فرصة أوروبا في هولاند

تم نشره في الاثنين 21 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً
  • الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند - (أرشيفية)

مارتن شولتز*

 

بروكسل -  نادراً ما كان لأي انتخابات مثل هذا الصدى الواسع النطاق في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، والذي أحدثته الانتخابات الرئاسية الفرنسية. ونادراً ما أسفر تغيير الزعامة في أحد بلدان الاتحاد الأوروبي عن خلق توقعات كبرى لحدوث تحول سياسي حقيقي مثلما يحدث إزاء فرنسا.
ولعل من اللافت للنظر أن مجالاً عاماً أوروبيا جديداً يولد الآن من رحم الأزمة الاقتصادية. فقد أدرك الأوروبيون مدى الترابط بينهم، وفهموا أن فشل أي دولة من الممكن أن يهدد الاقتصاد الأوروبي بالكامل، بل وربما يزرع الشك في جدوى ستين عاماً من التكامل. وليست الإنجازات مثل السلام والتضامن والازدهار محصنة ضد التراجع؛ ولا يمكن ضمان هذه المنجزات إلا بالعمل الجماعي التعاوني بين 27 دولة.
والواقع أن فوز فرانسوا هولاند يشكل فرصة جديدة لأوروبا. وينبغي له أن يضع نهاية لسياسة موجهة بشكل حصري نحو التقشف، الأمر الذي أصاب اقتصاداتنا بالشلل وأدى إلى انقسام الاتحاد الأوروبي. وقد كان التزام الرئيس الفرنسي الجديد بسياسة النمو الأوروبي سبباً في بث الأمل في أنفس المواطنين، ولا ينبغي له أن يقلق أحداً ــوخاصة الأسواق المالية.
وتقوم خطط هولاند فيما يتصل بمبادرة النمو تقوم أرض خصبة، وخاصة في البرلمان الأوروبي الذي دعا مراراً وتكراراً إلى اتخاذ تدابير من هذا القبيل. ويسعدني كثيراً أن يردد التيار السياسي الرئيسي، بما في ذلك رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي مؤخراً، أصداء هذه الرسالة على نحو متزايد. وعلى نحو مماثل، تعكف المفوضية الأوروبية على إعداد "ميثاق التنمية" الذي من المنتظر أن يناقشه زعماء أوروبا في شهر حزيران (يونيو) المقبل. والواقع أن أوروبا تحتاج إلى خطة رئيسية لتجنب حالة الركود المستمر، والبطالة المتزايدة، وضعف الأنظمة المصرفية.
إن أي خطة رئيسية جديدة للنمو لن تستند إلى طباعة النقود. ويظل الانضباط المالي يشكل ضرورة أساسية، وكذلك الإصلاحات البنيوية العميقة. ومن الممكن تمويل ميثاق التنمية بالشكل اللائق من خلال خلق مصدر جديد للعائدات، مثل فرض ضريبة على المعاملات المالية وسندات لمشاريع استثمارية مشتركة في البنية الأساسية، أو من خلال الحد من التهرب الضريبي والتحايل الضريبي، والقضاء على الملاذات الضريبية، فضلاً عن الاستخدام الأكثر كفاءة وذكاء للصناديق البنيوية.
ولكن، ماذا الذي يتعين علينا أن نفعله الآن؟ أولاً، لا بد من إعطاء الأولوية للاستثمارات المستهدفة. ولا شك أن بنك الاستثمار الأوروبي يشكل أداة جيدة -بالإضافة على سندات المشروع الجديدة- لتعزيز الإنفاق على مشاريع البنية الأساسية الكبرى (في قطاع الطاقة، على سبيل المثال). ومن الممكن أيضاً تخصيص المزيد من الموارد لبنك الاستثمار الأوروبي من أجل تعزيز برامج القروض. وفي الأمد الأبعد، يتعين علينا أن نعيد النظر في فكرة سندات اليورو المشتركة.
إن توجيه صناديق الاتحاد الأوروبي البنيوية نحو الإبداع أمر بالغ الأهمية، نظراً لتضاؤل الإنفاق على مشاريع البحث والتطوير إلى حد خطير مقارنة بشركائنا على مستوى العالم. ولا ينبغي للإصلاح الجوهري للسياسة الزراعية المشتركة أن يظل من المحرمات. والواقع أن السياسة الزراعية المشتركة لا تضمن الزراعة المستدامة ولا الدخول اللائقة لكل المزارعين. ومن المؤكد أن المستقبل القريب يحمل معه مفاوضات صعبة على هذه الجبهة، بما في ذلك مع هولاند.
ثانياً، من الأهمية بمكان أن يكون الشباب على رأس الأولويات. وهنا تنقسم مسؤولياتنا إلى شقين: إعادة النمو إلى مساره الصحيح، ولكن مع الاستجابة الفورية أيضاً للمأساة الإنسانية التي ضربت شبابنا. فقد بلغ معدل البطالة في منطقة اليورو 10.9%، وهو أعلى مستوى لها منذ استخدام اليورو، ويدفع الشباب في كل مكان، باعتبارهم أول من يعاني من عواقب الأزمة، ثمناً باهظاً. وفي أسبانيا على سبيل المثال، تجاوز معدل البطالة بين الشباب نسبة 50%.
ولا يجوز لنا بأي حال من الأحوال أن نضحي بجيل كامل، أو نجازف بخلق جيل ضائع قد يدمر النسيج الاجتماعي لأوروبا ويهدد استقرارها. ونحن في حاجة إلى خطة طوارئ فورية: الاستثمار لتمويل التدريب المهني، وتحسين فرص التعليم، وخلق الحوافز الكفيلة بدفع أصحاب العمل إلى توظيف الشباب.
وكان البنك المركزي الأوروبي حريصاً على تقديم قروض طويلة الأجل للبنوك بأسعار فائدة ميسرة. ومن الضروري إقراض هذه الأموال للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي تشكل شريان الحياة لاقتصاد أوروبا. كما يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى مبادرات مشتركة لتحل محل الاتفاقيات الثنائية فيما يتصل بالتهرب الضريبي والملاذات الضريبية، والتي تعمل على تقويض هدف إقامة مجتمع عادل.
ثالثا، لا ينبغي للدول الأعضاء أن تخفض موازنة الاتحاد الأوروبي بشكل عشوائي أثناء المفاوضات بشأن خطة الاتحاد الأوروبي للإنفاق طويل الأمد على مدى الفترة بين 2014-2020. وإذا كنا جادين في وضع خطة رئيسية للنمو، فإنه يتعين علينا أن نوفر السبل اللازمة. وتشكل موازنة الاتحاد الأوروبي أداة استثمارية تعمل على تعزيز النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. وهي تمول روابط النقل والطاقة البالغة الأهمية على مستوى الاتحاد الأوروبي بالكامل. كما تساعد على تعزيز الإبداع ودعم مشاريع البحث والتطوير. وتعزز موازنة الاتحاد الأوروبي الاستثمار، وتسمح بإنشاء المشاريع الاقتصادية الكبرى، ومن غير الممكن أن تتعرض للعجز.
كان افتقار الاتحاد الأوروبي إلى التضامن والخيال والشجاعة والحدة في الأعوام الأخيرة سبباً في تحويل أوروبا إلى رمز للانقسام في نظر البعض، إن لم يكن الكثرين من الناس. ولا يجوز لنا أن نسمح لهذا بالاستمرار. والوقع أن انتخاب هولاند يقدم لنا فرصة ثمينة لمواجهة التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي. والبديل هو أن نسمح للفقر والخوف والغضب بأن يؤدي إلى تأجيج مشاعر كراهية الأجانب والعنصرية، وبالتالي تعريض أعظم إنجازات الاتحاد الأوروبي للخطر.
لكن علينا أن نتحلى بالتفاؤل. فالأوان لم يفت بعد، وما يزال بوسع أوروبا أن تخرج من أزمتها الاقتصادية الحالية أكثر قوة. وقد بدأ الاتحاد الأوروبي يغير اتجاهه أخيراً، وسوف يجد زعماء أوروبا شريكاً نشطاً في البرلمان الأوروبي.
*رئيس البرلمان الأوروبي.
*خاص بـ "الغد" ، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت،" 2012.

التعليق