كيف نساعد الأمم الساعية إلى الديمقراطية: بورما نموذجاً؟

تم نشره في الجمعة 29 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 29 حزيران / يونيو 2012. 03:49 صباحاً

راديك سيكورسكي*
رانجون - في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وفي بورما (ميانمار) الآن، عاد للظهور على السطح من جديد واحد من الأسئلة العصيبة في السياسة العالمية المعاصرة: كيف يمكن للبلدان أن تنتقل من الحكم السلطوي الفاشل إلى شكل ما من أشكال التعددية القادرة على دعم ذاتها؟ ولذلك، يواجه وزراء الخارجية في كل مكان تساؤلات سياسية عصيبة: متى يجب أن تطلق أي دولة مثل هذا التحول السياسي، ومتى يتعين على دول أخرى أن تساعدها، وما أفضل الطرق لمساعدتها؟.
إن التحولات السعيدة، على حد تعبير تولستوي، كلها تتشابه؛ لكن أسباب كل تحول تعيس ترجع إلى ظروف خاصة به. وكانت التحولات السعيدة في قسم كبير من أوروبا الوسطى في أعقاب نهاية الحرب الباردة أكثر سهولة، لأن النظام الشيوعي القديم توفي فجأة وسلم السلطة سلمياً. وقد ساعد هذا، إلى جانب الدعم السخي الذي قدمته أوروبا الغربية والولايات المتحدة وجهات أخرى، في خلق مزاج في المنطقة يفضي إلى المصالحة، الأمر الذي سمح لكل دولة بالتعامل بطريقة مدروسة وغير حاقدة مع القضايا الأخلاقية الصعبة الناجمة عن الماضي القريب المظلم.
وربما كان الأمر الأكثر أهمية هو أن هذه التحولات حدثت وسط شبكة أوسع من المؤسسات الشرعية -الاتحاد الأوروبي، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومنظمة حلف شمال الأطلسي، ومجلس أوروبا- التي تولت الدفاع عن سيادة القانون. وقد زودت هذه البيئة الداعمة صناع القرار السياسي في الدول المتحررة حديثاً، على المستويات الوطنية، بخريطة طريق ساعدتهم على بناء المؤسسات الديمقراطية وتهميش المتطرفين.
بيد أن الأمور في أماكن أخرى من العالم ليست بهذا القدر من السهولة. فقد تتشبث الأنظمة التي فقدت مصداقيتها بالسلطة بقدر أعظم من الشراسة والقمع، كما هو واقع الحال في سورية الآن. أو قد تلجأ إلى خلق أنواع المشاكل الجديدة كافة في طريقها إلى الخروج من السلطة، كما حدث في ليبيا. أو ربما تناضل من أجل تقديم المسألة الديمقراطية في حين تحاول الحفاظ على الاستقرار، كما هي الحال في مصر.
وفي بورما، نرى نموذجاً آخر -محاولة جريئة بعد عقود من الحكم العسكري للتحرك بطريقة موجهة، ولكنها عازمة، نحو شكل جديد شامل من أشكال الحكم. وهنا سنجد أوجه تشابه مذهلة بين هذا الواقع وما حدث في بولندا مع نهاية الشيوعية. إن النخبة العسكرية تفضل الإصلاح خطوة بخطوة، ولكنها ترغب في حماية وضعها وتكون عازمة على تجنب الانزلاق إلى الفوضى. ويقود المعارضة زعيم كاريزمي يتمتع بدعم شعبي كبير. وتفتح النخبة الحاكمة الباب أمام إتاحة عدد من المقاعد البرلمانية للأصوات الشعبية، ولكنها تفاجأ بفوز المعارضة بأغلبية ساحقة.
ويتعين على زعماء المعارضة في بورما، فضلاً عن ذلك، أن يعملوا، كما حدث في بولندا تماما، على إيجاد توازن دقيق بين ضرورة إرضاء أنصارهم الذين فقدوا صبرهم (والذين عانى كثيرون منهم بشدة في ظل النظام القديم) وضرورة طمأنة هؤلاء الذين ما يزالون في السلطة بمستقبل محتمل لا يقلل كثيراً من شأنهم.
لكن هناك اختلافات أساسية. فبورما لديها ديناميكية سياسية داخلية مختلفة تماما، وليس أقل الأسباب وراء هذا الاختلاف تلك العلاقات المعقدة بين مختلف الطوائف العرقية واللغوية -الانقسامات الاجتماعية التي لم تكن تشكل قضية في العملية الانتقالية المتجانسة إلى حد كبير في بولندا.
