جنوب السودان: من قال إن الأحوال على ما يرام؟

تم نشره في الجمعة 13 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

ترجمة: مدني قصري

هيلد ف. جونسون* - (لوموند) 2012/7/9
لا شك أن خبراء الأزمات المتعددة قد تلذذوا بطعم السنة الأولى من قيام جنوب السودان كدولة مستقلة. وسوف يشيرون إلى التحديات التي لا تعد ولا تحصى في البلاد: العنف الطائفي المتفشي الذي أودى بحياة المئات من الناس، والتوقف المفاجئ لإنتاج النفط بعد تدهور العلاقات مع جارتها الشمالية؛ السودان، وسلسلة تدابير التقشف الاقتصادي القاسية التي رافقت ذلك، ومزاعم انتشار الفساد، والأعمال العدائية على طول الحدود مع السودان التي كادت تدفع البلدين إلى حافة حرب شاملة. ولم يقل أحد إن الأمور ستكون سهلة. ولكن، وبعيدا عن عناوين الصحف التي تغطي الأزمات العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية، فإن بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان قد رافقت بثبات ومنهجية جنوب السودان الذي يتعاون مع أعضائها في مواجهة تحديات الدولة الجديدة.
منذ إنشائها في يوم 8 تموز (يوليو) 2011، لم تضطلع البعثة بمهمة التدخل الحاسم من أجل إنقاذ حياة المدنيين وحسب، وإنما بذلت قصارى الجهد أيضا من أجل دعم برامج الدولة الحديثة، وتطوير مؤسسات الحكم الديمقراطية. وكانت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان مكلفة بحماية المدنيين الذين يعيشون "تحت التهديد الوشيك للعنف الجسدي". وقد حدث أكبر اختبار لها في هذا الشأن في ولاية جونقلي؛ حيث تجمّع الشبان المسلحون التابعون لجماعة "النوير" العرقية في أواخر العام الماضي لشن هجمات انتقامية ضد طائفة المورلي.
في هذا الشأن، يشير تقرير شامل لحقوق الإنسان نشرته البعثة في الشهر الماضي، إلى أن بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان قد أخطرت في وقت مبكر جدا حكومة جنوب السودان عن حركة النوير قبل وصولها إلى قلب منطقة طائفة المورلي في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وفي أعقاب ذلك، قامت البعثة بتعبئة وحشد أكثر من نصف قوات حفظ السلام الأممية في منطقة الهجوم، بيبور. وهكذا أمكن إنقاذ آلاف الأرواح بفضل أنشطتها الحاسمة والوقائية التي تم القيام بها بالاشتراك مع القوات المسلحة لجنوب السودان.
وفي أماكن أخرى، في المناطق الحدودية، قام ضباط الارتباط العسكري التابعون للبعثة بفحص الانتهاكات المبلغ عنها والتحقيق فيها، والمرتبطة بالقانون الإنساني الدولي، مع التركيز على عمليات القصف المتكرر ضد أهداف مدنية في داخل جنوب السودان، والتي قامت بها طائرات السودان في آذار (مارس) ونيسان (إبريل). وقد سمحت هذه الأدلة لمجلس الأمن بتوجيه نداء عاجل من أجل وقف فوري لجميع الهجمات، وساعدت على الوقف الفعلي للأعمال العدائية على طول الحدود مع السودان.
ولكن، وبالإضافة إلى العمل العسكري الذي تم القيام به، ركزت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان أيضاً على الأنشطة المتعلقة ببناء الدولة. وقد طالبنا بإعادة النظر في دستور جنوب السودان، مما أتاح تعيين لجنة مراجعة الدستور الوطني. ولا شك أن هذه العملية تمثل فرصة فريدة لبناء الأمة في جنوب السودان، لأنها توفر منبرا لجميع الطوائف من الأطياف الاجتماعية كافة. وهذا ما لا ينبغي أن ننساه.
وبصفتي رئيسا لبعثة حفظ السلام، فقد أوصيت بشدة كلا من قادة حزب الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان، والأحزاب السياسية المعارضة، باعتماد نهج شامل لتطوير مشروع قانون للأحزاب السياسية، وقانون للانتخابات. وعليه، صادقت الجمعية التشريعية الوطنية في وقت لاحق على مشروعي قانون التشريع. وهذه العمليات ضرورية لبناء أساس قوي من أجل ديمقراطية حقيقية وتعددية سياسية في جنوب السودان.
لا شك أن الأمن وقطاع العدالة يشكلان حجر زاوية آخر في أي عملية بناء لأي دولة حديثة. ولذلك، ومع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، دعّمت بعثة الأمم المتحدة لجنوب السودان أجهزة الشرطة في جنوب السودان، بتسجيل أكثر من 37000 مجند. وهذا أمر ضروري لإصلاح الشرطة، وإضفاء الطابع المهني على هذا الجهاز. ففي جميع أنحاء البلاد، يعمل مئات من عناصر شرطة الأمم المتحدة في تعاون وثيق مع زملائهم في جنوب السودان، من أجل تطوير الشرطة المجتمعية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد سهّلت بعثة الأمم المتحدة لجنوب السودان بعثات القضاة في المدن النائية في جنوب السودان. وقد وفرنا أيضا التدريب لضباط الجيش في مجال القانون الدولي واحترام حقوق الإنسان.وتشارك بعثة الأمم المتحدة لجنوب السودان، بكثير من الحيوية، في منع الصراعات وفي الحد منها. ولتعزيز عملية السلام في جونقلي؛ وهي أكبر ولاية (محافظة) في جنوب السودن، قامت البعثة بتسيير 1900 رحلة جوية لتسهيل مهمات زعماء الكنيسة، وممثلي الحكومات وممثلي الطوائف. وقد أسهمت العملية في الحد من ظاهرة أعمال العنف بصورة ملموسة. ويظل السلام الدائم في ولاية جونقلي أمرا ضروريا لتحقيق الاستقرار في جنوب السودان.
إن مهمة بناء دولة قابلة للحياة، من لا شيء، هي أمرٌ صعب عندما تكون البلاد الجديدة، على حد تعبير الرئيس سلفاكير ميارديت "عند نهاية سلسلة التنمية الاقتصادية"، وفي "أسفل" جميع مؤشرات التنمية البشرية. وعلاوة على ذلك، فإن أزمات كثيرة سوف تحدث على الأرجح في السنة الثانية لجنوب السودان، الدولة ذات السيادة. وسوف تواصل البعثة دعم جنوب السودان في لحظات الأزمة، ونحن نجدد التزامنا بالبقاء في البلاد، في أحدثِ دولة في العالم.


*ممثلة خاصة للأمين العام للأمم المتحدة لجنوب السودان.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Le Soudan du Sud, qui a dit que ce serait facile?

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق