إدانة مبارك: نقطة تحول هائلة، ولو أنها غير حاسمة

تم نشره في الأربعاء 6 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً
  • الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك خلف القضبان - (أرشيفية)

رامي خوري*
 (ميدل إيست أونلاين) 3/6/2012

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

الإدانة والحكم بالسجن مدى الحياة الذي صدر يوم السبت في حق الرئيس المصري السابق حسني مبارك ووزير الداخلية السابق حبيب العادلي، يشكلان نقطة انعطاف هائلة –ولو أنها ما تزال غير دقيقة المعالم- في سياق المعركة الكبرى والمهمة التي ميزت العالم العربي على مدى الجيلين الأخيرين، والستين عاماً الأخيرة من الحكم العسكري غير المنقطع في مصر: المنافسة بين ما إذا كانت ستحكم الشعب العربي سلطات مدنية متمتعة بالشرعية الديمقراطية، أم أنه سيحكمه حكام عسكريون يفرضون أنفسهم ويكرسون ذواتهم وديمومتهم بالقوة.
وتظل هذه الإدانات عظيمة، لأنها تؤشر، رمزياً، على انتصار عشرات الملايين من المصريين -ومعهم عدة مئات من ملايين العرب الآخرين- الذين أطاحوا بأربعة من الأنظمة، وتحدوا بشكل خطير اثنين آخرين في الأشهر الثمانية عشر الماضية، مطالبين بمحاسبة حكامهم الدكتاتوريين عن فسادهم ووحشيتهم وسوء استخدامهم للسلطة. وأخيراً، حقق المتظاهرون الذين تحدوا المخاطر، وكثيراً ما واجهوا الموت، أهم هدف رمزي سعوا إليه، وهو محاكمة وإدانة وسجن حسني مبارك وحبيب العادلي مدى الحياة. ويمثل هذان الرجلان أهم الرموز التي تعبر عن الآلاف من المسؤولين الآخرين غير الأكفاء الذين أهانوا الشعب المصري وعاملوه بوحشية على مدى عقود. كما يجسدان أيضا نظام الحكم العسكري الذي أثرى دائرة صغيرة من المقربين، في الوقت الذي أحال فيه ما تبقى مما يزيد عن 80 مليون مصري إلى مواجهة دورة طويلة ومهينة من الرداءة والفقر والتهميش.
في السنوات الثلاثين الماضية من حكم مبارك، تحول الشعب المصري الذي طالما كان أبياً ومنتجاً إلى حطام وموضوع للسخرية على أيدي حكامه العسكريين الاستبداديين. وربما كانت إدانة وسجن هذين الرجلين مدى الحياة، بحكم صادر عن محكمة مصرية أصلية، هي الرغبة الأكثر انتشاراً وعمقاً لدى الشعب المصري خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية. وقد أرسل ذلك رسالة تفيد بأن أولئك الذين يسيئون إلى شعوبهم ويحطون من قدرهم سوف يُحاسبون ذات يوم، وبأن الرأي العام العالم العربي مهم ويمكن أن يُحدث فرقاً مرة أخرى.
ومع ذلك، وعلى مستوى آخر، تبقى حالة المحكمة هذه غير دقيقة في معناها الكامل أيضاً، سواء بسبب العيوب التقنية، أو من خلال بعض الرسائل السياسية القوية الكامنة وراءها. وتتعلق العيوب الفنية بالشكوك الواسعة حول الكيفية التي تمكن بها إدانة اثنين من كبار القادة بالتسبب في وفاة مئات من المتظاهرين، في حين يُوجد ستة من كبار ضباط الشرطة والأمن الذين كانوا مسؤولين علن تنفيذ الأوامر أبرياء ويتم إطلاق سراحهم. وهذا ما يلتقط الرسالة السياسية الأساسية التي يخشى كثيرون من كونها متأصلة في الأحكام الصادرة اليوم السبت: إن دولة الأمن المصرية على استعداد للتضحية بواحد أو اثنين من كبار المسؤولين من أجل تهدئة الغضب الشعبي، بينما يتم الاحتفاظ بالسيطرة على السلطة الحقيقية في البلاد من خلال شبكة من الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات.
وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية بسبب توقيت صدور الأحكام، قبل أسبوعين من عقد انتخابات الإعادة الرئاسية، وتسليم السلطة المزمع إلى السلطات المدنية من المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يحكم مصر منذ إسقاط مبارك في شباط (فبراير) 2011. ويمثل أحد المرشحين الرئاسيين، أحمد شفيق، وهو قائد القوات الجوية السابق وآخر رئيس وزراء في ظل حكم مبارك، محاولة الحرس القديم المدعوم من الجيش للاستمرار في القبض على السلطة، ولإلغاء وتعطيل مكاسب الثورة فعلياً. ويزيد حكم المحكمة الأخير حجم المخاوف الشائعة لدى كثير من المصريين من أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة إنما يقوم بحماية الجوهر التشغيلي العميق للدولة الأمنية وإخفائه عن أنظار الرأي العام والمساءلة، ومن أنه سوف يعمل أيضاً مع البيروقراطية الهائلة القائمة والأجهزة الأمنية العديدة على هندسة انتصار لشفيق على مرشح جماعة الاخوان المسلمين، محمد مرسي.
ويشير منتقدو المجلس العسكري الأعلى، على سبيل المثال، إلى أن حكومة مبارك السابقة استخدمت المحاكم العسكرية المنحازة لمحاكمة ما يقرب من 2000 من منتقدي النظام على مدى 30 عاماً، في حين استخدم المجلس العسكري الآن تلك المحاكم العسكرية ذاتها لمحاكمة أكثر من 12.000 من المصريين خلال السنة والنصف الماضيين، وفقاً لتقديرات منظمات حقوق الإنسان التي تراقب هذه المسألة.
هذا هو السبب في أنه في الوقت الذي يلبي فيه قرار المحكمة الحاجة الشعبية إلى تطبيق العدالة والقصاص ضد الطغاة السابقين، فإنه يزيد فقط من حدة المخاوف في جميع أنحاء مصر والعالم العربي حول ما إذا كان بوسع منطقتنا أن تتخلص أبداً من الحكام العسكريين، وتتمتع بالحكم الديمقراطي المدني الحقيقي. وتبقى هذه هي المعركة المركزية الدائرة في العالم العربي اليوم، والتي تكشف عن نفسها بأشكال مختلفة في جميع أنحاء المنطقة، في بلدان مثل مصر وتونس وسورية واليمن والبحرين وليبيا.
لقد تمت إدانة الحاكمَين العسكريين العجوزين وسجنهما في القاهرة الأسبوع الماضي، لكن صرح الحكم العسكري ما يزال قائماً في مكانه إلى حد كبير. وما يزال مئات الجنرالات والعقداء يتنافسون ويتفاوضون على السلطة مع السلطات المدنية الجديدة التي تحاول أن تجد لها موطئ قدم في بلد ما يزال يختبر المراحل الأولى من إعادة تعريف نفسه، وتقرير ما إذا كانت حكومته سيديرها مدنيون منتخبون أم المزيد من الجنرالات العجائز. وهكذا، ما تزال المعركة العظيمة من أجل روح وهوية مصر والعالم العربي مستمرة.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق