جيرار ليريتييه: صيّاد المخطوطات النادرة

تم نشره في السبت 30 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً
  • الباحث والمؤرخ جيرار ليريتييه - (أرشيفية)

مدني قصري

عمان- من منا لا يعرف المثل القائل" الكلمات تطير ويبقى المكتوب"؟ لكن الذي يطير منها اليوم هو قيمتها. 2 مليون يورو للوصية السياسية التي تركها لويس السادس عشر، و3.5 مليون يورو لنصوص نابليون في العام 2010 التي تم العثور عليها في الولايات المتحدة، و 3.6 مليون يورو للبيان السريالي الأول لـ أندريه بروتون، و 14 مليون يورو لنسخة "الميثاق الكبير" لـ جون كينغ، و30 مليون دولار  لأقراباذين (دستور الأدوية) ليوناردو دافينتشي .. ومكونات النسبية العامة لاينشتاين مؤمنة مقابل 22 مليونا. من قال إن الإعلام الآلي سوف يقتل المخطوطات؟ الذي قال ذلك هم بلا أشك أولئك الذين استبدلوا ملفاتهم بشراء أسهم على الفيسبوك. ففي حاضر افتقد معالمه يبدو الماضي أكثر منافذ الإيداع أمانا في المستقبل.
لكن من الذي يملك اليوم وسيلة لتأمين هذه الكنوز الورقية؟ لعلنا نتخيل مليارديرات روسيا، ورأسماليين صينيين، وصناديق تقاعد أميركية، ومثقفين قطريين (من قطر)! ... لكن، لا!. فبصرف النظر عن الثري بيل غيتس، المالك السعيد للأقراباذين (الدستور الدوائي) لليوناردو دافينتشي فإن أصحاب المخطوطات هم عبارة عن مسؤولين عاديين، وأصحاب مهن حرة، ومتقاعدين، ومدراء شباب لمؤسسات متوسطة. فهم أوروبيون، معظمهم فرنسيون وبلجيكيون أونمساويون. و20 ٪ منهم فقط يدفعون الضريبة على الثروة. فما الذي فعله كل هؤلاء إذن حتى يحصلوا على هوايتهم المفضلة؟ لقد التقوا بـ جيرارد ليريتييه Gérard Lhéritier جيرارد ليريتييه (64 عاما) وُلد في اللورين وعاش في مدينة نيس. بشوش وحصيف، ومهووس، يطارد في جميع أنحاء العالم المخطوطات المفقودة، ومسودات الخطابات، والألحان الموسيقية الأصيلة، وصفحات المعادلات الرياضية وغيرها، ورسائل الحب – كل نبضات القلب وشطحات العقل. جيرارد ليريتييه مستشار ومدير سابق لدائرة التراث، ورئيس مؤسس لمتحف الآداب والمخطوطات. خطر له ذات يوم أن يُطبق على النصوص والمخطوطات النادرة مبدأ الملكية المشاعة. ويا لها من فكرة رائعة وعجيبة! فعلى غرار مستثمرين آخرين يفضلون شراء أسهم في جواد أصيل يفضل أصدقاء متحف الآداب والمخطوطات ( 000 15 عضو، يدفعون اشتراكا لا يزيد على 30 يورو كرسوم سنوية) أن يحصلوا بصورة جماعية على مخطوطات لويس السادس عشر، أو فيرلين،، أو فاغنر، أو فيكتور هوغو، أو الجنرال ديغول. ويقترح عليهم المتحف أيضا عقدا تُحفظ بموجبه هذه المخطوطات ويتيح للمتحف عرْض هذه الأعمال التي لا تقدر بثمن (ومن ثم تحقيق أفضل الأثمان). ومن هنا ما يضمن نجاح هذا الإيداع المُجزي.
ولكن ما العمل في حالة الملكية المشتركة حين يرغب أحد المالكين بيع حصصه؟ في هذه الحالة يستطيع متحف الآداب والمخطوطات أن يشفع: فهو أحيانا، كما فعل في العالم 2008 مع مخطوط آينشتاين- بيسو، يقوم بشراء مجموع الأسهم. ومفهوم المتحف هذا في صورته الجمعوية يبدو أنه يجلب السعادة للجميع: المستثمرون والباحثون وذوو الحقوق، والزوار، إلخ. متحف الآداب والمخطوطات الذي افتتح في العام 2004 يضم الآن، في شارع سانت جرمان بباريس أكثر من 80.000 عمل مخطوط. وهي أول مجموعة خاصة في العالم. وفيها نجد أكبر مجموعة لفيكتور هوغو، وعشرات الألحان الموسيقية لموزارت وبيتهوفن وغيرهما، وأولى تصاميم المصابيح الكهربائية التي صمّمها أديسون، ومراسلات نابليون الأول، وقرار وقف إطلاق النار الصادر عن أيزنهاور بتاريخ 7 أيار (مايو) 1945، وقصائد شعرية بخط إدوارد مانيت، والآلة الكاتبة "أنيغما" التي استعملتها الغواصات النازية لترميز رسائلها.
من آخر وأحدث مقتنيات جيرار ليريتييه نص في السيرة الذاتية للعالم آينشتاين حول خصائص الأشعة السينية في علاج السرطانات. ومنها مجموع محفوظات رومان غاري التي تضم مخطوطات موقّعة باسم "أجار". وكذلك مجموعة "فليرس" Flers  التي تضم 7000  نص في السيرة الذاتية عن جميع الأكاديميين، من ريشيليو إلى يومنا هذا، ومنها رسالة نادرة بقلم كورنيليوس. لكن ما الذي يُنقص سعادته؟ تنقصها رسالة من رسائل رونسارد. إنه حُلمه المستحيل؟ وحلمه أن يُعيد بيل جيتس أقراباذين (دستور الأدوية) لليوناردو دا فينشي. إن واجهة العرض جاهزة لاستقبال ذلك. وعلى أي حال، فكما قال آينشتاين فإن "المستحيل ليس سوى مسألة وقت".
لكن من أين جاءت موهبة جيرار ليريتييه في صيد هذه الكنوز؟ في العام 1988 أرسل ابنه البالغ من العمر 14 عاما، والذي كان مولعا بجمْع الطوابع البريدية إلى باريس ليجلب له قطعة نقدية من فئة عشرين سنتيما (فلسا) سوداء اللون. وذات يوم، وفيما كان يقف أمام واجهة أحد بائعي الطوابع البريدية وقعت عيناه على رسالة كانت قد أُرسلت بواسطة "البالونات الطائرة"، ورأى أيضا الردود التي تلقتها هذه الرسائل الطائرة عن طريق ما اطلق عليه آنذاك اسم "كريات مولان". وفي ذلك المحل شرح له التاجر الحِيل التي اخترعها سكان باريس للتواصل خلال حصار باريس في العام 1870. للتواصل مع العالم الخارجي كان سكان باريس يُودِعون مراسلاتهم في بالونات مملوءة بالغاز يُطلقونها في السماء فتحلق وتطير إلى "فرنسا الحرة". وكانت هذه الرسائل تُجمَع بشكل عشوائي في مكتب بريد "مولان سور ألييه". وكانت هذه الرسائل القادمة في البالونات الطائرة توزع، وكانت ردودها تُرسل عن طريق النهر، وهي مغلفة في ما أطلق عليه اسم "كُريات مولان" الشهيرة، وهي عبارة عن دوائر جوفاء من معدن الزنك مزوّدة بزعانف صغيرة تحتوي على ما يصل إلى 700 مغلف يقوم سكان باريس بالتقاطها في نهر "السين". وقد شرع جيرار ليريتييه بالفعل في الحصول على هذه الرسائل التي كان هوجو، ومانيت، وبيزيت، وجول فيري، يتبادلونها بهذه الطريقة الفريدة.

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق