لماذا لن يكون هناك تدخل عسكري أجنبي في سورية؟

تم نشره في الثلاثاء 10 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

جون هبل فيس *
 (كرستيان سينس مونيتور)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
تمخض المؤتمر الدولي الذي عقد في جنيف في الفترة الأخيرة سعياً وراء التوصل إلى اتفاق على مسار من أجل حل الأزمة والعنف المتصاعد في سورية، عن اقتراحات مبهمة لتشكيل حكومة انتقالية من غير المرجح أن تصل إلى أي مكان سوى الأرشيف الشخصي لكوفي أنان. ورغم هذا الفشل، تتحدث تقارير جديدة لمنظمة "هيومان رايتس ووتش" عن تعذيب ممنهج يرتكبه نظام الأسد، وعن الدعوات المستمرة للتدخل، والتي يطلقها العديد من الناشطين؛ بمن فيهم الجيش السوري الحر، فإن من غير المرجح أن يكون هناك تدخل عسكري أجنبي مسلح على غرار ذلك الذي حدث في ليبيا.
كان الوضع التكتيكي في ليبيا قد جعل من التدخل العسكري عملية سهلة نسبياً. ومن ناحية أساسية، كان كل ما يلزم للحيلولة دون وقوع مذبحة للمدنيين في بنغازي هو تدمير قوات معمر القذافي على طول الطريق الوحيد الذي يمتد في الاتجاه الشرقي بمحاذاة شاطئ البحر الأبيض المتوسط الموصل إلى تلك المدينة. وقد تم إنجاز ذلك وإنقاذ أرواح الليبيين. لكن مثل هذا الوضع لا يتوافر في سورية؛ حيث من المفترض أن تقوم الطائرات أو الصواريخ بمهاجمة تشكيلات القوات التي تحيط بالعديد من المدن والبلدات، بالإضافة إلى تحديد مواضع القواعد التي تعود للميليشيات التي تشرف عليها الحكومة، والتي عادة ما تكون أقل وضوحاً.
وحيث إن النظام الليبي لم يكن يحظى بشعبية لدى الجميع في العالم العربي والغرب، فإن سورية -ومعها نظام بشار الأسد- تظل آخر حليف متبقّ لروسيا في المنطقة، بالإضافة إلى كونها أهم حليف لإيران أيضاً.
وقد تبدو مجموعة من الاتفاقيات الدولية المختلفة التي كان قد تم التوصل إليها منذ العام 1945، وأنها تنطوي على منح الشرعية للتدخل الدولي، وعلى وجه التحديد للمحاولات الرامية إلى تقديم مساعدات فعالة للضحايا الذين تهاجمهم الحكومة السورية وميليشياتها. ويخول الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة "هذا الإجراء من جانب قوات جوية أو بحرية أو برية، كما تقتضيه الضرورة للمحافظة على، أو استعادة السلام والأمن الدوليين". وكان وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، قد استحضر هذه الفقرة في منتصف شهر حزيران (يونيو) عندما قال إن فرنسا ستدفع باتجاه تنفيذ مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة لخطة كوفي أنان السلمية ووقف إطلاق النار. ويجعل احتمال ممكن لاستمرار الفيتو الروسي في مجلس الأمن تبني المجلس لهذا القرار غير مرجح.
وبذلك، سوفَ يُترَك المتدخلون المفترضون مع خيار "كوسوفو" وحسب: أي مع إجراءات يتخذها حلف "الناتو" بشكل مستقل عن الأمم المتحدة. ومع ذلك، وحتى في أزمة كوسوفو، فقد اعتمدت هزيمة الصرب على سحب روسيا دعمها في نهاية المطاف لميلوسوفيتش بالقدر نفسه الذي سحبت فيه دعمها لعمليات القصف التي نفذها حلف الناتو.
ولم يحل ميثاق الإبادة الجماعية للعام 1948، والذي كانت قد وقعت عليه كل الدول تقريباً بدون ارتكاب أي إبادة جماعية، سواء في كمبوديا أو غواتيمالا أو رواندا أو السودان. وعلى أي حال، يبقى من المحتمل أن يقول مستشارو السياسة إن هذا الميثاق لا يسري على سورية، لأن أهداف النظام لا تتطابق مع معايير الميثاق: فالذي يتعرض للإبادة ليس "مجموعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية"، وهي "مجرد" معارضة سياسية، أي فئة ليست مشمولة في الميثاق.
