المطلوب: تحليل معدل إنفاق الأسرة الأردنية لقياس التغير في رفاهية المعيشة

تم نشره في السبت 28 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً

مثقال عيسى مقطش

عمان - أظهرت البيانات الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة أن معدل إنفاق الأسرة الأردنية العام 2011 بلغ 9600 دينار! وأن معدل الإنفاق الشهري هو 59 دينارا للفرد على الغذاء. وفي موقع آخر، كشف تقرير متخصص عن ارتفاع معدل دخل الفرد السنوي في الأردن في العام ذاته بنحو 216 دولارا، أي ما يساوي 150 دينارا.
وطبقا لهذه البيانات، تبقى المعلومة غير مكتملة. وكان بالإمكان إجراء مقارنة تحليلية بين هذه الأرقام من جهة، وبين مستوى تكاليف الحياة ورفاهية المعيشة من جهة أخرى.
وفي الواقع، فإن مستوى تكاليف الحياة في ارتفاع مستمر. وقد أكدت التقارير أن حوالي 40 % من دخل الفرد الأردني هو إنفاق على الغذاء. وبحسبة بسيطة، فإننا نجد أن النسبة المتبقية، ومقدارها 60 %، لم ولن تكون كافية لتغطية تكاليف الحياة الأخرى، ومن ضمنها السكن المرتفع الثمن، والمدارس والجامعات، والمواصلات، والخدمات الصحية، والملبس، وغيرها!
وفي الدول التي حققت رفاهية عالية لمواطنيها، أكدت الدراسات التحليلية لميزانية العائلات فيها، أن تكلفة الغذاء تصل إلى 15-20 % من الدخل الشهري، ما يعني أن المتبقي هو 80 % فأكثر. وهذه نسبة بالتأكيد عالية، وتؤثر إيجابيا في الارتقاء بمستوى رفاهية الحياة.
والمستغرب هو: لماذا لا تستخدم الإدارات ودوائر البحوث المختصة هذه البيانات الإحصائية في إجراء تحليلات يتم من خلالها التوصل إلى نقاط الخلل في حياة ورفاهية الفرد الأردني؟ وهل تكمن معوقات الرفاه المعيشي في سوء التخطيط أم في ضعف دور القطاع الخاص والأسواق المحلية في التأقلم مع متطلبات الارتقاء، أم أن التباطؤ سببه عدم تحديث القوانين الاقتصادية بما يتوافق مع متطلبات التطوير؟
الأسئلة المحيرة متعددة. ولكن هناك مرئيات يتوجب التوقف عندها بكل صراحة ووضوح، مواكبة لنشر هذه التحليلات الرقمية بصفة رسمية بدون ربطها بمتغيرات المستويات المعيشية ومقياس رفاهية الحياة، ومن ضمنها:
أولا: ألم يحن الوقت لأن تأخذ الحكومة دورها في التدخل وفرض الأمور بواقعيتها؟ وإذا كانت الأنظمة والتعليمات لا تعطي الحكومة الحق في التدخل في قوى العرض والطلب، والقرارات التي يتخذها أصحاب المال بشأن أسعار الخدمات التي يقدمونها، فإن هناك مصلحة الوطن القومية، ومن ضمنها الأمن الاقتصادي على المستويين المجتمعي والفردي، وهما الأساس في استقرار ورفاهية المواطن المتمثلة في القدرة الاستهلاكية ضمن شرائح الدخل النقدي التي يتوجب أن تكون كافية لتغطية الحد الأدنى لمستلزمات الحياة.
ثانيا: إن الأسواق لا توجد من فراغ، وهي تعمل ضمن سياق اجتماعي وسياسي وقانوني. والمبررات التي نطالعها هنا وهناك حول ارتفاع أسعار بعض المواد الاستهلاكية غير مقنعة، ولا تعكس جوانب علمية أو منطقية في الاقتصاد التحليلي لقوى السوق. وعمليا، هناك خلاصة واحدة يمكن إطلاق العنان لها، وهي: فوضى سوقية! وإذا كانت هذه الخلاصة مرفوضة، فما هي المبررات؟!
المطلوب هو أن تعمل الأسواق المحلية جميعها أو في غالبيتها، وبشكل جاد، بما يكفل الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، نحو تهيئة وتأهيل ذاتها داخليا، من خلال محورية تشكيل الشركة الأنموذج للتكيف مع متطلبات الأعوام الأولى في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وبما يؤهل هذه الأسواق للصمود بقوة أمام رياح التغيير، وتفهم الأبعاد العملية، واستقراء التطلعات المستقبلية لأوضاعها بواقعية مدروسة، حتى يمكنها الوقوف بثبات مرن ومتكيف مع الظروف المستجدة التي أوجدتها السياسات الاقتصادية القائمة على الأسواق المفتوحة وحرية المنافسة.
وكذلك، أن تقوم الجهات المختصة، في القطاعين العام والخاص، بوضع معايير وخطوات موحدة من شأنها إيجاد شركات نموذجية قادرة على التأقلم مع متغيرات سوقية تتطلب الدخول في منافسة مع قادمين جدد إلى الأسواق بملاءة مالية أكثر ضخامة، وقدرات تسويقية أكثر حداثة، وهيكلية تنظيمية أكثر تقدما.
ثالثا: إن من حق المواطن أن يتمتع بمنتجات لها ميزة تنافسية، سواء كان المنتج محليا أم مستوردا. ولكن الواقع هو أن الأسواق مغرقة بمنتجات من التصنيف الثالث أو الرابع. وبالتأكيد، فإن الهدف هو إدخال أو إنتاج مواد وسلع بأقل التكاليف، بدون التزام بمواصفات، وبلوغ أحجام مبيعات عالية، وتحقيق أعلى نسب أرباح في مجتمع وصل حد الفقر فيه إلى مبلغ تجاوز الخمسمائة دينار للعائلة، رغم أن أكثر من 65 % من العائلات لا يتجاوز دخلها الشهري 400 دينار شهريا!
وفي سبيل الإسهام بفعالية في رفع مستوى رفاهية المواطن الأردني، فإن المطلوب أن تقوم مؤسساتنا ببلورة رسالتها وترجمتها إلى مسؤوليات مجتمعية، وأن تأخذ الممارسات الدولية نبراسا لمسيرة أسواقنا، وأن تقوم الحكومة من خلال أجهزتها المختلفة المختصة بمنع عرض البضائع التي لا تتطابق مع الحد الأدنى للمواصفات المعيارية المتعارف عليها عالميا.
المطلوب أن لا تبقى البيانات الرقمية الصادرة صماء، وأن يتم إخضاعها لدراسات وتحليلات مقارنة هادفة، للتعرف على نقاط الضعف، وكيفية تحويلها إلى فرص مؤثرة إيجابيا في خطوات الارتقاء بمستوى رفاهية الإنسان الأردني.

التعليق