كتاب لمي شبر يستعرض مختلف نظريات التربية والتعليم عبر العصور

تم نشره في الاثنين 23 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً
  • غلاف الكتاب -( الغد)

مدني قصري

عمان- في كتابها "رحلتي مع التربية والتعليم"، الصادر عن دار "الصايل" تتحدث الكاتبة العراقية مَيْ شُبّر عن خبرتها التي امتدت لأعوام طويلة في حقل التربية والتعليم، حيث عملت مع الأطفال والمراهقين، وخبرت نفسياتهم واستعداداتهم ومهاراتهم.
وتستعرض في الكتاب مختلف نظريات التربية عبر العصور، مبتدئة بروسو الذي تناول في كتابه "إميل" المدرسة التقليدية بالنقد لاعتمادها على حشو ذهن الطفل بالمعلومات، ولبُعدها عن تنمية روح المناقشة والجدل، وإعطاء الطفل لذة الاكتشاف والبحث. وفي سياق الحديث عن أهداف التربية التي كان المربي الإنجليزي "هوبرت سبنسر" واحدا من الرواد الذين أدركوا أهمية التربية، تطرقت الكاتبة لنظرية الغزالي في التربية والذي كان من أكثر المربين إيمانا بقوة تأثير البيئة في الخُلق.
وتناولت الباحثة نظرية جون ديوي الذي يعدّ شيخ فلاسفة التربية الحديثة الذي آمن بأن التربية لا تتم في المدرسة وحدها بل وفي المنزل والملعب والشارع والسينما، وفي الحياة بجميع أدوارها. وبعد أن تحدثت ميْ شُبّر عن التربية في الأمثال الشعبية وما تحمله من معاني الحب والحنان والتقدير، تناولت دور التربية الديمقراطية القائمة على العلاقة التي تتكون بين المعلم والتلاميذ، ومشاركة التلاميذ في العملية التعليمية، التي تسمح بالمشاركة في تحمل المسؤولية حتى ينشأ الطفل نشأة سليمة، لأن الحياة ليست حفظا للمواد التعليمية فقط، بل هي إدراك فن التعامل والانسجام مع الآخرين، علما بأن الديمقراطية تبدأ من البيت أوّلا لما يوفره البيت من فرص التفاعل والمشاركة في الأمور العائلية.
وخصصت الباحثة فصولا كثيرة لهذا البحث الواسع الغني المرتبط بجوهر الحياة ذاتها، وتساءلت في البداية "متى تبدأ تربية الطفل؟" وفضلت الإجابة عن هذا السؤال بقصة الفيلسوف الحكيم سقراط مع إحدى الأمهات التي جاءت تسأله: "كيف أربّي ابني؟" فسألها: "كم عمره؟"، فأجابت: "سبع سنوات" فقال لها: "لقد فات الأوان"، لندرك أن التربية تبدأ منذ اليوم الأول، منذ ساعات الرضاعة الأولى، وساعات النوم، وهو ما أكده أطباء نفسانيون كثيرون، علما بأن لهذه التربية أسسا لا بد من توافرها عند الرضيع لتحقيق نموه السوي، كالدفء والحنان، والتدليل والاحتضان، وما إلى ذلك.
وبعد تلك المقدمات تناولت المؤلفة شُبّر مواضيع شتى كأهمية مهنة التعليم والاهتمام بالتعليم الأساسي الذي حظي في دول كبرى عديدة بالاهتمام والتطوير. وتحدثت عن دور الحب في تعليم الطفل ونموه "لأن حق الطفل في الحب والعطف والتفهم يأتي من خلال حاجته لهذه الأمور لكي ينمو نموا سليما. فعلاقة المودة والمحبة بين الطفل وأبويه تُسهّل سبل التعلم والنمو، وهذه الحاجة تأتي في المراتب الأولى للحاجات الإنسانية". 
وتتناول الباحثة شُبّر العلاقة بين العلم والأخلاق في سياق العلمية التربوية، موضحة في هذا الشأن أن العلوم تتقدم بسرعة أكثر من الأخلاق، وتستعرض في هذا السياق مختلف الآراء ومنها على سبيل المثال رأي سقراط الذي يعتقد أن المعرفة مصدر كل فضيلة وأن معرفة الخير هي الطريقة الموصلة إلى اصطناع الفضيلة".
وتطرقت الباحثة إلى دور المعلم في مهنة التربية فاستعرضت مختلف النظريات التي وردت في هذا الشأن، وما قيل في تنمية الذات كشرط أساسي لنجاح المربي في مهمته التربوية. 
لم تكتف الباحثة في كتابها "رحلتي مع التربية والتعليم" بالنواحي النظرية المتعلقة بالتربية، وإنما انطلقت بما تملكه من خبرة طويلة في التربية والتعليم، في عوالم الطفل النفسانية والذهنية، البسيطة منها والمعقدة، وعلاقة هذه الجوانب بشتى مناحي الحياة، وارتباطها بما يحرك الطفل من انفعالات وانشغالات.
وخصصت شبر جزءا واسعا من كتابها لتحليل نفسية الطفل فغاصت بأدوات المحلل النفساني في أعماق روح الطفل والمعلم معا، مستكشفة العوائق التي تقف حاجزا بين الطفل ورغباته، وتأثير الأمراض النفسية والسلوكية والعائلية والاجتماعية والبيئية على أداء الطفل، تربويًا وتعليميًا. لذلك فقد أحاطت الباحثة بموضوع التربية إحاطة شاملة وعميقة، مستعينة في ذلك بتجربتها الطويلة والثرية في مجال التربية والتعليم. وبذلك نكتشف أن للتربية جذورا لا تعد ولا تحصى تربطها بجميع نواحي حياة الطفل التي كثيرا ما لا نعيها، لأننا كثيرا ما نتصور أن دماغ الطفل صفحة بيضاء تكتب عليها التربية ما تشاء. وهذا خطأ فادح وتفكير ساذج لم يعد له مكان في النظريات النفسية الحديثة، أي أنّ لِما يتعلمه الطفل آفاقا وأبعادا لا تقف عند حدود الحفظ المجرد، ولذا ارتبطت التربية بجسور تصلها بجميع مناحي الحياة، وهو ما تسعى الخبيرة مَيْ شُبّر إلى تفصيله في كتابها القيَم "رحلتي مع التربية والتعليم".         

التعليق