ملبورن 1956.. "برميل بارود" الحرب الباردة ينفجر في حوض كرة الماء

تم نشره في الجمعة 13 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً
  • الملصق الرسمي لأولمبياد 1956 في ملبورن - (أرشيفية)

نيقوسيا - نالت مدينة ملبورن الأسترالية العام 1949 شرف تنظيم ألعاب الأولمبياد السادس عشر العام 1956 بفارق صوت واحد عن العاصمة الأرجنتينية بوينس ايريس.
وللمرة الأولى خرقت الألعاب وحدة المكان والزمان، فنظرا إلى القوانين الأسترالية المتعلقة باستخدام الحيوانات في القارة البعيدة ومنها الخيول، أقيمت مسابقات الفروسية من 10 إلى 17 حزيران (يونيو) في ستوكهولم.
كانت ألعاب ملبورن الأولى خارج القارتين الأوروبية والأميركية، ونظمت من 22 تشرين الثاني (نوفمبر) إلى 8 كانون الأول (ديسمبر) أي في الشتاء الأوروبي-الأميركي، والصيف الأسترالي الحار. كما أثرت صعوبة الانتقال وغلائه من القارة الأسترالية وإليها في تحجيم عدد المشاركين الذي تدنى عما كان عليه في دورتي لندن 1948 وهلسنكي 1952، إذ حضر 3148 رياضيا بينهم 371 امرأة من 67 بلدا. وشاركت للمرة الأولى كل من كينيا وليبيريا ومالي وألمانيا بقسميها وتايوان وأوغندا وفيجي وإثيوبيا.
أقيمت ألعاب ملبورن والحرب الباردة في أوجها، فخريف بودابست وسحق الدبابات السوفياتية المعارضة المجرية بدأ في 4 تشرين الثاني (نوفمبر)، والنتيجة التراكمية أكثر من 20 ألف قتيل والغضب والحقد المتفاقمان "سينفجران" تعبيريا في ملبورن أيضا، وشنت الكيان الصهيوني مع إنجلترا وفرنسا العدوان الثلاثي على مصر في 5 تشرين الثاني (نوفمبر)، وبدأت الثورة الجزائرية تتفتح، والصين التي تعارض الاعتراف بجزيرة فورموزا (تايوان) وقاطعت الألعاب، كما قاطعها لبنان ومصر والعراق احتجاجا على "العدوان الثلاثي" وهولندا وإسبانيا وليشتنشتاين وسويسرا احتجاجا على الغزو السوفياتي للمجر، غير أن رئيس اللجنة الأولمبية الدولية الأميركي أفري بروندج أعلن أن الألعاب حاجة ماسة "والصراع القائم في العالم هو بين الدول والأنظمة وليس بين الشعوب، والألعاب الأولمبية تنافس رياضي شريف بين الأشخاص ويجب أن يستمر". وهذا ما حصل واقترن في النهاية بطابور عرض وداعي مشترك ومختلط بين الأعراق والأجناس والجنسيات، كان ردا قاسيا على الصراعات والنزاعات والأطماع التي تدفع الشعوب دائما ثمنها لحما ودما وتشريدا وخسائر في ممتلكاتها.
تضمنت ألعاب ملبورن 151 مسابقة في  19لعبة هي: ألعاب القوى والتجذيف وكرة السلة والملاكمة والكانوي كاياك والدراجات والفروسية والمبارزة وكرة القدم والجمباز ورفع الأثقال والهوكي على العشب والمصارعة والسباحة والخماسية الحديثة والغطس والرماية والزوارق الشراعية وكرة الماء.
واحتل الاتحاد السوفياتي الصدارة للمرة الأولى برصيد 98 ميدالية (37 ذهبية و29 فضية و32 برونزية)، مقابل 74 للولايات المتحدة (32 و25 و17) و35 لأستراليا (13 و8 و14).
وبمبادرة من اللجنة الأولمبية الدولية، تبارت الألمانيتان في بعثة مشتركة وسارت مجتمعة في طابور العرض الافتتاحي، وحصد أبطالها 6 ذهبيات و13 فضية و7 برونزيات، ولبسوا بزات رياضية "ثورية" منسوجة من مادة البرولاستيك التي كانت بداية "فتح" في تصنيع الألبسة الرياضية.
وباتت الألعاب أيضا بداية عصر انتصارات استرالية في ألعاب القوى والسباحة. وإذا كان العداء رون كلارك لفت الاهتمام في حفلة الافتتاح الضخم حين تسلم الشعلة الأولمبية وأوقدها بعدما حملها 2752 رياضيا ورياضية، فإن مواطنته الشقراء الجميلة كاتي كاثبرت (18 عاما) شدت الأنظار في الجري وحصدت لبلدها ثلاث ذهبيات في سباقات 100 م و200 م والتتابع 4 مرات 100 م، وهي دشنت انتصاراتها برقم أولمبي في 100 م (11.5 ثانية).
أما مثيلها عند الرجال فكان الأميركي هنري "بوبي" مورو الذي حقق انتصاراته تحت أنظار مواطنه الأسطورة جيسي اوينز لكن الهواء العاصف أعاق تحطيمه رقم 100 م، فاكتفى بتسجيله 10.5 ثوان.
وعرفت الابتسامة الأسترالية أكثر مع جيل السباحين المميزين، وفي مقدمهم جون هنريكس (19 عاما) الذي قاد ثلاثية بلاده في 100 م حرة، فحل لورين كراب ثانيا وفيت ليش ثالثا، وأسهم أيضا في ألقاب التتابع كلها وتسيد موراي روز سباقي 400 م حرة و1500 م.
وشهد الحوض دخول مسابقة جديدة هي سباقات الفراشة واقتصرت على 200 م رجال وعاد لقبه للأميركي وليام يورزيك و100 م سيدات وفازت به مواطنته شيلي مان.
واستخدمت الزانة المصنوعة من الألياف الزجاجية للمرة الأولى في مسابقة القفز بالزانة من قبل اليوناني يورغيوس روبيناس الذي حل ثالثا (4.50 م)، مقابل (4.56 م) للأميركي بوب ريتشارد الذي احتفظ باللقب، وهو كان في هلسنكي طالب لاهوت، وسيم كاهنا.
ولمع نجم آخر في سماء ألعاب القوى هو الأميركي باري أوبريان في الكرة الحديد بتسجيله 18.57 م، مطورا رقمه الذي منحه ذهبية هلسنكي أيضا بـ1.16 م.
وفي حين دشن الأميركي ألفرد "أل" أورتر عصر هيمنته الكاسحة على مسابقة رمي القرص التي استمرت أربع دورات وبأرقام تصاعدية لافتة بدأها في ملبورن بتسجيله 56.36 م وأنهاها العام 1968 في مكسيكو بتحقيقه 64.78 م، فان مواطنه هارولد كونولي كان عريس ملبورن على محورين، فقد أحرز ذهبية رمي المطرقة مسجلا رقما عالميا مقداره 63.19 م، وتجاوز "إنجاز" المجري جوزف شيرمك في هلسنكي بنحو 3 أمتار. وتعدت شهرته الآفاق بمباركة من أكثر من مائة ألف متفرج في استاد ملبورن بعدما تطور إعجابه ببطلة رمي القرص التشيكوسلوفاكية أولغا فيكوتوفا إلى حب ثم إلى الزواج بعد نحو ثلاثة أشهر، فحفرا كوة في الجدار العازل "بين الشرق والغرب".
واستمر البرازيلي اديمار فيريرا دا سيلفا ساحر الوثبة الثلاثية ففاز بالذهبية مسجلا 16.35 م في مقابل 16.22 م حققها في هلسنكي يوم توج للمرة الأولى.
أما نجمة البعثة السوفياتية فكانت "دلوعة" الجمباز لاريسا لاتينينا التي حصدت ست ميداليات، بينها أربع ذهبيات، والتي أنهت مسيرتها لاحقا وفي جعبتها رقم قياسي من الميداليات بلغ 18 من المعادن المختلفة نصفها من الذهب.
أما المنتخب الأميركي لكرة السلة بقيادة بيل راسل كي سي جونز فكان لا يمس وأنهى مبارياته كلها بفارق شاسع تعدى 30 نقطة مرتين.
وحملت سباقات المسافات الطويلة نموذجا جديدا من العدائين هو الروسي فلاديمير كوتس، رياضي يركض على سجيته لا يعير الأوقات اهتماما بل تحقيق الانتصارات وجمع الميداليات، همه أن يبقى في المقدمة بعيدا من منافسيه وأكثر ما يزعجه أن يتجاوزه أحدهم، إذ يمقت أن يسير خلفه أو يترقب الانقضاض؛ لأن الجري في نظره "طلاقة لا تعرف القيود".
فاز كوتس بداية في سباق 10 آلاف م، علما أن المرشح الأوفر حظا كان البريطاني غوردن بيري الذي سبق أن حطم أرقام المسافات الطويلة كلها، فضلا عن المجري جوزف كوفاكش. غير أن البحار الأشقر القادم من البلطيق "برمج" السباق على مزاجه وسجل 28.45.6 دقيقة محطما الرقم الأولمبي المسجل باسم التشيكوسلوفاكي أميل زاتوبيك، إذ أنهى المسافة بزمن أفضل بـ32 ثانية، وحل كوفاكش ثانيا (28.52.4 د)، وجاء بيري ثامنا.
كان ذلك في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) أي في اليوم الثاني لبدء الألعاب، وبعد خمسة أيام، ركض كوتس سباق 5 آلاف م بإيقاع سريع وسجل 13.39.6 دقيقة أي أقل بـ27 ث من الرقم الذي ضمن لزاتوبيك الذهب في هلسنكي. ولم يحصل بيري إلا على الميدالية الفضية (13.50.6 د).
وكان العنوان الكبير لسباق الماراثون الفرنسي الجزائري الأصل ألن ميمون، الذي فاجأ كثيرين بإعلانه خوض المسافة، سعيا إلى تتويج ذهبي طال انتظاره، وبعدما لفت الأنظار ببروز في سباقي 5 آلاف و10 آلاف م في دورتي لندن وهلسنكي.
بلغ ميمون سن السادسة والثلاثين، وكان ينتظر حدثا سعيدا في بلاده، وعشية السباق المقرر في الأول من كانون الأول (ديسمبر)، تبلغ برقيا ولادة طفلته التي سماها أولمب تيمنا بالمناسبة. وحملته الفرصة الكبيرة لبذل جهد استثنائي وسط حرارة مرتفعة تخطت 35 درجة مئوية.
وفي قرارة نفسه، كان ميمون يدرك أن إحرازه برونزية "أمر جيد" كونه لم يخض السباق من قبل، علما انه تدرب بكثافة وهدوء. لم يهدر وقتا في محطات توقف البعثة الفرنسية، فمثلا وجد طلبه في ممرات الفندق الكبير في لوس انجليس التي وصلت مسافتها 200 م ليجري و"يكدس الكليومترات".
طمح ميمون الذي حمل الرقم 13 في السباق، وهو بالنسبة للبعض نذير شؤم، السير على درب زاتوبيك الفائز في هلسنكي بفارق مريح. وتميزت المنافسة في ملبورن بالكر والفر على طريقة سباقات الدراجات على الطريق. وكان الأميركي كيلي تقدم في منتصف المسافة بمثابة جرس الإنذار لميمون علما انه شعر بتثاقل قدميه وألم في رأسه عند الكيلومتر 36، لكنه قرر الصمود والمواجهة بمختلف السبل مستعيدا ذكريات ومواقف منذ أيام طفولته المعذبة، فزادت عزيمته و"استعاد" قوته وخفة حركته، ودخل الاستاد فشعر بتهليل 120 ألف متفرج وكأنه "قصف رعد". كانت الساعة تقارب السادسة مساء ودار حول المضمار لفة هي الأسرع في سباقات الماراثون (4ر1 دقيقة)، منهيا السباق ومسجلا 25ر2 ساعة.
ولم يشعر ميمون بالتعب ووقف إلى حافة المضمار يترقب وصول الباقين "كنت أتمتع بقوة خفية خارقة، وفي مقدوري أن أجري 10 كيلومترات إضافية، وبعد نحو دقيقتين وصل اليوغوسلافي فرانيو ميهاليتش ثم الفنلندي فييكو كارفونن، وبعدها ياباني ثم كوري جنوبي، فصديقي زاتوبيك، أسرعت نحوه أزف له بشرى انتصاري، ولما استوعب الموقف رفع قبعته وصفق لي قائلا أنا سعيد من أجلك، ولحظة التتويج اعتليت المنصة قفزا ولا أستطيع أن أنسى أبدا "كيف جفت مقلتيا من شدة التأثر عند عزف المارسياز".
فرنسي آخر كان محط اهتمام في ملبورن هو بطل المبارزة كريستيان اوريولا، أحد أكثر المتوجين في العالم إذ حصد اللقب العالمي 9 مرات. وفي الأولمبياد، أحرز فضية الفردي وذهبية الفرق في الشيش العام 1948، وذهبية الفردي والفرق العام 1952، واحتفظ بذهب الفردي وأسهم في حصد فضية الفرق في ملبورن.
أما المقابلة بين السوفيات والمجريين فكانت ساخنة، ورفض المجريون مصافحة منافسيهم لكن الحقيقة المرة في العلاقة المتأزمة بين الطرفين انفجرت لاحقا وكان مسرحها حوض كرة الماء حيث تواجه منتخباهما في مباراة تحولت إلى ملاكمة مائية صبغت بالدم.
نشب الاشتباك في الدقيقة 12 من المباراة، عندما تقدم المجريون 4-0، وكانت المدرجات تغلي بغالبية من المجريين يصرخون "ليعود الروس إلى بلادهم" وترد الأقلية "أنكم فاشيون".
ويبدو أن حكم المباراة السويدي سام سوكرمان كان يتوجس شرا من اللقاء فطلب من الطبيب المناوب يونغ كيرسي أن يتواجد في الحوض لمساعدته حين تدعو الحاجة، وصدقت توقعاته حين وجه فلاديمير بروكوف لكمة "جارحة" إلى أرفين زادور، ولما صبغ دمه مياه الحوض هاج الجمهور وصرخ " قتلوا زادور"، علما انه أصيب بجرح بسيط فوق حاجبه. ولما عاد زادور إلى القرية الأولمبية تلقى برقية دعم من شيخ أميركي قتل الشيوعيون ابنه في كوريا، وأعلن تبنيه للاعب المجري الذي رفض الفكرة والتخلي عن عاداته وبيئته.
لكن صورة الاختلاط الودي والمحبب بين الوفود في اختتام الألعاب لم تشجع المجريين كلهم على العودة إلى ديارهم. فمن أصل 112 شخصا تشكلت منهم البعثة، عاد 44 منهم فقط، ولم يضموا المتوجين الفائزين بميداليات ذهبية وبينهم أبطال كرة الماء وبقي 16 في استراليا وتوجه 52 إلى الولايات المتحدة. -(أ ف ب)

التعليق