روسيا تختار الغياب عن القمم الدولية

تم نشره في الجمعة 1 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً
  • الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - (أرشيفية)

خافيير سولانا*


مدريد - قبل ثلاثة أيام فقط من عودته إلى الكرملين رئيساً لروسيا، التقى فلاديمير بوتين وراء الأبواب المغلقة في مقر إقامته في نوفو أوجاريوفو، مع مستشار الأمن القومي الأميركي توم دونيلون، الذي كان هناك ليؤكد عزم الرئيس باراك أوباما المتجدد على تعزيز أواصر التعاون مع روسيا. لكن دونيلون عاد إلى الديار خالي الوفاض: فقد أخبره بوتين بأنه لن يحضر قمة مجموعة الثماني في 18-19 أيار (مايو) في كامب ديفيد، ولا قمة منظمة حلف شمال الأطلسي في شيكاغو في 20-21 أيار (مايو)، على الرغم من الجهود التي بذلها أوباما لاسترضاء روسيا بنقل مؤتمر قمة مجموعة الثماني من شيكاغو.
ونتيجة لهذا، فإن ما كان ليصبح أول لقاء بين أوباما وبوتين بعد عودته إلى الرئاسة في روسيا تأجل إلى موعد انعقاد قمة مجموعة العشرين في لوس كابوس بالمكسيك في 18-19 حزيران (يونيو). وقد أثار هذا التأخير الكثير من التكهنات.
بعض المراقبين يعزون غياب بوتين إلى التوترات الأخيرة بين روسيا والولايات المتحدة نتيجة لرد بوتين العنيف على الاحتجاجات التي ينظمها معارضوه في الداخل. ويرى آخرون أن انطواء بويتن راجع إلى الصراعات داخل الكرملين.
ولكن، ومهما يكن ما يقود سلوك بوتين، فإن قمتي أيار (مايو) لا بد أن تؤثرا على العلاقات بين البلدين بشكل كبير، نظراً للقضايا الأمنية العالمية التي تُناقش في إطار قمة مجموعة الثماني والحاجة إلى وضع الترتيبات اللازمة لمشاركة روسيا في درع حلف شمال الأطلسي المضاد للصواريخ.
وهناك مسألتان -إلى جانب الاقتصاد العالمي المتعثر- تشكلان أهمية خاصة بالنسبة لقمة مجموعة الثماني. الأولى أن برنامج إيران النووي أصبح الآن في صدارة الجهود الدبلوماسية الدولية. فبعد أكثر من عام من الجمود، استؤنفت المحادثات في نيسان (إبريل). وتشارك روسيا،  باعتبارها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في هذه المحادثات، ويبقى تعاونها ضرورياً لحل واحدة من أكثر المشاكل الدولية إرباكاً اليوم.
وبوسعنا أن نقول نفس الشيء عن دور روسيا في حل الأزمة في سورية، نظراً للعلاقات الاستراتيجية التي حافظ عليها البلدان منذ الحرب الباردة. والواقع أنه في ظل الاحتمالات المتنامية بفشل خطة السلام التي اقترحها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان لحل أزمة سورية، واحتمال اندلاع حرب أهلية هناك، فإن روسيا قد تكون المحاور الوحيد الفعّال المتبقي لدى المجتمع الدولي.
ومن الضروري فضلاً عن هذا التوفيق بين مواقف روسيا والغرب فيما يتصل بنظام الدرع المضاد للصواريخ الذي يعكف حلف شمال الأطلسي على تطويره الآن، والذي يشكل موضوعاً للمناقشة في شيكاغو. ويتلخص الهدف الرئيسي من هذا النظام في حماية أوروبا والولايات المتحدة من هجمات محتملة بواسطة صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى من إيران وكوريا الشمالية. ولكن قادة روسيا يتشككون في الأهداف الحقيقية لهذا النظام الدفاعي، ويعتقدون بأنه من شأنه أن يهدد أمن روسيا بالحد من القدرة الانتقامية (وبالتالي من قوة الردع) لصواريخها النووية.
في العام 2009، بدا الأمر وكأن "نهج التكيف المرحلي" الذي أطلقه أوباما كفيل بتخفيف التوترات الثنائية وتمهيد الطريق أمام معاهدة ستارت الجديدة للحد من التسلح في العام 2010، والتي كانت بمثابة قفزة استراتيجية قامت بها روسيا والولايات المتحدة في اتجاه خفض عدد منصات إطلاق الصواريخ النووية إلى النصف. وفي أعقاب هذا التقدم في نهاية العام 2010، وافق الروس على دراسة احتمالات التعاون مع حلف شمال الأطلسي فيما يتصل بالنظام الدفاعي المضاد للصواريخ.
ولكن الولايات المتحدة كانت غير قادرة على تقديم ضمانات قانونية -وليس سياسية فقط- بأن النظام المضاد للصواريخ في أوروبا لن يعيق قدرة روسيا الاستراتيجية. ونتيجة لهذا، تشعر روسيا الآن بانعدام الثقة إلى الحد الذي جعل رئيس أركان جيشها الجنرال نيكولاي ماكاروف يعلن مؤخراً أن بلاده لا تستبعد شن هجمات استباقية لتدمير أي جزء من الدرع المضاد للصواريخ، والذي ترى فيه تهديداً لأمنها.
ومن بين الحجج الرئيسية وراء هذا الموقف عدم يقين روسيا حول ما إذا كانت الخطوات اللاحقة في "نهج التكيف المرحلي" ستشكل تهديداً لصواريخها الباليستية الاستراتيجية. وتعارض روسيا فضلاً عن ذلك نشر منشآت عسكرية في البلدان التي انضمت إلى حلف شمال الأطلسي بعد العام 1999 -مثل رومانيا- وهي النقطة التي أثارها مؤخراً السفير الأميركي السابق إلى أوكرانيا ستيفن بيفر من مؤسسة بروكينجز.
وفي ضوء خطورة التساؤلات المطروحة في إطار القمتين، فإن حضور بوتين كان ليساعد كثيرا. وبالإضافة إلى القيمة المتمثلة في تحسين الكيمياء الشخصية بين الزعماء، فإن تخفيف التوترات في العلاقات بين روسيا والغرب أصبح أمراً لا غنى عنه، خاصة وأن المفاوضات بشأن الدرع الصاروخية وإيران وسورية، وغير ذلك من القضايا من المحتم أن تكون طويلة -وأن الحلول مرتبطة بها.
الواقع أن وضع الحلول المقبولة اليوم كفيل بفتح الطريق للتوصل إلى اتفاق غير مسبوق بشأن التسلح النووي في العام 2013. وهذه مسألة بالغة الأهمية، وتتطلب بالضرورة قدراً كبيراً من التفاهم بين روسيا والولايات المتحدة.
يتعين علينا أن نبذل كل ما بوسعنا لتنفيذ الاقتراح الذي طرحه دونيلون على بوتين لإعادة ضبط العلاقات، وردم الهوة بين البلدين فيما يتصل بالتخلص من ترساناتهما النووية في المستقبل. وبالنسبة لأوباما، فإن النجاح كفيل بتبرير جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها في العام 2009. ومن المؤكد أن روسيا أيضاً سوف تستفيد.

*ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى الأسبق لشؤون السياسة الخارجية والأمنية المشتركة، والأمين العام السابق لمنظمة حلف شمال الأطلسي، وكبير زملاء مؤسسة بروكينجز ورئيس مركز إيساد للاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية حاليا.


*خاص بـ "الغد" ، بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت، 2012.

التعليق