فيما اشتعلت سيناء.. هل تشتعل الجولان أيضاً؟

تم نشره في الخميس 16 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

توني كارون - (مجلة تايم) 9/8/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني


كان من شأن الغارات الليلية الجوية التي شنتها القوات العسكرية المصرية على مناطق مصرية في سيناء مؤخراً أن تكون قد قرعت جرس الإنذار لكبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، من أن القاهرة قد فقدت السيطرة على المنطقة الصحراوية التي كان البلدان قد خاضا ثلاث حروب من أجلها، ومن أنها تتصاعد راهناً إلى حملة عسكرية واسعة النطاق بهدف إعادة تأكيد سيطرتها عليها. وكانت القوات العسكرية المصرية -التي تعمل بشكل مستقل عن حكومتها المدنية المنتخبة- قد دفعت نحو العمل بعد استهداف نقطتين حدوديتين في سلسلة هجمات يومي الأحد والثلاثاء قبل الماضيين من جانب من يعتقد بأنها مجموعات جهادية تستهدف شن هجمات على إسرائيل. وفي الأثناء، تحاول التنظيمات نفسها تقويض سلطة القوات العسكرية المصرية، وكذلك الحكومة المتبرعمة للرئيس محمد مرسي -القائد لفترة طويلة من الزمن في جماعة الإخوان المسلمين- وإدارة حماس التي تدير الجيب الفلسطيني المجاور في غزة.
لكن هذه تشكل بالكاد نقطة الوميض الوحيدة في منطقة تشهد حالة اضطراب وتحول. ولعل مشهد اللاعبين من غير الدول وهم يستغلون الحالة الواهنة لسلطة الدولة بغية تأكيد أجنداتهم الخاصة، كان ليعطي رعاة أمن إسرائيل المزيد من المسوغ لإعلان النفير بسبب التطورات المتكشفة على جبهتها الشمالية أيضاً، حيث يفقد نظام الرئيس السوري بشار الأسد السيطرة على مناطق شاسعة من الأراضي، ما يخلق فضاء عاملاً لكل أطياف اللاعبين المستقلين، بمن فيهم الجهاديون من الشرائح كافة.
وكانت أحدث مواجهة في سيناء قد بدأت بغارة درامية على نقطة حدودية تابعة للجيش المصري، ما أفضى إلى مقتل 16 جندياً. ثم سرق المهاجمون حاملة أفراد مدرعة وعبروا بها الحدود إلى إسرائيل قبل أن تقتلهم غارة شنها الطيران الإسرائيلي. وتبين في وقت لاحق أنهم كانوا يضعون حول أجسادهم أحزمة ناسفة، ما يشير إلى عقدهم النية على بث الذعر ونشر الضرر في الجانب الإسرائيلي من الحدود. وبينما تراجع عن ادعاء أولي من جانب سفيرها لدى الولايات المتحدة بأن إيران كانت تقف وراء الهجوم، وجه الجيش الإسرائيلي أصابع اللوم إلى تنظيم القاعدة. وفي الأثناء، بدا أن القيادة العسكرية المصرية قد توصلت إلى الاستنتاج نفسه، لكنها قالت إن المهاجمين كانوا متمركزين في سيناء وفي أراضي غزة الفلسطينية، حيث تقوم الفئات المتشددة التي تستلهم فكر تنظيم القاعدة، من بين أخريات، بتحدي سلطة حماس. وتجدر الإشارة إلى أن حماس وحلفاءها في حركة الإخوان المسلمين المصرية دانت الهجوم بغضب. ولكن في رمية خلفية للأسلوب المتشكك المتبع في حقبة مبارك، حملوا المسؤولية للإسرائيليين أنفسهم مدعين بأن ثمة مؤامرة سوداء لبث بذور الفرقة بين القاهرة وغزة.
