"الأقلوية" والديمقراطية والنمو الاقتصادي

تم نشره في الأحد 3 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً

جواد العناني

سمعت مصطلح "الأقلوية" لأول مرة من الباحث اللبناني د. زياد الصايغ، عندما قدم ورقة يوم الثلاثاء الماضي في منتدى "وانا" الرابع (ترمز "وانا" إلى منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا). والمصطلح يرمز إلى الأكثرية السكانية التي تتصرف كأقلية، أو تُعامل معاملة الأقلية. وهنالك أمثلة صارخة كثيرة في التاريخ والوقت الحاضر للاستدلال على هذا الأمر.
ففي عهود الإقطاع مثلاً، تحكمت أقلية إقطاعية تملك مساحات شاسعة من الأرض بالآلاف من البشر العاملين عليها. وقد كانت هنالك ثورات كبيرة على الإقطاع في أوروبا بعد الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر في بريطانيا. وكذلك قضي على الإقطاع في إيطاليا بعد ما احتل القائد الإيطالي "غاريبالدي" صقلية. وحصل ذات الأمر في روسيا وأوكرانيا بعد الثورة البلشفية.
ويلاحظ أن عصر الإقطاع اتسم دائماً بالعبودية واستغلال البشر للعمل كقوى عاملة رخيصة. كما اتسمت عصور الإقطاع وهيمنة الإنتاج الزراعي على مجمل الاقتصاد، بتراجع الديمقراطية، وسيطرة رأس المال بالمشاركة مع السياسة على إدارة شؤون البلاد والعباد.
ورأينا تكراراً لهذا الأمر في العقود الأخيرة في دول مثل جنوب أفريقيا. وقد اشتقت كلمة "أبارتايد" من "الأفريكانا"، وتعني الفصل أو الإقصاء. وفي هذا الزمان، باتت سياسات الفصل والإقصاء غير مقبولة، ولا يمكن أن تكون هنالك ديمقراطية وعدالة في المجتمعات التي تتحكم فيها أقلية بالأكثرية، أو بوجود نظام "الأقلوية". ويذكرنا هذا بالسياسات العنصرية التي تنتهجها اسرائيل ضد غير اليهود، كما هو حاصل مع الشعب الفلسطيني، وكذلك ما يحصل ضد الأفارقة المهاجرين.
وقد نتج عن نظام "الأقلوية" في الوطن العربي ظلم مزدوج؛ سياسي واقتصادي. وكانت تونس الدولة المتجانسة نسبياً، يشار إليها من قبل المؤسسات المالية الدولية بأنها مثال يستدل به على نجاح نموذج الانفتاح والتركيز على التصدير. ولكن هذا النمو الذي بلغ لعقد من الزمان ما معدله أكثر من 6 %، لم يقلل من نسب البطالة والفقر. وإمعاناً في الظلم، فقد ارتفعت نسبة مساهمة القطاع غير الرسمي في الاقتصادي التونسي حتى وصلت ثلث الاقتصاد. فيما استأثر "الحاكم بأمره" هناك، مع وفئة منتفعة قليلة، بالحكم. فنتج عن ذلك الفساد والاستئثار بالمال، فكان أن ساء توزيع الدخل، واستفحل الفقر، حتى كانت الثورة.
وفي مصر حصل أمر مشابه، خاصة إبان الفترة الممتدة بين العامين 2002 و2009. إذ رأينا إقامة آلاف الأبنية الشاهقة، والمشروعات الكبرى في شرم الشيخ والغردقة وساحل البحر المتوسط بالقرب من القاهرة، وحتى العلمين ومرسى مطروح. وشاهدنا أسوان والأقصر وقد علا فيهما البنيان. ولكن هذا كله لم يكن عاكساً لواقع الحال في مصر. فالملايين في القاهرة تعيش في مناطق مزدحمة لا تصلح للحياة البشرية، عدا عن الساكنين بين القبور، والمناطق الريفية فيها فقر كثير.
ولما ظن الجميع أن الوضع مستقر، فإذا به ينفجر! فأسلوب الإقصاء السياسي، واستفراد بعض المتنفذين في الحكم، ونسيانهم المطلق للمهمشين والمبعدين والمقتلعين، حاق بهم في نهاية المطاف.
