تجاذب القوى العظمى في الشرق الأوسط

تم نشره في السبت 16 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

نداف ايال-معاريف
هذا الاسبوع، قطعت واشنطن وموسكو حفلتهما التنكرية. فليس بعد اليوم تصريحات تلميحية عن الحاجة للعمل المشترك، التشديد على الاتفاق حول "خطة أنان" للهدوء في سورية والدعوات النبيلة للسلام الاقليمي. هذا الاسبوع، قررت الولايات المتحدة اطلاق رصاصة تحذير فوق رأس الكرملين. ونحو ساحة القتال هذه انطلقت بكسل معين هيلاري كلينتون. ستكون هذه هي ولايتها الاخيرة كوزيرة للخارجية، والمواجهة مع روسيا بوتين يمكنها فقط ان تحسن شعبيتها المتصاعدة، ولكن أقوالها بقدر ما كانت تريد ان تقولها على أي حال، لا يمكنها ان تُقال إلا اذا كان أقرها الرئيس اوباما.
وقالت وزيرة الخارجية، نحن قلقون من توريد مروحيات هجومية روسية لدمشق. الجملة التالية لذلك اتهمت الروس بالازدواجية. عندما قالت ذلك، بتنسيق أو بغير تنسيق، أعلن رئيس بعثة مراقبي الامم المتحدة إلى سورية بأنه تجري في الدولة حرب أهلية. هذه كلمات تمس أساسا النظام في دمشق؛ فهي نبوءة تجسد نفسها. وصف لفظي ذو معان سياسية. سهل الاشتباه بالامم المتحدة في ان يكون هذا الاعلان نتيجة مباشرة للتكتيك الجديد لنظام الاسد: اطلاق النار على مراقبي الامم المتحدة عندما يقتربون من المناطق التي تجري فيها "تطهيرات". كان هذا، ربما، طريق الأمم المتحدة للإيضاح بأنها لا يمكنها ان تمس بالسوريين بالرصاص الحي، ولكن بالتأكيد يمكنها ان تمس – وستمس – بالتصريحات العلنية.
خليط هجوم كلينتون على الروس، مع قول الامم المتحدة عن الحرب الأهلية، خلق أساسا متينا لعمل سياسي. الروس لا يمكنهم تجاهل خطوة غربية فظة ومكشوفة جدا. ففي غضون أقل من يوم واحد أعلن سرغي لافروف خلال زيارة إلى طهران أن:
1 - لا يمكن اتهام الروس بتوريد السلاح للسوريين، ولا سيما ليس الولايات المتحدة التي تسلح العناصر الاخرى في النزاع (بزعمه)،
و2 - الروس لم يوردوا مروحيات هجومية للسوريين.
على مستوى الحقائق الضيق، لافروف على ما يبدو محق: موسكو وقعت على اتفاق تصليح وتجديد مروحيات لسورية، مروحيات سبق ان وردتها لهم منذ عهد الاتحاد السوفييتي. ولا يدور الحديث، كما تعترف حتى محافل اميركية، عن سلاح جديد. ولكن في ذروة القتال في سورية، ومع الأخذ في الحسبان السيطرة الجوية المطلقة لسلاح الجو السوري، فإنه حتى صفقة من هذا النوع تكون ذات مغزى شديد في الصراع الداخلي.
ماسوشية بوتين
النقطة هنا هي بالطبع ليست صفقة المروحيات القتالية. فالأميركيون يستخدمونها كي يحققوا مكسبا سياسيا دوليا حيال الموقف الروسي، والإيضاح للكرملين ايضا بأن افعاله مكشوفة أمام ناظريهم. فبعد اشهر من محاولة اقناع موسكو وبكين بالعمل، فإن المزيد والمزيد من الاصوات في واشنطن تدفع نحو نشاط دبلوماسي وأمني فاعل.
ففي نهاية الاسبوع الماضي تحدث لأول مرة مسؤول أميركي عن تفعيل الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة في السياق السوري (كان هذا بالذات تيموثي جايتنر، وزير المالية، وقد تحدث في سياق العقوبات). الفصل السابع هو الفصل الذي يمنح فيه مجلس الامن الاذن بأعمال ذات مغزى كالعقوبات أو العمل بالقوة لإعادة السلام والأمن الإقليميين.
بالتوازي، فإن فرنسا – وعلى ما يبدو بتنسيق مع البيت الابيض – أعلنت أنها ستضع على طاولة مجلس الامن اقتراحا رسميا بتبني خطة أنان في إطار الفصل السابع. هذا فخ سياسي مركب للصينيين والروس – فهم قبلوا خطة أنان لأنهم كانوا يعرفون بأنه لن يخرج منها أي شيء. أما الآن، فإن الغرب يقول لهم: هيا نعطي هذه الخطة مفعول مجلس الأمن. التنكر، الامتناع والإحباط ستكشف مرة أخرى الكذبة الأساس للصينيين والروس. جس النبض الدبلوماسي هذا أكثر إقلاقا مما يبدو.
فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي نجح الغرب وروسيا (والصين) في الوصول إلى توافقات معينة على اعمال في اثناء الازمة. وعندما لم يتفقوا، روسيا على أي حال كانت ضعيفة وصندوق أدواتها كان محدودا. وقد مل الروس تدخل الناتو في البوسنة في التسعينيات، وكان هذا مسا بحلفائهم التاريخيين في الصرب، ولكن لم يكن لهم بديل.
وبالفعل، هذا واقع انقضى من الوجود. موسكو بوتين قلقة جدا على كرامتها الوطنية. وهي تكاد تجتهد لاستعادة خطوط المواجهة من الحرب الباردة. ويُقال في صالحها انها تنجح جدا. الأميركيون سيقولون – موسكو تنجح، وهي ترتب لنفسها سلاحا نوويا اضافيا لإيران على حدودها وحربا أهلية جهادية في سورية. مثل هذا النجاح السوري، هو نجاح سادي – ماسوشي (استمداد اللذة من تعذيب الآخرين وتعذيب الذات).

التعليق