الحب الحقيقي يمنح الحرية ويترك مساحة للآخر

تم نشره في الأربعاء 30 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

إسراء الردايدة

عمان- هل هو الحب الحقيقي، أم أنه مجرد شعور عابر؟، وكيف نعرف أنه ذلك الشعور والحب، الذي يجعلنا نحلّق عاليا، ولا نستطيع العيش بدون الطرف الآخر، وحتى كيف يمكن تحديد ملامحه، أم أن الحب كما قدمه ويليام شكسبير في مسرحية "الملك لير"، بأنه حاجة أساسية لا تنفصل عن الحاجات الأخرى، التي لا نستطيع العيش بدونها كما الملح.
مدربة العلاقات والحياة مارثا بيك الحائزة على شهادة دكتوراه بالصحة النفسية تبين، بحسب موقع اوبرا، أن الحب نفسه في كافة أنحاء العالم، وما يساعد على تمييز الحب الحقيقي عن غيره، هي عبارات سهلة، ولكنها ذات معنى عميق تحفز على الالتزام، وتؤدي لازدهار العلاقة، أو تدفع للتخلي عنها، وهنا يصبح الشعور مختلفا عن الحب، وكل ما يتعلق به، أيضا تبرز صحة الحب، ومن بين هذه العبارات ما يأتي:
- استطيع العيش بدونك، لا مشكلة، ففي الوقت الذي يقول فيه البعض إنه لا يمكنني العيش بدونك، إن كنت سأعيش من غيرك، وهذا قد يدور دراميا، ولكنه حقيقي، فقدرتنا على البقاء على قيد الحياة مرتبطة ببقائنا مع الطرف الآخر، وبدونه لا يمكن العيش حتما، فهنا المعادلة أننا ننظر للآخر بأنه بمثابة الأكسجين الخاص بنا، وبدونه يصيبنا اليأس، ولكن هذه الرومانسية لا تفي بكافة الاحتياجات بالحقيقة، وهي ليست حبا، بل هي نوع من اليأس وتختفي.
أما عبارة لا أستطيع البقاء بدونك، فهي تعكس الجاذبية، ولكن ليس للراشدين، وهي مرتبطة أكثر باليافعين، وتصبح فيما بعد أشبه بحاجة يمكن تلبيتها، بمجرد تغيير الشريك أو الحب، وبالتالي هذا ليس حبا، بحسب بيك، أما من يقول أحبك، ولكن أستطيع العيش بدونك، فهي تشير للحب ولمرحلة النضوج، فالحب موجود، ولكن يمكن العيش بدون الطرف المقابل، ولكنها تقال حين يكون الخيار صعبا، فالخيار هو التضحية بالحب مقابل الحفاظ على صورته الجميلة وهو الحب الحقيقي.
- حبي لك سيتغير، فغالبية البشر يتغيرون باستمرار بمجرد تحصيل قدر من الراحة والاستقلالية، حيث يسعون لتحصيلها في مكان لا يجدون فيه أي احتمالية للخسارة.
وهو أمر مفهوم، ولكن الوعد الذي يشير إلى أن الحب للطرف الآخر لن يتغير، هو عبارة بيع جذابة، ولسوء الحظ هي وعد بتقصير العلاقة.
والسبب يعود في ذلك إلى أن كل شيء وكل المجتمعات والأفراد تتغير باستمرار، فنحن ننمو ونتقدم بالسن، ويزداد وزننا، وتتغير ملامحنا، فكيف لا تتغير مشاعرنا، ونجد اهتمامات مختلفة، بحيث نغير السابقة، وهكذا هي العلاقة تنمو وتتبدل وتتغير بوجود المشاعر التي تزداد قوة، وهو هذا الحب الحقيقي، وليس الحب ما يثبت عند حالة واحدة، ويرفض التغيير، لأنه يدخل ويثبت على ما يعرف بالافتتان الذي يبقى مع الرفقة الهادئة.
إذن الحب هو شعور مستمر بالافتتان، ويتأجج في أوقات تغير الظروف، بحيث يصبح الالتزام أقوى والعلاقة أعمق، خصوصا في الأوقات العصيبة مثل؛ المياه الجارية وتغير الحب يجد طريقه في العقبات التي يواجهها، وتجميده يجعله هشا، ولكن السماح له بالتغيير يجعله أكثر قوة واستمرارية.
- لا يمكنني أن أكون قريبا منك دوما، فهناك خط رفيع بين العبارة الرومانسية "أحبك جدا، وأريد أن أشاركك حياتي حتى يفرقنا الموت"، وبين عبارة "أحبك جدا، بحيث إنك إن حاولت أن تتركني سأقتلك".
فالناس يقولون هذه العبارات لمن يحبونهم، فهم يحبون الاحتفاظ بهم، ويقيدون حركتهم، حتى أنهم يلجأون لامتصاص كل المشاعر منهم، وهو ليس هذا النوع من الحب الذي يكون صحيا، لأنه غالبا ما ينتهي نهاية درامية مؤذية.
أما الحب الذي يمكن تسميته حقيقيا بنفس مفهوم شبكة العنكبوت، فهو القدرة في السيطرة على الحب والشوق، فالحب الحقيقي يشمل ترك الحبيب حرا باختياراته، والقدرة على التلاعب في هذه المنطقة، أي أن الحب أشبه بلعبة العنكبوت الماكرة، التي تستطيع إبقاء فريستها في شبكتها حية، لا تقدر على مغادرتها، ولكنها حرة بالحركة برقة وعنف بحسب الأوضاع، أي أن الاستراتيجية تشمل أن تجعل الشخص قريبا منك، ولكن باختياره وليس رغما عنه.
وللخروج من هذا المأزق كل ما عليك فعله، هو قول الحقيقة، وتحمل مسؤولية اختياراتك واحترام رغبات شريكك والاتصال مع مشاعرك الخاصة وفهمها من دون محاولة إجبار الطرف الآخر على فعل ما تريده، وهكذا تزدهر العلاقة، وتكون المشاعر حينها حقيقة والحب يباهي الدنيا بأكملها بعدالته ورقته.
- أنت وأنا لسنا شخصا واحدا، فالعلاقة تختلف بين كل اثنين، والعلاقة الصحية ليست موجودة عند الجميع، ولكن الوضع يبقى مرهونا بك وباختياراتك.
المقصود أن كل اثنين يحبان بعضهما، ولا يعني أن يلغي أحدهما هويته من أجل أن يحظى بقبول الطرف الآخر، وهذا يشير لعلاقة متوترة على وشك الزوال، بحيث يميل أحد الأطراف للتنازل الكبير، فيما هو يحافظ على نرجسيته، وبالتالي يكون أحد الطرفين في حالة إعياء شديدة.
الحقيقة أنه لا يوجد شخصان متوحدان، ولكن يوجد نقاط مشتركة توحدهما بوجود شخصية كل من الطرفين التي تثري هذه التركيبة وتجعلها أكثر قوة، بحيث يدرك كل منهما فروقاته، ويعتمد على الآخر ليكمل ذاته من دون محاولة أي طرف أن يهيمن على الآخر، وهذا ما يميل لكفة الحب الحقيقي.
خلاصة القول إن الحرية في العلاقة واتاحة المساحة للآخر تسمحان بتكوين بيئة صحية لمشاعر قوية وأكثر عمقا، تقودان للالتزام والبقاء فترة طويلة في ظل إدراك كلا الطرفين لذلك من دون محاولة إلغاء كيان الآخر، بحجة الحب والتملك والقلق وعدم الثقة، فالحب خيار مشترك وليس فرديا.

التعليق