فضلاً عن ذلك، وخلافاً لبولندا عندما انهارت الشيوعية، فإن لدى بورما بالفعل مجموعة قوية ومزدهرة من كبار رجال الأعمال في ظل النظام الحالي -وهم عازمون على الحفاظ على امتيازاتهم وتنميتها. وفي المقام الأول من الأهمية، لا يوجد سياق مؤسسي دولي مباشر يشجع على التغيير المضطرد وتأسيس المعايير والمقاييس: أي أنه يتعين على بورما أن تجد طريقها بنفسها.
في وقت سابق من هذا الشهر، قمت بزيارة بورما، حيث التقيت بالرئيس ثين سين وزعيمة المعارضة أونج سان سون كي، فضلاً عن سجناء سياسيين سابقين والعديد من الناشطين. ثم خرجت من هذه المقابلات مقتنعاً بأن بورما دولة تسير قُدُما إلى الأمام -وتتحرك بثبات وقوة في اتجاه طيب.
لطالما ظلت كل الأطراف تجمع على أن أداء هذا البلد الكبير الغني بالموارد كان أقل من إمكاناته لفترة طويلة للغاية. وتتفق كل الأطراف أيضاً على أن نهج الخطوة بخطوة، القائم على المصالحة، هو أفضل من الصراع المفتوح على السلطة، وهو الصراع الذي قد يتخذ أبعاداً عرقية مأساوية بين عشية وضحاها. وسوف يظل هذا الإجماع محافظاً على صدقيته طالما ظل الإصلاح السياسي مستمراً والنمو الاقتصادي متواصلا. فبعد مثل هذه الفترة الطويلة من الركود، يريد الناس أن يروا ويشعروا بحدوث تغيير إلى الأفضل في حياتهم. وفي مثل هذا الواقع، يتعين على بقيتنا أن يتحروا العمل البنّاء والإبداعي، وليس العمل الوصفي الشكلي. ويتعين علينا قبل كل شيء أن نتحلى بالصبر.
إن تعليق الاتحاد الأوروبي للعقوبات والاستعداد عموماً للمشاركة بشكل بنّاء أمر منطقي. ويتعين على حكام بورما أن يستجيبوا لهذه المبادرة بإطلاق سراح كل السجناء السياسيين المتبقين في السجون، وأن يفتحوا العملية السياسية بالكامل. كما يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يضمن تخصيص مساعدات التنمية التي يقدمها -وعملية تسليم هذه المساعدات- لتعزيز التعددية والمصالحة من خلال ضمان استفادة كل الطوائف في بورما بنزاهة وشفافية.
وفي هذا الصدد، تقدم بولندا إسهاما مباشرا، من خلال مساعدة كبار صناع القرار وزعماء المعارضة وممثلي قطاع الأعمال في بورما على فهم "تكنولوجيا الانتقال" -بمعنى تسلسل الإصلاحات الفنية، التي ساعدت على جعل بولندا واحدة من أكثر اقتصادات أوروبا صحة اليوم. ولهذا الغرض، صاحبتني في زيارتي المذكورة إلى بورما مجموعة من ممثلي التجارة والأعمال بهدف عرض مشاريع استثمارية ضخمة هناك.
ولعل الجانب الأكثر تشجيعاً في زيارتي لبورما كان ذلك الاستعداد للانفتاح والتعلم من الدول الأخرى التي شقت طريقها عبر العملية الانتقالية المؤلمة من الدكتاتورية إلى الديمقراطية. وقد سألني أحد الجنرالات بشكل غير رسمي: "كيف تمكنتم من تنفيذ مثل هذه التغييرات السياسية الجذرية من دون إراقة دماء؟". وفي إطار ورشة عمل الديمقراطية، قالت إحدى النساء الشابات أمام الصحفيين والمحاضرين المجتمعين: "كنت أتصور أن بورما تشكل مثالاً فريداً من نوعه. والآن بتنا ندرك أن دولاً نائية مرت بتجارب مماثلة، وأصبحنا نشعر بقدر أقل من العزلة -لقد نجحتم على الأصعدة كافة".
نظراً لهذه الروح -والمساعدات الخارجية المناسبة- فإنني على يقين من أن بورما أيضاً سوف تنجح على الأصعدة كافة.


*وزير خارجية بولندا.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2012.

التعليق