يجب إحالة مرتكبي العنف في سورية إلى العدالة الدولية

تم نشره في السبت 11 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً
  • طفلة من ضحايا العنف في مدينة حمص السورية - (أرشيفية)

لوت ليخت وكلايف بالدوين* - (لوموند)
ترجمة: مدني قصري
يفتخر الاتحاد الأوروبي في كثير من الأحيان بكونه أكثر المؤيدين المتحمّسين للمحكمة الجنائية الدولية التي تكافح فكرة الإفلات من العقاب بعزيمة لا تلين، ومن أجل انتصار العدالة الدولية. غير أن ما نلمسه من غياب أي مؤشر على انخفاض مستوى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في سورية، يكشف لنا أن الالتزام الأوروبي لصالح العدل قد أضحى فاترا، وغير منتظم على أقل تقدير.
وتسعى فرنسا ودول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى أن يرفع مجلس الأمن الدولي دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بالوضع في سورية، وهو السبيل الوحيد الممكن لإعطاء المحكمة الاختصاص الذي يؤهلها للحكم  في الجرائم التي ارتكبت في سورية. لكن دول الاتحاد الأوروبي لا تبذل سوى جهود قليلة لتحقيق ذلك.
أما وراء الكواليس، فقد عاد الدبلوماسيون والوزراء الأوروبيون إلى حجج التسعينيات. فهم يؤكدون أن السعي إلى فرْض عدالة دولية سوف يسد الطريق على أيّ مسعى لتحقيق اتفاق سلام، وأن إشراك المحكمة الجنائية الدولية سوف يسد جميع منافذ الإنقاذ أمام الرئيس السوري بشار الأسد وغيره من كبار المسؤولين السوريين، وأن تنفيذ عملية العدالة الجنائية سوف يعقّد أي محاولة انتقالية. وقد أثبت التاريخ أن هذه الحجج غير صحيحة.
ومع افتراض أنه لا بد من الاختيار بين السعي إلى تحقيق العدالة وبين السعي إلى السلام في سورية، ما يزال السياسيون والدبلوماسيون الأوروبيون يرددون الحجج القديمة التي تفيد بأن اتهام راتكو ملاديتش ورادوفان كاراديتش، كان قد عرض للخطر مفاوضات السلام في دايتون بشأن البوسنة، وأن توجيه الاتهام إلى سلوبودان ميلوسيفيتش خلال حرب كوسوفو كان سيجعل أي تسوية أمرا مستحيلا..
وقد أثبتت كل هذه الحجج زيفها –فقد أمكن تحقيق السلام، وكذلك العدالة. وبدلا من اعتبارهم مشاركين أساسيين في عملية السلام في البوسنة، أصبح كارادزيتش وملاديتش منبوذين وهاربين. وفي كوسوفو تم التوصل إلى اتفاق بشأن انسحاب القوات الصربية من المنطقة بعد مرور أيام قليلة على إصدار مذكرة توقيف ضد ميلوسيفيتش.
ما أكثر الذين يعتقدون بأن رحيل الأسد من سورية يمثل عنصرا أساسيا في أي مخرج من الأزمة. لكن إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية لا ينكر مثل هذا "الخروج الآمن" على الأسد أو على غيره من كبار المسؤولين السوريين. فإذا كانت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية ملزمة بتنفيذ أي أمر بالقبض على أحد، صادر عن المحكمة، فإن الكثير من هذه الدول الأعضاء لديها أيضا قوانين ذات صلاحية دولية تمكنها من مقاضاة أي شخص متورط في جرائم خطيرة يدخل إلى أراضيها. 
وبالتالي، فإن الأسد وغيره من المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت في سورية -اللهم إلا إذا رغبوا عن طواعية في المثول أمام القضاء- لن يفكروا في الذهاب إلى أي دولة من الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية كملاذ جيد ضد ملاحقتهم قضائيا، سواء رُفِعت الدعوى إلى المحكمة أم لم ترفع. وعلاوة على ذلك، فإن تكاثر عروض "الخروج الآمن" المقدمة إلى الأسد، في الوقت الذي تواصل فيه قواته المسلحة والميليشيات التي تدعمه هجماتها القاتلة، لن يحول قط دون وقوع جرائم جديدة.
وفي النهاية، لا ينبغي تأخير تحقيق العدل وسيادة القانون في سورية خلال أي فترة انتقالية ما بين الصراع والسلام. فالجرائم التي توصف بأنها الأخطر هي التي غالبا ما ترتكب في ذات الوقت الذي ينهار فيه حكم القانون، خلال مراحل الانتقال العنيفة.
بعد عقود من الدكتاتورية، ليست سورية مؤهلة كثيرا لأن تكون قادرة على أن تقيم بسرعة نظاما قضائيا وطنيا لديه القدرة أو الاستعداد لمواجهة مثل هذه الجرائم. وفي ظل هذه الظروف، قد تلعب المحكمة الجنائية الدولية دورا مهما، بوصفها الهيئة القضائية المستقلة الوحيدة القادرة على التحقيق في هذه الجرائم ومرتكبيها، وتوجيه الاتهام إلى مرتكبيها الرئيسيين، بغض النظر عن انتمائهم السياسي.
ذلك رهان حاسم بالنسبة لضحايا الفظائع التي ارتكبت في سورية، وللجهود المبذولة في جميع أنحاء العالم للحد من الإفلات من العقاب على الجرائم الخطيرة. ولا يمكن للالتزامات الخطابية والتصريحات المليئة بالنبل أن تكون بديلا عن عمل دولي ملموس. وفي الوقت الذي تتحدث جماعات المعارضة السورية عن أكثر من 17.700 قتيل ومئات الآلاف الآخرين من النازحين والفارين إلى خارج الحدود، وعما يزيد على هذه الأعداد ممن يعانون من العواقب المأساوية للصراع المسلح، يتعين على الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن تتفق فيما بينها، وأن تعمل علنًا لصالح إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وهناك ما لا يقل عن 10 أعضاء في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك فرنسا، يقولون إنهم يؤيدون إحالة الموضوع إلى المحكمة الجنائية الدولية، غير أنه من دون تحقيق موقف بالإجماع من طرف الاتحاد الأوروبي، فإنه لن يكون قادرا على ضم بلدان أخرى لقضيته. ومن دون تحالف عالمي واسع النطاق يطالب مجلس الأمن بالتحرك، لن تشعر روسيا والصين بأي ضغط من شأنه أن يدفعهما إلى النظر في الاستجابة لهذا النداء.
إن الحجة القائلة بأن المحكمة الجنائية الدولية بصفتها مؤسسة قضائية مستقلة ونزيهة ستقوم بفحص الأعمال التي ترتكبها جميع الأطراف المتورطة في الصراع السوري، هي أمر قد يساعد في التغلب على اعتراضات روسيا والصين اللتين تؤكدان أن أي عمل من قبل مجلس الأمن في سورية سيكون عملا أحاديا أو منحازا.
لقد حان الوقت لكي تتصدر فرنسا والاتحاد الأوروبي جهودا جماعية من أجل تحقيق العدالة، ومحاسبة كل الذين يتحملون مسؤولية التورط في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سورية.

*لوت ليخت، مدير المرافعات لدى الاتحاد الأوروبي، وكلايف بالدوين مستشار للشؤون القانونية. لوتي ليخت وكلايف بالدوين مناضلان في هيومن رايتس ووتش.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: La violence en Syrie ne doit plus échapper à la justice internationale

التعليق