مصر: وراء نتائج انتخابات الرئاسة جيش قادر على كل شيء

تم نشره في الجمعة 22 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً
  • رسم غرافيكي يحتج على استمرار الاستبداد من خلال العسكر في مصر - (أرشيفية)

كاترين غويسات - (الإكسبرس) 2012/6/18
ترجمة: مدني قصري
أعلن مرشح الإخوان المسلمين فوزه في الرئاسيات المصرية. لكن التصويت جرى في الوقت الذي أبطل فيه الجيش البرلمان الذي انتخب قبل خمسة شهور.
ويجد المصريون أنفسهم اليوم في وضع غامض وملتبس كل الالتباس، بعد الانتخابات الرئاسية الأولى التي تجري في عهد ما بعد مبارك. فقبل يومين فقط على موعد الانتخابات، أبطلت المحكمة الدستورية العليا البرلمان الذي انتخب في الشتاء الماضي، في إطار أول انتخابات برلمانية حرة في تاريخ مصر. وقد منح المجلس الأعلى للقوات المسلحة نفسه حق تعيين الصلاحيات التشريعية. وهو ما يعني أن البلاد تجد نفسها في حالة عدم استقرار مؤسسي كامل.
من الذي فاز في انتخابات الرئاسة في مصر؟
لن تعرف النتائج إلا يوم الخميس، لكن من المرجح جدا أن يكون الفائز هو محمد مرسي. فقد حصل مرشح جماعة الإخوان المسلمين على أكثر من نصف أصوات الناخبين، وفقا للتقديرات الأولية للجماعة (وهو ما أكدته يومية الأهرام على الانترنت التي قالت إنه حصل على 51 % من الأصوات وفقا لنتائج مؤقتة).
في مصر علاقة قوة يتعين على الجيش أن يحسب حسابها
تشكل هذه النتيجة بالفعل (في حال تأكدت) نصرا رمزيا بالنظر إلى عدم تناسب وسائل الحملة التي منحها جهاز الدولة الموروث عن عهد مبارك للمرشح أحمد شفيق، المدعوم سرا من قبل الجيش. وبالنظر أيضا إلى الدعوة إلى المقاطعة التي وجهها جزء من اليسار. وعلاوة على ذلك، فإذا كانت المشاركة، وفقا للجنة الانتخابات، أقل من الجولة الأولى (46 %)، فقد كانت رغم ذلك نتيجة لا يستهان بها. وهذا يدل على أن هناك في هذا البلد "علاقة قوة يتعين على الجيش أن يحسب حسابها"، كما يقول آلان غريش، المتخصص في الشرق الأوسط، وصاحب مدونة "أخبار من الشرق".
الرئيس المقبل سيترأس "قوقعة" فارغة
لكن، لماذا "علاقة قوة"؟ إذا كان الإخوان المسلمون قد فازوا، فإنهم يكونون في وضع يمكنهم من اتخاذ القرار، أليس كذلك؟
ربما لا... ففي الواقع، ستقلص صلاحيات الرئيس القادم إلى الحد الأدنى بعد صدور "الإعلان الدستوري" يوم الأحد الذي يمنح فعليا للمجلس الأعلى للقوات المسلحة صلاحيات مراقبة "السلطة التشريعية ومراقبة موازنات الدولة، إلى الحد الذي يجهل الرئيس المقبل على رأس قوقعة فارغة"، كما يقول جان نويل فيرييه، مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.
عندما سلم الرئيس السابق حسني مبارك الذي ثار الشارع ضده، السلطة للجيش يوم 11 شباط (فبراير) 2011، وعد الجيش بانتقال سريع إلى سلطة مدنية منتخبة. ومع ذلك "لم تحدث آنذاك ثورة، ولكن حدث فقط إقصاء لبعض الأشخاص (ومنهم مبارك)، وذلك للحفاظ على جوهر النظام القائم"، كما يقول جان نويل فيرييه، الذي يضيف: "لقد تفاوض الجيش بعد ذلك على جدول زمني مؤسساتي مع الإخوان المسلمين"؛ القوة المعارضة الرئيسية في البلاد.
وقد جرت العملية الانتقالية التي وعد بها المجلس الأعلى للقوات المسلحة في فوضى عارمة: فحتى قبل الضربة التي وجهتها المحكمة الدستورية، في يوم 14 حزيران (يونيو)، كان المصريون يستعدون للذهاب إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس البلاد، من دون معرفة صلاحياته، لأن الجمعية التأسيسية التي تم تعيينها من قبل مجلس النواب لإعداد دستور جديد كانت قد علقت في شهر نيسان (إبريل).
إذن، هل الجيش هو صاحب السلطة؟
نعم، ولا. بالتأكيد سوف تظل معظم السلطة في يد المؤسسة العسكرية إلى حين انتخاب مجلس الشعب الجديد. ومع ذلك، فنحن لسنا أمام مؤسسة ديكتاتورية عسكرية من النوع الذي كان سائدا في أميركا اللاتينية في سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت حقوق الإنسان تنتهك انتهاكا منهجيا. فالجيش المصري لا يواجه فقط جماعة الإخوان المسلمين، كما يقول آلان غريش، وهو ما تبين من نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي حصل فيها محمد مرسي على 25 % من الأصوات، في حين أحدث اليساري القومي حمدين صباحي المفاجأة بحصوله على 20 % من الأصوات فقط، يليه الإسلامي المعتدل عبد المنعم أبو الفتوح (17.5 %) ووزير الخارجية السابق عمرو موسى (11.1 %). ويضيف آلان غريش: "على الجيش أيضا أن يأخذ بعين الاعتبار ضغط الرأي العام. ولا يجوز له أن يفعل ما يشاء".
ما الذي يريده العسكر حقا؟
"لا يملك الجيش أي مشروع سياسي واضح خارج الدفاع عن امتيازاته"، يقول آلان غريش. فقد سمح في البداية بإسقاط نظام مبارك الذي أضرت إصلاحات الليبرالية التي أدخلها في العام 2004 بمصالح الجيش الواسعة، حسب صوفي بومييه، الأستاذ في العلوم السياسية بجامعة باريس. وهو بلا شك ما يفسر اعتداله (القمع ضد المتظاهرين في ميدان التحرير كان على يد الشرطة)، وهو ما أكسبه شعبية كبيرة في البداية. "الشباب في ميدان التحرير ربما يكونون قد بالغوا عن وعي في تثمين موقف العسكر، لتجنب المواجهة معهم"، يقول آلان غريش. ويضيف: "لا أحد كان يجهل في الواقع أن الجيش كان له نصيبه في القمع في عهد مبارك". لكنه يبدو أن العسكر قد أدركوا مؤخرا أن جماعة الإخوان المسلمين حركة قوية جدا، وأنها لا توفر لهم ضمانات كافية لحماية مصالحهم الاقتصادية ولا الحصانة التي يتوقعونها.
أي أخطاء ارتكبها الإخوان المسلمون خلال الفترة الانتقالية؟
لقد تميزت جماعة الإخوان المسلمين، وهي القوة المعارضة الرئيسية في البلاد، بموقف غامض وملتبس منذ سقوط نظام الرئيس مبارك. لم تكن هي المبادرة بالمظاهرات الأولى في ميدان التحرير، في كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) 2011. وقد انضم مناضلوها في النهاية إلى الثورة، مع الحفاظ على مسافة معينة بينهم وبين المحتجين.
وفي وقت لاحق، راوغ الإخوان المسلمون بين مداراة الجيش وبين مواجهته. وكانوا على الخصوص "غير قادرين على تشكيل تحالفات من شأنها أن تتيح لهم صياغة توافقية" للدستور، كما يكتب آلان غريش على موقعه. "وكذلك لتهدئة مخاوف بعض الأقباط والنساء والمثقفين". وأخيراً، كان تقديمهم مرشحاً للرئاسة، مناقضين بذلك التزامهم قبل عام بعدم تقديم أي مرشح، أمراً أساء كثيرا لمصداقيتهم.
وخلال الأيام الأخيرة، وفيما كان بعض أعضائه قد نددوا بقرار المحكمة الدستورية يوم الخميس، أعلن المرشح الرئاسي محمد مرسي أنه يحترم قرار المحكمة، في حين قدر رئيس مجلس الشعب المنحل، سعد الكتاتني أن "الشعب المصري الذي انتخب بحرية وشفافية أعضاء المجلس، قادر على إعادة انتخاب غيرهم وقادر على حماية مكاسب الثورة". وذلك حسب آلان غريش، أسلوب من أساليب الإخوان المسلين في التأكيد أنهم حزب نظام وانضباط.
ما مراحل السياسة المقبلة؟
سيعهد بصياغة الدستور الجديد إلى "اللجنة الدستورية" التي سيُعيّنها الجيش الذي يبرر قراره بتأكيد القول إنه سوف يعبر عن جميع شرائح المجتمع. وأمام هذه اللجنة ثلاثة أشهر لإنجاز هذا العمل. لكن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تعهّد مرة أخرى يوم الاثنين بتسليم السلطة لرئيس الدولة الجديد قبل 30 حزيران (يونيو) المقبل، يمنح لنفسه حق الاعتراض على أي بند من البنود التي يراها "تتعارض مع مصالح البلاد". ولا يمكن، كما يقول بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة، تنظيم انتخابات تشريعية جديدة إلا بعد اعتماد الدستور عن طريق الاستفتاء. ويقلو جان نويل فيرييه إن الوضع في مصر سيظل في الأشهر المقبلة غير مستقر إلى حد كبير.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Egypte: derrière la présidentielle, l'armée toute puissante

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق