لم تكن حرب تضليل

تم نشره في الأربعاء 6 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

هآرتس

اسحق ليئور 5/6/2012

إن وصف حرب لبنان بأنها "حرب تضليل" ("خدعة الاربعين كيلو مترا") أحدث نقضا بالتأييد الواسع المتحمس للحرب في بدئها بعد أن عرفت البلاد قبل إعلانها بسنة على الأقل بأنه يخطط لحرب كبيرة. فقد وجدت تدريبات ضخمة للقوات المدرعة اطلع على سرها الضباط الصغار أيضا، فبدأ شق شوارع وكان محللون حصلوا على معلومات عن "الخطة الكبيرة" ونشروها في الصحف. فقد عرف الجميع لكن المعارضة تأخرت.
احتل البوفور واصبح قتلى صور وصيدا ملقين في الشوارع. وانشد صحفيون نشيد المدح لأشجار الكرز، وفجر الجيش الاسرائيلي المسجد في عين الحلوة في مئات من المتحصنين فيه ومنهم أولاد، وسحقت بيروت ولم يوجد مع كل ذلك في اسرائيل معارضة للحرب سوى معارضة اليسار المتطرف الذي شمل من البدء تحت مظلة حداش حركات الجامعات و"لجنة التعاطف مع جامعة بيرزيت". وفي يوم الحرب الثالث اصبحت "لجنة معارضة الحرب في لبنان" التي قامت بالنضال وسلسلة مظاهرات انتهى بعضها الى وقوع جرحى واعتقالات.
كان الطلب هو "الانسحاب من الفور" لأنه كان من المهم ان تعرض الحرب من بدئها على أنها غير شرعية. وكان ذلك اذا نظرنا الى الوراء أهم حادث في سياسة الاحتجاج.
كانت الحرب ترمي كما فرض مئات النشطاء الى تحطيم منظمة التحرير الفلسطينية ومنع إنشاء دولة فلسطينية ولهذا ينبغي معارضتها، ونجح ذلك. وما كانت حركة "السلام الآن" لتخرج بعد ذلك في مظاهراتها لولا خشية "ان تفقد الشارع". وكان يمكن أن نقرأ هذه التوصيات صريحة لصحيفة "عل همشمار"، وهي صحيفة اليسار الصهيوني. فكنا نقرأ الدعوة الى عدم إتاحة الفرصة "لراكاح وماتي بيلد" للسيطرة على معسكر السلام. لكن معارضي "يوجد حد" المائة والخمسين الذين مضوا الى السجن حتى سنة 1985 والتهرب الجماعي من الخدمة الاحتياطية والمنشورات والكتابات الجدارية والمظاهرات أدت دورا رئيسا في المعارضة.
إن الفشل العسكري في خريف 1982، افضى بالنخب وبأساتذة الجامعات وموظفي الادارة وضباط الخدمة الاحتياطية الى ان يصبحوا "موزعي الأهواء". فكان ثمّ من جهة الخوف من الفشل المتصل، ومن جهة اخرى عدم القدرة على قول ان حربا ما للجيش الاسرائيلي لست مشروعة.
طلبت حركة "السلام الآن" في مظاهرة ال 400 ألف في ايلول بإنشاء لجنة رسمية لتحقيق مجزرة صبرا وشاتيلا، وإسقاط الحصار عن بيروت، و "تجريد المسلحين من سلاحهم". وهذا الطلب الثالث منح الحرب على الفلسطينيين الشرعية. بل ان مطرقة "الاربعين كيلو مترا" لم يذكر أنها هدف للانسحاب. ولم تجرؤ هذه الحركة المهمة التي ما كنا لنتخيل معارضة الحرب لولا وجودها، لم تجرؤ حتى 1985 على تحدي شرعية الحرب وطلب "انسحاب الآن"، فهو عنصر اخذ يتغلغل في الرأي العام.
"لن نموت ولن نميت خدمة للولايات المتحدة. لم يكن هذا هتافا من شيوعيين قليلين في المظاهرات. واصبحت انشودة "اهبطي الينا ايتها الطائرة الهوائية  لنعود في تابوت" التي صدرت عن حركة "يوجد حد" اصبحت نشيطا جماعيا للجنود. ولأول مرة في تاريخ اسرائيل أدرك الجيش انه ليس له شيك مفتوح للحرب.
ضاع هذا الانجاز بالتجريج، فلكل سلطة قدرة على استعادة الوعي. وكان اليسار الاسرائيلي من جهته مشغولا كعادته بتأسيس نفسه من جديد في كل مرحلة من مراحل النضال التالية، ولم ينشئ ذاكرة له يورثها الجيل التالي. وبالجملة فإن الاسرائيليين غير قادرين على الندم على الخطايا. فإلى اليوم لم يتم اجراء حساب لحماسة ايام الحرب الاولى التي افضت الى تلك الكارثة الطويلة، ونسي الأموات. بل لم يتم احصاء عشرات آلاف الموتى من الطرف الثاني هنا. وننتقل الآن الى ايران.

التعليق