عولمة الحرب على الإرهاب.. تداعيات مقلقة

تم نشره في الخميس 7 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً
  • أسلحة قتل متطورة تستخدمها البحرية الأميركية في "الحرب على الإرهاب" - (أرشيفية)

أندرو بيسفيتش*
 (ميدل إيست أونلاين) 29/5/2012

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

فيما هو يخوض حملة من أجل إعادة انتخابه، يعيد الرئيس أوباما إلى أذهان جمهوره بين الفينة والأخرى نجاحه في إنهاء حرب العراق التي لا تحظى بشعبية على نحو عميق. ويتعهد، وهو ينشد الحظ، بعمل نفس الشيء بالنسبة للحرب في أفغانستان التي لا تحظى بالشعبية بنفس المقدار. وإذا لم يكن صانع سلام بالضبط، فإن رئيسنا الفائز بجائزة نوبل للسلام (مع بعض التبرير) يستطيع الادعاء بأنه واضع حد للحرب على الأقل.
ولكن، وعندما يتعلق الأمر بالسياسة العسكرية، يشكل نجاح إدارة أوباما في إسدال الستارة على الحروب التي خيضت على مرأى من الجميع نصف القصة وحسب، لا بل وأقل من نصفها. ولعل الأكثر دلالة وأهمية هو تحمس الرئيس المستمر للتحريض على شن الحروب السرية، أو توسيع رقعتها، وهي تلك الحروب التي يجري خوضها بعيداً عن الأنظار وبأيدي قوات العمليات الخاصة.
ربما لم يكن الرئيس فرانكلين روزفيلت هو الذي ابتكر الطائرة، لكنه حول القصف الاستراتيجي خلال الحرب العالمية الثانية إلى واحد من الشعارات الرئيسية لتدشين الطريقة الأميركية في الحرب. ولم تكن لدى الجنرال دوايت آيزنهاور أي صلة بمشروع مانهاتن الذي طور القنبلة الذرية. لكنه تبنى، كرئيس، استراتيجية أيك حول "الرد الجمعي،" والتي جعلت من القنابل النووية محور السياسة الأمنية القومية الأميركية.
وكذلك الأمر مع باراك أوباما وقوات العمليات الخاصة. وكانت قيادة العمليات الخاصة الأميركية (يو أس سوكوم) بقواها التشغيلية التأسيسية -القبعات الخضر وجنود الجيش وفقمات البحرية وما شابه- قد سبقت رئاسته بعدة عقود. ومع ذلك، لم يحقق هؤلاء المحاربون السريون الذروة في التسلسل العسكري الأميركي إلا في عهد أوباما.
وكان الرئيس جون أف. كنيدي، وفق ما اشتهر، قد أعطى للجنود ذوي القبعات الخضر قبعاتهم المميزة. لكن أوباما أنعم على "مجموعة" العمليات الخاصة برمتها بشيء أقل ديكوراً، لكنه أهم بكثير جداً: بوضع مميز يقدم للقوات الخاصة الحد الأقصى من الصلاحيات، بينما يعزلها عن تقلبات السياسة والموازنة أو غير ذلك. وقد يتطلب الكونغرس من البنتاغون الالتزام ببعض إجراءات التقشف شد الأحزمة (والتي تكون متواضعة جداً)، عدا عن شيء واحد بالتأكيد: لن يطلب أي أحد من قوات "يو أس سوكوم" اتباع حمية غذائية. وما تريده فئات القوات الخاصة ستحصل عليه، ولكن مع توجيه بعض الاسئلة -وفعلياً، لن يتم طرح أي من هذا "البعض" على الملأ.
وكانت موازنة قوات اليو أس سوكوم قد تضاعفت أربعة أضعاف منذ 11/9. وتبعاً لذلك، تمدد نظام العمليات الخاصة. وراهناً، ثمة ما يقدر بحوالي 66000 مجند وموظف مدني مدرجين في السجلات، وهو ما يمثل زيادة في الحجم بمقدار الضعف منذ العام 2001، مع استشراف المزيد من النمو. لكن هذا التمدد كان قد بدأ أصلاً في ظل رئاسة سلف أوباما. وما يزال إسهامه الرئيس هو توسيع تفويض القوات الخاصة. وكما قال أحد المراقبين، فإن البيت الأبيض في عهد أوباما يسمح لقيادة العمليات الخاصة "بتولي القيادة".
وكنتيجة لذلك، تذهب قوات اليو أس سوكوم الآن إلى مزيد من الأماكن، وتتولى مزيداً من المهمات، بينما تتمتع بحرية أكثر في العمل مقارنة مع السابق. وفي أعقاب عقد امتص فيه العراق وأفغانستان حصة الأسد من الاهتمام، تم إهمال مساحات من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية التي تتعرض لمراقبة أكبر. وأصلاً، تعمل القوات الأميركية الخاصة في العشرات من البلدان حول العالم -نحو 120 مع نهاية هذا العام- في نشاطات تتراوح بين الاستطلاع ومكافحة الإرهاب وتقديم المساعدات الإنسانية، و"العمل المباشر". أما الشعار التقليدي لجيش القوات الخاصة فهو ("لتحرير المكبوتين"). وثمة نداء لقوات العمليات الخاصة ككل، قد يكون: "قادمون إلى بلد من العالم الثالث بالقرب منكم!"
ويشير استبدال القوات التقليدية بقوات العمليات الخاصة كآلية عسكرية أميركية مفضلة -"قوة الاختيار" استناداً إلى قائد اليو أس سوكوم، الأدميرال وليام ماكرافن- إلى استكمال إعادة الموضعة الثقافية للجندي الأميركي، والتي استغرقت عقوداً. ولم يعد جندي الجيش الأميركي هو ذاك الذي مثله ذات مرة رسام الكاريكاتير بيل مولدين في عمله الأيقوني "ويلي وجو"، وإنما حل محله المحارب المحترف النخبوي لهذه الأيام. وكانت مخلوقات مولدين تشكل أبطالاً، لكنهم لم يكونوا أبطالاً خارقين. وتعد قوات الفقمة الجسورة التي قتلت أسامة بن لادن بمثابة "المنتقمين" وقد تجسدوا باللحم وبالدم. كان ويلي وجو يشبهنا "نحن". أما قوات الفقمة فيمكن أن تكون أي شيء باستثناء "نحن". إنها تحتل مركزاً أساسياً فوق الأحياء. وتقف أميركا محتارة أمام مهارتهم وشجاعتهم.
ولهذا التحول الثقافي تداعياته السياسية المهمة. فهو يمثل التجسيد الكلي للهوة التي لا قعر لها والتي تفصل الآن بين العسكريين والمجتمع. وبينما ينعي البعض، اسمياً، هذه الفجوة، بمن فيهم وزير الدفاع السابق روبرت غيتش ورئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة السابق الأدميرال مايك مولن، فقد نمت هذه الفجوة المدنية-العسكرية فقط على مدار العقود، وتراها أصبحت الآن مقبولة كأنموذج. وكان من أحد التداعيات أن أقدم الشعب الأميركي على مصادرة حقوق المالك من جيشه الذي أصبح لديه سيطرة على توظيف القوات الأميركية أقل من سيطرة النيويوركيين على إدارة فريقي النيكس أو اليانكيس.
وكمشاهدين معجبين، قد نأخذ كقيمة اسمية شهادة الخبراء (حتى لو كانت تلك الشهادة نزيهة نادراً) والذين يؤكدون لنا بأن الفقمات والرينجرز والقبعات الخضر... إلخ هي أفضل الأفضل، وأنها مستعدة للانتشار بإخطار لحظي، بحيث يتمكن الأميركيون من النوم بعمق في أسرتهم. وإذا كانت الولايات المتحدة منخرطة فعلاً، كما سبق للأدميرال ماكرافن وأن قال، في "نضال جيلي" فإننا بالتأكيد نريد هؤلاء الأولاد في زاويتنا.
وحتى مع ذلك، فإن السماح للحرب في الظلال بأن تصبح الطريقة الأميركية الجديدة في الحرب لن يمر من دون تبعات سلبية. وثمة ثلاثة مسوغات تفرض علينا التفكير مرتين قبل أن نحيل الأمن الكوني للأدميرال ماكرافن ورفاقه.
