بحثا عن جرعة ماء.. الأطفال ما يزالون يموتون

تم نشره في الخميس 30 آب / أغسطس 2012. 02:00 صباحاً
  • طفلتان عراقيتان أمام كتابة جدارية تقول: "الجيش الأميركي سيدفع الثمن" - (أرشيفية)

رمزي بارود* - (كاونتربنتش) 26/8/2011

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في مكان ما في منزلي، أحتفظ بألبوم صور نادراً ما أعود إليه. فأنا أخشى فيض الذكريات الموحشة التي قد تخطر على البال بسبب النظر في عديد الصور التي لا تحصى، والتي كنت قد التقطتها خلال رحلة قمت بها إلى العراق. والعديد من الصور، تعود لأطفال أصيبوا بأنواع مختلفة من السرطان نتيجة لتعرضهم لليورانيوم المنضب الذي كان قد استخدم في الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق قبل عقدين.
وأتذكر زيارة قمت بها لمستشفى مجاور لجامعة المستنصرية في بغداد. هناك، لم تكن الرائحة المنبعثة في أروقة المستشفى هي رائحة الأدوية، وإنما رائحة الموت. وفي وقت الحصار الظالم، افتقر المستشفى حتى لمعدات التخدير والأدوية الأساسية. وقد جلس الأطفال وأخذوا يحملقون في زائريهم. وتأرجح الآباء بين الأمل واليأس. لكنهم، في أوقات الصلاة، كانوا يصلون كما يجب.
وتولى طبيب شاب القيام بتشخيص سريع للوضع: "ليس هناك طفل يدخل هذا المكان ويخرج حياً على الإطلاق". ولكوني المراسل الصحفي الشاب الذي كان متواجداً آنذاك، فقد دونت بذكاء، ملاحظة عن أدائه قبل أن أوجه إليه المزيد من الأسئلة. لكنني لم استوعب حتمية الموت.
وبعد عدة أعوام لاحقاً، ما يزال عزل العراق مستمراً. وفي يوم 16 آب (أغسطس) قتل 90 شخصاً وجرح عدد آخر في هجمات شنت في عموم البلاد. وأوردت المصادر الإعلامية تغطياتها لحمام الدم (200 عراقي تقريباً قتلوا في هذا الشهر فقط)، ولكن من دون الكثير من وضع الأمور في سياقاتها. هل المقصود أن نصدق أن العنف في العراق قد تخطى أي مستوى من التعقل؟ وهل يتم نسف العراقيين، ببساطة، لأنهم مكتوب لهم أن يعيشوا في خوف وبؤس سرمديين؟
لكن الموتى، قبل قتلهم، كانوا أناساً لهم أسماء ووجوه. كانوا أفراداً مدهشين في حقيقتهم الخاصة، ويستحقون الحياة، والحقوق والعزة والكرامة. والعديد من هؤلاء، هم من الأطفال الذين لم يعرفوا شيئاً عن الصراعات السياسية العراقية التي سببتها الحروب الأميركية والاحتلال، وكرسها أولئك الذين يتغذون على موائد الطائفية.
ونحن غالباً ما ننسى هذا. أما أولئك الذين يسقطون في شرك التطرف السياسي، فما يزالون يميلون للسير في مواكب العنف وقبوله بطريقة أو بأخرى. إننا نتعايش مع المأساة، ومع الاعتقاد بأن القنابل التي تتفجر إنما تتفجر بطريقة عشوائية، وبأنه لا يمكن مساعدة الضحايا الناجين. إننا نتقبل بعض الشيء الفكرة التي تقول إنه لا يمكن إعادة اللاجئين إلى أوطانهم، وإنه لا يمكن تقديم الغذاء للجائعين.
وتتجلى هذه الحكمة الغريبة أكثر ما يكون في السودان. ففي ولاية النيل الأعلى، يموت الناس بسبب الإرهاق المضني قبل وصولهم إلى مخيمات اللاجئين في باتيل. ويسير البعض لأسابيع بين جنوب كردفان والنيل الأزرق، بحثاً عن الراحة وأي فرصة للنجاة. أما أولئك الذين يستطيعون تحمل عناء الرحلة -المجبرين عليها بسبب القتال بين الجيش السوداني ومجموعات الثوار- فإنهم ربما لا يصمدون أمام قسوة الحياة التي تنتظرهم في باتيل.
أوردت محطة أخبار "بي بي سي" يوم 17 آب (أغسطس)، مستشهدة بتحذير من منظمة أطباء بلا حدود، أن "الناس يموتون بأعداد ضخمة في مخيم اللاجئين في جنوب السودان".
وقد كبوت تقريباً وأنا أقرأ عن "الكارثة الإنسانية" في باتيل (كما وصفتها منسقة منظمة أطباء بلا حدود، هيلين باترسون)، وبينما كنت أراجع التقارير عن الحالة المتردية في بعض مخيمات اللاجئين في دارفور. ويستضيف مخيم باتيل راهناً حوالي 100.000 من أصل ما يقدر بحوالي 170.000 لاجئ كانوا قد هربوا مؤخراً من ديارهم. ووفق المنظمة الخيرية الطبية، فإن 8 % من الأطفال يعانون من سوء التغذية، كما أن معدل الوفيات يبلغ ضعف الرقم المقبول على عتبة الطوارئ.
ومن الطبيعي أن تكون دارفور جرحاً متقرحاً. فالعديد من اللاجئين المشردين داخلياً غالباً ما يجدون أنفسهم في حالة دائمة من التشرد، كما كانت الحالة في وقت سابق من هذا الشهر. ويقول مسؤولو الأمم المتحدة إن "كل الأشخاص البالغ عددهم نحو 25.000 شخص الذين كانوا في أحد مخيمات اللاجئين، كساب، هربوا مرة أخرى بعد اشتباك جماعات مسلحة مع القوات الحكومية. واستقروا في "مأوى" آخر قريب، بلدة كتم. ووفق بعثة الاتحاد الأفريقي -الأمم المتحدة في دارفور، فإن الملجأ الجديد المفترض "يفتقر إلى الماء والغذاء والصحة" (سي إن إن 9 آب، أغسطس).
ومنذئذٍ، هدأت القصة بعض الشيء. ليس لأن اللاجئين الهاربين باتوا يتمتعون بوضع أفضل، وإنما لأن هذه كانت كل العناية التي يستطيع 25000 لاجئ أن يتوقعوها من الإعلام المليء بأخبار الساسة أصحاب الوجهين وفضائح الشهرة. وقد يحتاج الأمر إلى حفل "صنع سلام" لوضع باتيل أو كساب على خريطة الإعلام ليوم آخر أو يومين، وبالتأكيد ليس أقل من عدد ضخم من القتلى لجعل اللاجئين مادة إخبارية مهمة وذات صلة مرة أخرى.
ويقال إنه من المرجح أن تتوجه شخصية لا تسعى للفت الانتباه إلى مالي خلال أي وقت قريب. وبينما تصل الأزمة الإنسانية في غرب أفريقيا إلى مستويات مخيفة، تستمر وسائل الإعلام في مخاطبة الصراع في مالي بما يتماشى مع منطوق المصالح الغربية التي تواجه التهديد من جانب الثوار والانقلابات والجهاديين. وبعيداً عن حقيقة أن وجود بعض من يتساءل عن التواطؤ الغربي في الفوضى، فإن ثمة 435.000 لاجئ يفيضون على البلدان المجاورة. وكان هذا أحدث تقييم صدر عن مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية يوم 16 آب (أغسطس)، لكن معظم وسائل الإعلام تتجاهل الحقيقة.
ويقول برنامج الغذاء العالمي إن أزمة الغذاء كارثية -ليس بالنسبة للاجئين المهتاجين وحسب، وإنما أيضاً بالنسبة للملايين في داخل البلد. ومن الطبيعي أن يفوق الأطفال من مالي كل الضحايا الآخرين. وهم يهيمون بلا حول ولا قوة في الصحارى المترامية الأطراف. وعندما يموتون، يتركون علامة وكأنهم مجرد إحصاء آخر، يجري تقديره من دون الكثير من التأكد، وبما يثير الحزن -من دون قيمة.
ومع ذلك، ربما يكمن الدرس الأخلاقي للقصة هنا. فكل طفل مالي أو سوداني أو عراقي أو سوري أو فلسطيني أو يمني أو روهينجي (من ميانمار)، هو مهم لأولئك الذين من حوله. وحياته أو حياتها -أو موتهما- ربما يخدم لترويج أطروحة سياسية بشكل مناسب، أو لعمل ريبورتاج جيد لموسوعة "ناشيونال جيوغرافيك"، أو لصورة في موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" مع العديد من "shares" و"likes". أما بالنسبة للآباء والعائلات والأصدقاء والجيران، فإن أولادهم هم مركز عالمهم مهما كانوا فقراء أو بدوا محطمين. وهكذا، عندما تشتكي منظمة اليونيسيف أو الأونروا من نقص في الأموال، فإنها تعني في الحقيقة أن آلافاً من الناس الأبرياء سيعانون بلا طائل، وأن مراكز العديد من العوالم ستتفجر بطريقة دراماتيكية، مستبدلة الأمل بيأس لا قاع له. ومقترنا غالباً بالغضب.
قد يكون من المناسب إدراج لازمة سياسية لشرح القضايا السياسية المعقدة والصراعات العنيفة. لكن الصراعات المطولة لا تجعل الحياة أقل قيمة، أو الأبناء أقل براءة. إنها مأساة عندما يظهر العراقيون وهم مصطفون في طوابير دائمة لدفن أحبتهم، أو عندما يبدو السودانيون في سعي دائم لإنقاذ حيواتهم. وهي مأساة أكبر، مع ذلك، عندما نعتاد على الدراما المتكشفة للعنف الإنساني الذي نستطيع قبوله كقدر، مثل حقيقة الأطفال الذين يقطعون الصحراء سعياً وراء جرعة ماء.

*محرر موقع "ذا بالستاين كرونيكل دوت كوم". وهو مؤلف كتاب "الانتفاضة الفلسطينية الثانية: تاريخ نضال شعب" و"أبي كان مقاتلاً من أجل الحرية: قصة غزة التي لم تُرو".
*نشرت هذا المقال تحت عنوان: In Search of a sip of water: the Children are Still Dying

abdrahamab.alhuseini@alghad.jo

التعليق