ويعكس التناقض بين تلك البيانات بوضوح الأجندات السياسية المتنافسة. لكن من المؤكد أن الهدف من الهجمات كان المزيد من توتير العلاقات الهشة أصلاً بين إسرائيل والقيادة العسكرية المصرية، وإعاقة النظام السياسي المحلي الوليد لما بعد مبارك في مصر، والتسبب في وقوع مواجهة مع إسرائيل، وتحدي سلطة حماس في غزة حيث توجد تحركات حديثة لتخفيف الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة منذ ستة أعوام. وبعد غارة يوم الأحد، بدأ العسكريون المصريون في إغلاق أنفاق التهريب التي تعد خط الحياة بالنسبة لاقتصاد غزة.
لطالما داوم بدو سيناء على الشكوى طوال عقود من الإهمال الذي تعاملهم به السلطات المصرية، والذي جعل المنطقة منطقة بائسة اقتصادياً، حيث انتعش التهريب وانتعشت الجريمة -بالإضافة إلى توفر بيئة أكثر حرية للمجموعات الجهادية الصغيرة. لكن انتفاضة شباط (فبراير) التي خلعت مبارك، شهدت أيضاً إضعافاً درامياً لسلطة الدولة في سيناء، في وقت تولت فيه حركات تمرد منخفضة الوتيرة من جانب متشددين محليين استهداف خطوط أنابيب الغاز وغيرها من المرافق، بالإضافة إلى هجمات شنت عبر الحدود بين الفينة والأخرى على إسرائيل.
ورغم أن الهجمات الأخيرة أثارت غضباً واسع النطاق في مصر، ودعماً منقطع النظير للجيش، تبقى علينا رؤية ما إذا كان استعراض القوة العسكرية، بما في ذلك الضربات الجوية على القرى التي قيل إنها قواعد للمتمردين، ستمحو أو تفاقم المشكلة. كما أن تشديد الحصار على غزة لن يقوي قدرة حماس على تفعيل أوامرها الأمنية ضد التنظيمات المنافسة وضبط تصرفاتها.
ورغم عدم الاتفاق السياسي في القاهرة، والوضع الأمني البائس في سيناء، فإن إسرائيل تعي الإجماع الضمني بين العسكريين المصريين والحكومة المنتخبة على الحاجة إلى المحافظة على السلام مع إسرائيل، لا بل وتفعيله. ومهما قد تكون الجهود فعالة أو غير ذلك، فإن الإسرائيليين يشعرون بالثقة في أن القاهرة ملتزمة باستعادة سلطتها في سيناء. لكن التحدي الأمني الذي ستواجهه إسرائيل قريباً في جبهتها الشمالية يظل أكثر التباساً وصعوبة بكثير.
في سورية، انهارت سلطة الدولة على قطاعات شاسعة من الأراضي، وخصوصاً على طول الحدود، فيما يركز النظام قواته على مقاتلة الثوار في المدن الرئيسة. وفي الأثناء، تظهر الظروف في المنطقة الكردية في شمال شرقي سورية كيف أن اللاعبين من غير الدول، والذين ينطوون على أجندات مستقلة، يستطيعون أن يكونوا قادرين وبشكل فعال على استغلال الوضع. وقد عملت المجموعات الكردية، التي تعمل بشكل مستقل كلية عن النظام وعن الثوار على حد سواء -لكنها تلقى المساعدة من جانب بني جلدتها في المناطق التي تتمتع بحكم ذاتي في العراق- على خلق ميليشيات تتولى السيطرة المباشرة على منطقتها الخاصة، ممهدة لقيام منطقة حكم ذاتي كردية مستقبلية في سورية، مما يقض مضاجع تركيا. وبالطبع، ليس لإسرائيل ما تخشاه من تقرير مصير الأكراد في سورية، لكن التطورات في سورية الكردية تؤشر على التصدع الأساسي في هندسة سلطة الدولة التي تحافظ على سلام عدائي، لكنه مستقر، مع إسرائيل منذ أربعة عقود. ولا يعد الأكراد اللاعب الوحيد من غير الدول، الذي ينطوي على أجندة مستقلة عن المعارضة السورية في الاتجاه السائد، على ضوء التقارير المتنامية عن ظهور مجموعات جهادية تابعة لمختلف التنظيمات المرتبطة بالقاعدة في ميدان المعارك.
إلى ذلك، أصبحت حدود سورية مع تركيا ولبنان والعراق أكثر نفاذاً بازدياد -وصار المتمردون والجهاديون السنة الذين شجعهم نظام الأسد في السابق على عبور الحدود إلى العراق من سورية، يعبرون الحدود راهناً في الاتجاه المعاكس، كما يفعل الجهاديون من لبنان، فيما يعبر مقاتلو الجيش الحر من تركيا إلى سورية. وربما يكون مقاتلو حزب العمال الكردستاني يعبرون الحدود في الاتجاه الآخر أيضاً. ولدى إسرائيل مسوغ جيد لتشعر بالقلق والتوتر مما يتوقع حدوثه في مرتفعات الجولان التي تحتلها منذ حزيران (يونيو) من العام 1967. وكان مسؤول الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، الميجر جنرال أفيف كوتشافي، قد أبلغ الكنيست في الشهر الماضي أن مجموعات "جهادية كونية" (الرمز الإسرائيلي للقاعدة) قد شرعت في العمل في الجانب السوري من الجولان، والذي سحب منه الأسد آلاف القوات ليتولى نشرها لمقارعة الثورة ضده. وقال كوتشافي للجنة برلمانية في الكنيست، وفق وكالة الأسوشيتدبرس: "إن منطقة الجولان مرشحة لكي تصبح ميدان عمليات ضد إسرائيل بالقدر نفسه الذي نشهده في سيناء اليوم، وذلك نتيجة للتخندق المتزايد للجهاد الكوني في سورية".
وعلى النقيض من سيناء، التي كانت قد أعيدت إلى مصر في العام 1980 بموجب معاهدة السلام المنبثقة عن اتفاقيات كامب ديفيد، فإن مرتفعات الجولان ما تزال تحت الاحتلال، كما أن حكومة أكثر تمثيلاً تحل محل حكومة الأسد ستكون، إذا جد شيء، أكثر إصراراً على تأمين عودة المرتفعات إلى السيطرة السورية. وكان المجلس الوطني السوري؛ مجموعة المعارضة الرئيسية في المنفى والذي يلقى الدعم من جانب الغرب، قد أوضح التزامه بأنه سيسعى إلى استعادة الجولان عبر المفاوضات مع إسرائيل. لكن الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو ألمحت مراراً وتكراراً إلى أنها لا تنطوي على أي نوايا لإعادة الجولان إلى سورية. ومن المرجح أن يفضي مزيج ضعف السلطة السورية نتيجة للثورة، سوية مع الشرعية العريضة التي ينطوي عليها المجتمع السوري، إلى بذل جهد للمطالبة باستعادة هذه الأراضي المتنازع عليها، ما سيتسبب بالتالي في خلق بيئة أكثر حرية للعناصر الأكثر راديكالية لزرع جذور لها متى ما انتهت المعارك الرامية إلى خلع نظام الأسد.
وفي الحقيقة، وفيما تنكمش سلطة الأسد، قد تجد القيادة الإسرائيلية نفسها وهي تخوض تجربة الحنين إلى العدو العنيد في دمشق -والذي كان قابلاً للتنبؤ به، لكنه كان أليفاً في الواقع.


*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: As the Sinai Goes ,so Too the Golan Heights?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ان الاوان (رائد حرب)

    الخميس 16 آب / أغسطس 2012.
    ان الاوان لاسرائيل ان تعي ان كل مما طلاتها ومراوغاتها في حل الدولتين سيكون وابلا على راسها وراس حكامها الذي قتلهم جنون العظمه وان هذه نتيجه حتميه اوحسبت اسرائيل انها اخذت البلاد وانها ستهنا بلعيش بها لان حدودها محميه بحجة الامن القومي لك دوله من دول الجوار . وقعتهم سودا لان امر يكا والسعوديه رجعو يعتبروهم مجاهدين ما دامو بقاتلو ضد بشار الا اذا هجومهم على اسرائيل بخليهم مجاهدين في النهار وارهابيين في الليل ولتبدا حرب استنزاف جديده لا تنتهي هذه المره الا بتحرير المقدسات التي ملت من تجهاهلنا لها