ولعل الأكثر صلة هو قرار "المسؤولية عن الحماية" الذي أقرته الأمم المتحدة بالإجماع في العام 2005، ونص على مسؤولية كل الحكومات عن حماية مواطني أي بلد آخر يتعرضون للهجوم من جانب حكوماتهم. ومع ذلك، فإن قرار "المسؤولية عن الحماية" يترك العديد من الثغرات أمام الحكومات لتفادي التدخل بفعالية، وهو تهرب يثبت أنه الخيار المفضل في حالات مثل السودان.
وقد استطاع السيد الأسد، وبشكل ناجح، إبعاد الصحافة الدولية، وروج لفشل بعثة المراقبة التابعة للأمم المتحدة عبر قيود وضعها عليها، سوية مع توفير حماية غير ملائمة عن قصد. ولم يستطع مشغلو وسائل الإعلام الاجتماعي الهواة التعويض بفعالية عن هذا الانسداد. ويمكن أن يبدي قادة العالم تردداً إزاء إقرار سياسة تدخل تستند إلى قتل الأطفال، على سبيل المثال، عندما لا يكون واضحاً تماماً من هو الجانب الذي ارتكب عملية القتل.
وربما يكونون قد استقوا الدرس من الأطفال الذين زُعم بأنهم قتلوا في الكويت في العام 1990 على أيدي جنود صدام حسين وفق شهادات أدلى بها أمام الكونغرس دبلوماسيون كويتيون. وعندما حاول المحققون تأكيد هذه القصص في أعقاب طرد العراق من الكويت في العام 1991، تبين أن هذه القصص لم تتجاوز كونها مجرد تلفيقات.
ورغم خطابها الذي يدين النظام السوري، ثمة مسوغ للشك في أن واشنطن تريد فعلاً أن يسقط الأسد. فنظام الأسد هو "الشيطان الذي نعرف"، وهو نظام ذو نقاط ضعف معروفة. ويمكن في هذا الإطار استحضار طرده من لبنان وهزائمه على يد إسرائيل. وفي الوقت نفسه، فإنه يتوافر على جيش حرفي مهني وموالٍ له في أغلبه، وقاعدة سلطة متطابقة وموالية في أغلبها وتشكل خمس عدد السكان: الأقليتان العلوية والمسيحية. وفي المقابل، يظل الجيش السوري الحر وخصوم الأسد الآخرين أقل حرفية وتوحداً، سوية مع قاعدة قوة أكثر اتقاداً بكثير، الغالبية المسلمة السنية في البلد.
وبالإضافة إلى ذلك، لا يوفر الرد الأميركي ورد الأمم المتحدة على الأعمال العدائية للحكومة السودانية أي مسوغ للسوريين كي ما يتعلقوا بأمل للإنقاذ. وقد دعا عضوا مجلس الشيوخ ليبرمان وماكين إلى تقديم دعم عسكري للثوار السوريين. ولكن، ورغم حقيقة أن الحكومة السودانية بقيادة عمر البشير تسببت في إقليم دارفور وحده في موت ما يقارب 100 ضعف عدد المدنيين، وخلقت عدداً من اللاجئين يفوق العدد الذي صنعه الأسد في سورية، فإن الولايات المتحدة لم تجد أن واقع الحال مناسب لتسليح ثوار دارفور.
ومن جهته، دعا إيلي فيسيل إلى توجيه الاتهام للأسد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ورغم أن اتهاماً كهذا يشكل إشارة على وجود اهتمام أخلاقي وتضامن مع الشعب السوري، فإنه قد لا يردع الرئيس السوري عن الاستمرار في هجماته. وبعد كل شيء، لم يفض اتهام محكمة الجنايات الدولية بارتكاب إبادة جماعية إلى أي تغيير في حدة ووتيرة سلسلة الأعمال العدوانية التي يتابعها السيد عمر البشير منذ 22 عاماً ضد شعب دارفور وجبال النوبة وأبيي والجنوب وأمكنة أخرى في السودان.
لذلك، فإن الاحتمال الأكثر ترجيحا بما لا يقاس هو أن أي تقييم للسياسة الأميركية والدولية إزاء التدخل في الحالتين الليبية والسودانية، سوف يفعل النزر اليسير لهز ثقة الحكومة السورية في أنها تستطيع الاستمرار في الطريق إلى ارتكاب أكثر حالات القمع بشاعة.
إن الشعب السوري نفسه، الذي يتوافر على شجاعة دائمة، والتي دفعت بعدد متنامٍ -ولو أنه ما يزال ضئيلاً- من الضباط السوريين رفيعي المستوى إلى التخلي عن النظام، هو وحده من سيقنع الأسد بأن الوقت قد حان لاختيار مسار أقل إجرامية.

*أستاذ مشارك للتاريخ في جامعة كورنيل.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Why there will be no foreign military intervention in Syria

التعليق