الجندر. وما يزال معدل انخراط الفتيات في المنطقة أقل من نظيره بين الأولاد، بينما يبقى معدل الأمية بينهن أعلى في المقابل.
وإذن، يجب النظر إلى كيفية إزالة العوائق أمام وصول الفتيات إلى التعليم على باعتبار ذلك أولوية. كما أن تعزيز التدريب المهني وتنظيم برامج محو الأمية للنساء الأكبر سناً، واللواتي لم يكن قادرات على استكمال تعليمهن يجب أن يكون منطقة حاسمة يقتضي الحال الاستثمار فيها. وعلى نحو مشابه، يفضل دمج النساء في الميادين الاقتصادية. وعلى سبيل المثال، جرت أصلاً تجربة برامج الائتمان الجزئي لإقراض النساء، وتم تكريس تطوير تعاونيات للنساء بنجاح في مناطق أخرى من العالم، ومن الممكن أن تكون مثل هذه البرامج مفيدة على نحو مشابه في منطقة مينا (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا).
ثالثاً، سيكون من الحاسم أيضاً التفكير على المستوى المحلي، بدعم المنظمات غير الحكومية المحلية ومجموعات المجتمع المدني التي تعمل على التمكين الشعبي على مستوى المجتمعات. وفي الحقيقة، فإن نمو مجتمع مدني رصين وقوي سيرتبط بشكل إيجابي بتمكين النساء.
وأخيراً ثمة حاجة لوجود التزام استراتيجي طويل الأمد يتعلق مراجعة وتحسين وضع وحريات النساء في المنطقة. ويجب أن يفهم دعم حقوق النساء على أنه شأن بالغ الحسم في تحقيق أمن واستقرار وازدهار وديمقراطية شعوب وسكان المنطقة.

*زميلة باحثة في معهد الدراسات الأمنية القومية.
*نشر هذا المقال بعنوان:
 Fostering Democracy in the New Middle East: Bet on the Region’s Women and Girls

التعليق