وفي دراسة قدمها الباحث الدولي "هيرناندو دي سوسا"، قدر قيمة الاستثمارات غير المرخصة في القطاع غير الرسمي في مصر، حسب أرقام العام 2004، بحوالي 290 مليار دولار. واقترح "دي سوسا" أن ترخص هذه المباني، وأن تقدم لها الخدمات لتحسين أحوالها، وأن تؤخذ مقابل ذلك رسوم ترخيص، لو بلغت سنوياً 5 % من قيمة هذه العقارات لاستطاعت مصر بـ15 مليار دولار (أو ما يساوي آنذاك 90 مليار جنيه) أن تعالج مشكلة الفقر.
وها نحن نرى "الأقلوية" في سورية لا ترضى بحكم أقليتها، لا سياسياً ولا اقتصادياً. والدماء هنالك تسيل.
وها هو الأردن الأكثر اعتدالاً وتعقلاً، بحاجة إلى أن يكون صادقاً مع نفسه، وأن يواجه التحدي الماثل في قانون الانتخاب، فلا يجوز أن يقصى أحد. وإن كنا نعترف أن تحقيق العدالة الكاملة في الجولة القادمة من الانتخابات لا يمكن أن يحصل، إلا أن اتخاذ خطوات ملموسة في ذلك الاتجاه تريح الناس.
والمعضلة الاقتصادية في الأردن لن تحل بالإجراءات الاقتصادية وحدها، بل ِبرُزمة سياسات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، وبتحفيز همم الجميع نحو العمل الجاد.
الأقلوية لا تحفز على الإنتاج، ولا تحقق العدالة في التوزيع، ولا تضمن الحوكمة لمنع الفساد والظلم الاجتماعي بين مختلف الفئات، في الريف والمدن والبادية والمخيمات.
ولو تمعنا اليوم في واقعنا بعين مجردة باحثة عن الحقيقة، فإننا سنرى أن الشعور "بالأقلوية" يصيب عدداً كبيراً من الفئات المختلفة. ومع أننا لا نستخدم التعبير، إلا أننا نترجمه في كلامنا وحججنا ومطالباتنا من الدولة عموماً، ومن الحكومة بشكل خاص.
فالنساء اللواتي يطالبن بأن يعاملن في القانون معاملة الرجال، هن اللواتي يشعرن بالظلم. والنساء في الأردن يمثلن حوالي 49 % من السكان، ولكن معدل عمرهن أكبر من الرجال بحوالي ستة أشهر. ومع هذا، فالنساء يشعرن أن هنالك كثيرا من الأمثلة على تهميشهن، مثل عدم مساواتهن بالرجال في منح أبنائهن الجنسية الأردنية، علماً أن هذه الجنسية تمنح للمرأة الأجنبية المتزوجة من أردني.
وأهل الريف والبادية يشعرون كذلك أنهم مهمشون بالمقارنة مع سكان عمان والمدن الكبرى التي تحظى بالنسبة الأكبر من الخدمات والفعاليات الإنتاجية وغيرها.. بينما هم محرومون من هذا، بل ويرون حسب رأيهم أن مياههم وثرواتهم تنقل إلى المدن بدون مقابل مقنع.
والكل له شكوى وحكاية. وقد تكون تلك الشكاوى مبررة، وقد يكون لها جواب شافٍ ورد مقنع. ولكن لا بد من إبراز هذه الإجابات وعرضها على الناس، حتى نزيل عنهم الظن بأنهم منسيون وغائبون كلية عن شاشات المسؤولين.
في هذا الزمان، زمن المعلومة والعولمة والصوت العالي، لم يعد من الرشاد النظر إلى الناس من علٍ أو من أبراج عاجية؛ بل إن التفاعل والتواصل معهم، وإنصافهم في المعاملة، هو ما سيخرطهم في العملية التنموية. أما إهمالهم فلن يزيدهم في زمن تراجع القطاع العام إلا تشدداً في طلب كل ما يريدون في زمن ترى فيه الحكومات أن طاقتها على التلبية محدودة، ولكن قدرتها على المواجهة محفوفة بالمخاطر.. وكلا الأمرين أحلاهما مر.

التعليق