وداعاً للمحاسبة: ويوجد الحكم الذاتي، شأنه شأن المحاسبة في تناسب عكسي مع بعضهما بعضا. ولك أن تأتي بالأول وتقبّل الآخر مودعاً. ومن الناحية العملية، فإن الشيء الوحيد الذي يعرفه الجمهور حول نشاطات القوات الخاصة هو ما يختار جهاز الأمن القومي كشف النقاب عنه. فهل تستطيع الاعتماد على أولئك الذين يتحدثون نيابة عن ذلك الجهاز في واشنطن ليقولوا لك الحقيقة؟ وإذا كنت تستطيع، فليس أكثر من اعتمادك على "جيه بي مورغان تشيز" لإدارة أموالك بنزاهة. ومن المسلم به أن معظم القوات تفعل الشيء الصحيح هناك في الميدان معظم الوقت. ومع ذلك، وبين الفينة والأخرى، سوف يحيد أعضاء من قوة نخبوية عن الطريق المستقيم والضيق. (حتى أسابيع قليلة مضت، عدّ معظم الأميركيين عملاء الجهاز السري في البيت الأبيض جزءاً من قوة نخبة). وتجدر الإشارة إلى أن الأميركيين ينطوون على ميل قوي لإيلاء ثقتهم للعسكريين. ومع ذلك، وكما قال جمهوري مشهور ذات مرة: ثق، لكن عليك أن تتحقق. وليست هناك أشياء تخضع للتحقق وتبقى أسراراً. وهكذا، تعتبر قضية اليو أس وصفة مثالية للقلق.
ثانياً: مرحباً بالرئاسة الإمبريالية. من وجهة نظر رئيس، فإن واحداً من الأشياء الرائقة فيما يتعلق بالقوات الخاصة هو أنه يكون باستطاعته إرسالها حيثما يشاء لتنفيذ ما يوجهها لفعله. وما من حاجة لطلب الإذن أو للتفسير. ولا يعني توظيف اليو أس سوكوم كأداتك العسكرية الخاصة أن عليك أن تعتذر أبداً. فعندما تدخل الرئيس كلينتون في البوسنة أو كوسوفو، وعندما غزا الرئيس بوش أفغانستان والعراق، كانوا قد خرجوا على شاشة التلفاز، على الأقل، لاطلاع بقيتنا على الأمر. ومهما تكن الاستشارات روتينية، فإن البيت الأبيض قد تحدث، على الأقل، في الأمور مع القادة في الكابيتول هيل (الكونغرس). ونادراً ما يعمد أعضاء الكونغرس حتى إلى الإدلاء بأصواتهم للتعبير عن موافقتهم أو معارضتهم لعمل عسكري معين. ومع القوات الخاصة، لم تعد ثمة ضرورة للإخطار أو التشاور. فالرئيس وتابعوه يتمتعون بمطلق الحرية. وبناء على السوابق التي أرساها أوباما، فسيتمتع الرؤساء الكسالى وغير المبالين بهذا الامتياز بشكل لا يقل عن ذلك الذي يتمتع به أولئك الرؤساء الأذكياء المنطوون على النوايا الجيدة.
ثم ماذا... بعد؟ فيما تجول القوات الخاصة الأميركية العالم لتذبح الأشرار، يصعد السؤال الشهير الذي كان ديفيد بتريوس قد طرحه عشية بدء غزو العراق -"قولوا لي كيف ينتهي هذا؟" إلى مستوى الأحجية التلمودية. ومن المؤكد أن ثمة الكثيرين من الأشرار الذين يبيتون لنا السوء (في الشرق الأوسط الكبير بشكل رئيسي، ولكن ليس بالضرورة). فكم هم الذين ستقوم قوات اليو أس سوكوم بتصفيتهم قبل إنجاز المهمة؟ وتصبح الإجابة عن ذلك السؤال صعبة تماماً في ضوء أن بعض القتل ينطوي على تبعات، مثل إضافة مجندين جدد إلى صفوف أولئك الذين يضمرون السوء.
وباختصار، يقطع تسليم الحرب إلى القوات الخاصة الرابط المتعب أصلا بين الحرب والسياسة: فتصبح الحرب ممكنة لغاية الحرب في حد ذاتها. هل تذكرون حرب جورج دبليو بوش "الكونية على الإرهاب"؟ إنها في الحقيقة لم تكن حربه كونية أبداً. إن الحرب التي تشن عبر عمليات خاصة أولاً فقط يمكن أن تصبح كونية -ولا تنتهي أبداً. وفي تلك الحالة، يمكن أن تتحقق نبوءة الأدميرال ماكرافن حول "الكفاح الجيلي".
*أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة بوسطن وتوم ديسباتش ريغيلار. وهو محرر الكتاب الجديد "القرن الأميركي القصير" الذي نشرته مؤخراً مطبعة جامعة هارفارد.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Unleashed: Globalizing the Global War on terror

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق