اللحظة الفارقة في مصير اليورو

تم نشره في الخميس 19 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

إبراهيم شكري دبدوب*
الكويت - من أجل تسوية أزمة ديونها، ينبغي على أوروبا الاستمرار في خفض الإنفاق الاجتماعي وإصلاح قوانين العمل والانخراط في برنامج اقتصادي تحفيزي واسع، ولكن يبقى السؤال ما هو مصير اليورو، وهل تنخفض العملة الأوروبية لتعادل قيمة الدولار؟
بعيدا عن الصخب الإعلامي الدائر حاليا في أوروبا والذي يركز بمجمله على نتائج الانتخابات اليونانية ونتائج القمة الأخيرة للقادة الأوروبيين، يبقى هناك تطور لافت يجري في الخفاء في ظل أزمة الديون التي تشهدها القارة العجوز، وهو ما أعلنت عنه شركة ايرباص الأوروبية لصناعة الطائرات- أكبر منافس لشركة بوينغ الأميركية- بإنشاء أول مصنع لها في الولايات المتحدة.
هذه الخطوة هي أكبر دليل على الأزمة التي تعصف بأوروبا، فلم تجد ايرباص أمامها لكي تحافظ على قدرتها التنافسية سوى ان تنتقل من أوروبا القديمة. وتماما كما فعلت بي ام دبليو (BMW) ومرسيدس بنز الألمانيتان، تحولت ايرباص الى عمق الجنوب الأميركي بحثا عما يفتقده الجنوب الأوروبي والمتمثل في عمالة منتجة وجادة ومنخفضة التكاليف تمكنها من التنافس عالميا الى جانب دعم عملة تنافسية عالمية أيضا.
هذا بالتحديد هو ما تحتاجه أوروبا التي تشهد معدلات بطالة غير مسبوقة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وهو أيضا ما تفتقده بشدة. والحل لهذه العجوزات هو تحقيق النمو، فيما أفضل وسيلة لتحفيز النمو يأتي عبر باب الدعم المالي. تلك هي باختصار معضلة أوروبا.
بإمكان اليورو في حال انخفاضه ليعادل الدولار ان يعيد أوروبا الى واجهة المنافسة وإنهاء أزمة ديونها وحماية عملتها. الأمر يعود بنا الى عقد من الزمن، فقد نجح الأمر سابقا ويبدو اننا اليوم نسلك الاتجاه نفسه، من الذروة التي بلغها في العام 2008 حينما كان يعادل 1.60 دولار الى ان بلغ حوالي 1.22 دولار. وبعد عامين من خفض النفقات والإجراءات غير المكتملة، يبدو ان الحل الوحيد أمام اليورو هو خفض قيمته.
لقد أصبح يقينا ان هذا الحل المتمثل في خفض قيمة اليورو سيكون أقل كلفة من تفكك العملة الأوروبية الموحدة برمتها، الأمر الذي تحدثت عنه الصحافة الأوروبية بقولها "إنه سيسرع بالنهاية المروعة" على اعتبار ان أوروبا ستغرق في ركود اقتصادي عميق والحكومات ستجد نفسها مجبرة على اقتراض المليارات وستكون أمام خيارين أحلاهما مر: فإما زيادة الضرائب بشكل كبير، أو فرض أعباء مالية تضخمية على المواطنين.
ووسط كل هذه الأجواء، يبقى البنك المركزي الأوروبي (ECB) بقيادة "ماريو دراغي" الوحيد الذي لديه القدرة على طباعة أوراق اليورو النقدية لشراء أصول ديون حكومات كإسبانيا وإيطاليا بدون حدود، ما يؤدي الى انهيار آخر للسوق، وبالتالي فانه عندما يحدث ذلك- وأتوقع حدوثه- سيكون فرصة لا تحدث الا مرة واحدة كل 10 سنوات لشراء سندات أوروبية رخيصة بالفعل.
ان فكرة طباعة أوراق نقدية من اليورو تقلق السلطات الأوروبية وعلى رأسها البنك المركزي الأوروبي الذي ترتكز سياسته القانونية الرئيسة على توفير الاستقرار للأسعار، وذلك على عكس الفيدرالي الأميركي الذي لديه مهمة مزدوجة للحفاظ على معدلات تضخم وبطالة منخفضة.
وفي المقابل، يحث القادة في الاتحاد الأوروبي على خفض الإنفاق ورفع الضرائب كشروط للمساعدة في إنقاذ اليونان والبرتغال وإيرلندا بموازاة إصلاحات للقوانين التي تحد من نمو الوظائف حتى تحت أفضل الظروف. إلا أن البعض يرى الأزمة من منظور الأزمة الاقتصادية التي حلت باليابان وحالة الركود التي مرت بها خلال العقدين الماضيين. فأوروبا تبدو كالمريض الذي يعاني من مرضى الالتهاب الرئوي والسكري في الوقت ذاته ... فاتباع نظام غذائى صحي ورياضي للتعامل مع مرض السكري يكون بدون جدوى إذا كان الالتهاب الرئوي متوغلا في جسد المريض!
ان ما تحتاجه أوروبا اليوم هو سياسة أكثر تحفيزا من قبل البنك المركزي الأوروبي تؤدي الى أسعار فائدة منخفضة على المدى الطويل للدول الأوروبية الأكثر مديونية وعلى الأخص إسبانيا وإيطاليا، بالإضافة الى خفض العملة الموحدة الى مستويات معادلة للدولار.
يأتي هذا في وقت تؤكد المستشارة الألمانية القوية "انجيلا ميريكل" ان المطلوب أولا هو إجراء تغييرات هيكلية ومالية لان الفائض المالي والائتماني كان هو السبب الحقيقي وراء هذه الأزمة. وببساطة فان طباعة المزيد من أوراق النقد لن يمنح اليونان وإسبانيا وإيطاليا سوى فرصة مؤقتة لحل مشاكلها، في حين ان ما يريده القادرة الأوروبيون هو الاستفادة من الأزمة الحالية لفرض إصلاحات حقيقية وجوهرية لن يكون فرضها سهلا في ظل ظروف عادية.
لقد حذر بنك التسويات الدولية- وهو بمثابة البنك المركزي لمحافظي البنوك المركزية حول العالم- حذر الشهر الماضي في تقريره السنوي من ان البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الكبرى الأخرى حول العالم وعلى رأسها الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الياباني وبنك إنجلترا المركزي قد استنفدت إمكاناتها لتحفيز اقتصاداتها، وان هذه البنوك تواجه آثارا جانبية مؤثرة لتضخم محتمل وانتشار فقاعات أصول خاصة في الاقتصادات الناشئة، في ظل وجود أسعار فائدة تصل الى أو تقترب من الصفر الى جانب توسع ميزانياتها أيضا.
ولكننا نعتقد ان سياسة التقشف لن تنجح، حيث سيطلب الأمر 30 عاما إضافيا من الانكماش في الدين وفي مؤشر البطالة قبل ان تستطيع اليونان اللحاق بألمانيا، ولتقليص هذه الفجوة على ألمانيا ان ترفع معدل التضخم لديها سريعا من على الهامش. ورغم التوقعات بأن ترفض ألمانيا ارتفاع التضخم، إلا أن البديل سيكون أسوأ مع انهيار منطقة اليورو.
هذه المعضلة هي ثمن وجود عملة موحدة والذي على الجميع ان يدفع ثمنه اليوم. فخفض قيمة العملة يعوض فقدان الاقتصادات ذات التضخم المرتفع والإنتاجية المتدنية لتنافسيتها، إلا أنه وفي المقابل، فان أسعار الصرف الثابتة سوف تؤدي الى خفض قيمة العملة داخليا، حيث تنخفض الأسعار والأجور والرواتب والميزانية العامة للحكومة وذلك حفاظا على قيمة العملة.
وأخيرا فان تثبيت أسعار الصرف في منطقة اليورو بأكملها من المفترض ان يؤدي الى مزيد من الانضباط، في حين ان شروط إنقاذ اليونان والبرتغال وإيرلندا لن تخرج عن فرض خطة واسعة من التقشف والتعامل مع فترة عميقة من الركود.مرة أخرى... تبقى اللحظة الفارقة في مصير اليورو... هل تنخفض العملة الأوروبية؟


*الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني.

التعليق