هل تستطيع أميركا وقف موجة الاحتجاجات الإسلامية ضد سفاراتها؟

تم نشره في الخميس 20 أيلول / سبتمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • محتويات القنصلية الأميركية في بنغازي الليبية بعد أن دمرها المحتجون على الفيلم المسيء للإسلام - (أرشيفية)

توني كارون - (مجلة تايم) 14/9/2012
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
هل هناك شيء تستطيع الولايات المتحدة فعله لوقف موجة المظاهرات العنيفة غالباً في عموم العالم الإسلامي هذا الأسبوع، والتي تستهدف سفاراتها وسفارات حلفائها؟ الجواب المختصر هو: لا. ويترتب عليها الخروج سالمة من الغضب الذي خزنه الانتهازيون في العواصم الإسلامية بهدف الاستفادة السياسية من الغضبة الشعبية الأصيلة من فيلم يهين الرسول محمد عليه الصلاة والسلام -والأمل بأن لا يقتل المزيد من الدبلوماسيين أو المحتجين، مما يزيد أكثر من تصعيد حدة المواجهة.
وكان يوم الجمعة الماضي قد شهد احتجاجات في بلدان امتدت رقعتها من سيريلانكا إلى نيجيريا والمالديف، بالإضافة إلى وقوع مواجهات دامية في تونس، حيث قتل ثلاثة أشخاص بعد اختراق مجمع السفارة هناك، وفي العاصمة السودانية الخرطوم حيث قتل شخص بعد اختراق مماثل. لكنه بدا، في الأثناء، أن يوم الجمعة كان دائماً يوما سيئاً جداً باعتباره يوم صلاة الجمعة الذي يشكل في العادة ذروة أي دورة احتجاج إسلامي جامع، جالباً الأمة الإسلامية الكونية سوية إلى المساجد، ومؤكداً روابط المسلمين بالإيمان والتذلل إلى رب إبراهيم. وتعيد صلاة الجمعة، وعلى نحو رمزي، تواصل الإيمان الذي يمكن استخدامه لتذكيرهم بفكرة أن أي هجوم على المسلمين في أي مكان أو على رموز الدين، يجب أن ينظر إليه على أنه هجوم على المسلمين في كل مكان. ولذلك، شكلت أيام الجمعة في الأعوام الأخيرة نقطة عالية في الاحتجاجات، سواء على غزو العراق وإساءة معاملة السجناء في سجن أبوغريب، وقصف إسرائيل لغزة، أو تدنيس القرآن الكريم من جانب الجنود الأميركيين في أفغانستان، أو على القس الغامض الذي أراد حرق القرآن في فلوريدا. وفي تلك الجولات من الاحتجاجات، يكون من السلامة وبنزاهة الرهان على أن الغضبة بسبب فيلم "براءة المسلمين" ستنحسر في نهاية المطاف -على الرغم من أن من شأن مقتل المحتجين خلق آلام جديدة من شأنها أن تديم الموضوع.
لكن السكرتير الصحفي في البيت الأبيض، جاي كارني، ربما كان قد غالى عندما أصر يوم الجمعة على أن المحتجين احتجوا "ليس رداً على سياسة الولايات المتحدة، ولا رداً على الإدارة، ولا رداً على الشعب الأميركي، (وإنما) رداً على شريط الفيديو الفيلم الذي قضينا بأنه يستحق الشجب، وبأنه مثير للاشمئزاز. وذلك لا يبرر بأي طريقة صدور ردود أفعال عنيفة عليه. لكن هذه لا تمثل بأي طريقة حالة احتجاجات موجهة نحو الأمر القضائي في الولايات المتحدة أو نحو سياسات الولايات المتحدة".
ليس الأمر بتلك السهولة أبداً
السبب الذي يجعل قطعة "دليل" عن العداء الأميركي للإسلام -تدنيس القرآن، مثلاً، أو توزيع شريط فيديو يصور رسما كاريكاتورياً للرسول محمد عليه الصلاة والسلام - يشعل فتيل غضبة ضد المؤسسات الأميركية في العديد جداً من البلدان الإسلامية ومواطنيها، هو الطريقة التي نظر من خلالها هؤلاء المسلمون إلى السياسة الأميركية وخبروها طوال الوقت. وتعد الإهانة المباشرة للإسلام مثل التي احتواها الفيلم المنطوي على جرح المشاعر، بمثابة أداة قوية في أيدي أولئك الذين يرغبون في الاحتجاج ضد الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط- كما وضد أولئك في العالم العربي الذين يعملون مع الولايات المتحدة- لأنهم يعملون كنوع من فيلم روائي "غوتشه" يربط سوية كل آلام العالم العربي العديدة بالإهانات الأميركية الشنيعة مثل فيلم "براءة المسلمين" الذي لن يفسر بسهولة كبيرة غضبة على القوة الأميركية، لولا أنها كانت الغضبة اللاسعة الطويلة الأمد من واشنطن بسبب غزواتها للبلدان الإسلامية ولدعمها للحكومات الإسرائيلية وللمستبدين العرب ولضرباتها بواسطة الطائرات من دون طيار وغير ذلك الكثير.
إن الغضب المعمّق من السياسة الأميركية الخارجية هو الشرط المستمر الموجود مسبقاً، والذي فشلت رعاية أوباما الجيوسياسية في تغييره. فالغضبة من الفيلم الجارح للمشاعر هو الفيروس الانتهازي، الذي لو ضُم إلى شرط مسبق الوجود، فإنه سيخلق أزمة. وتستخدم حالات أميركية من إهانة الإسلام لإثبات أن سياسات وممارسات الولايات المتحدة هي ليست ببساطة خيارات سياسة خارجية منفصلة مدفوعة بالمصلحة الذاتية وأجندات أخرى، وإنما تعبيرات عن عداء أعمق للإسلام نفسه -وهو دليل يعمل عمل العامل المساعد الكيميائي الذي يستطيع البلوغ بغضب مترسب إلى درجة الغليان.
أجل، كثيراً ما يستغل الغضب من جانب انتهازيين متشائمين مدفوعين بأجندات سياسية ضيقة، لكن الغضبة نفسها حقيقية، وبالكاد تكون مقصورة على فيلم. ومن دون الغضبة الموجودة مسبقاً في الحقيقة، سيكون الفيلم مثل الصاعق من دون ديناميت. ولا يخلق التفجير سوى المزج بين الاثنين.
وعليه، وبذلك المفهوم، لا يخطئ منتقدو الرئيس أوباما عندما يشيرون إلى أن صعود وتيرة الاحتجاجات هذا الأسبوع يمثل، في جزء منه على الأقل، رداً على تعامل الإدارة مع الشرق الأوسط، أو حتى ما قاله المرشح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس بول ريان يوم الجمعة عن أنها "امارات مختلطة" من البيت الأبيض. لكن المكان الذي كان فيه ريان وأولئك الذين يرددون ما يقوله مخطئون –ومخطئون بقدر فظيع ومشهود- هو الإشارة إلى أن الاحتجاجات هي رد على تراجع عن "الوضوح الأخلاقي وصرامة الهدف" من جانب شعارات حقبة بوش. بل على العكس، لقد كان العالم الإسلامي معبأً ضد الولايات المتحدة تماماً على أساس مستمر لمعظم فترة رئاسة بوش، وتحديداً بسبب حربيه في أفغانستان والعراق، وبسبب دعم أميركا غير المشروط لإسرائيل التي كانت تقصف الفلسطينيين، بسبب النفاق الواضح في سياسة تدعي الديمقراطية والتحرر بينما تدلل المستبدين الأصدقاء. وإذا كان العالم العربي مغضباً من "الرسائل المختلطة" القادمة من إدارة أوباما، فذلك يعود إلى أن الرئيس أوباما كان قد وعد في خطابه في القاهرة في العام 2009 بالخروج عن سياسات حقبة بوش، لكنه فشل في العديد من الجبهات في تنفيذ وعوده. وليست التغيرات من صنع أوباما منذ حقبة بوش هي التي تسوق الغضبة العربية، بل إنها استمرارية إدارته في انتهاج سياسات حقبة بوش في الشرق الأوسط. ويطالب ريان بأن يظهر أوباما "القيادة الأميركية" من خلال السير بشكل أكثر اقتراباً في التشابك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ومن شأن ذلك أن يهدئ من روع الحشود المتجمعة أمام السفارات الأميركية في العالم العربي.
يوافق واضعو السياسة الخارجية، بدءاً من الصقري المتشدد روبرت كاغان، المستشار الرئيسي في إدارة جورج بوش خلال حرب العراق، إلى الخبراء الليبراليين في السياسات العربية مثل ناثان براون في مؤسسة كارنيجي، على دعم رد مدروس يعترف بالأزمات السياسية والاجتماعية قيد التشكل في العالم العربي، بينما يتم السعي للانخراط مع الحكومات الإسلامية الناجمة بغية دفعها في اتجاه أكثر براغماتية.
وفي الأثناء، يبدو أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر تحاول الإشارة، ولو أن ذلك من دون ترتيب، إلى كونها تسعى للانخراط وتكوين علاقات جديدة مع القوى الغربية. لكنها لا تستطيع تجاهل سيل الغضب الذي تفجر بسبب بث كليبات استفزازية على شبكات التلفزة السلفية من شريط فيديو. ولهذا، طلبت من أتباعها الاحتجاج على الفيلم في مساجدهم المحلية. وبعبارات أخرى، ليس أمام السفارات الأميركية. ويخبرني شيء ما بأن هذه الجهود الالتفافية لتهدئة الوضع من خلال تشجيع الاحتجاجات مع الحد منها في الآن نفسها -بأنها ثنائية الغاية كما قد تبدو في عيون جمهور الإعلام الأميركي- وقد تنطوي على أفضل أمل لتغيير الديناميكية. وتقف التطورات في الأسبوع الماضي في ليبيا ومصر وتونس واليمن لتذكر بأن المنطقة وعلاقة واشنطن معها قد دخلت منطقة غير مخطط لها في العامين الماضيين.
لا الأفكار المبتذلة عن "الوضوح الأخلاقي" ولا تفادي التناقضات الدائمة والغموض في السياسة الأميركية يمكن أن تقدم الكثير من الإرشاد. وبينما يتغير العالم العربي، فإنه يسأل أسئلة جديدة عن نفسه، وأيضاً عن القوى العظمى الرئيسية في وسطه. وتلك المحادثة (المناجاة) التي ستكون كل شيء سوى أن تكون مريحة، هي مجرد البداية وحسب.


*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 Can the US Stop the Wave of Muslim Protests Targeting Its ? Embassies

التعليق