لماذا هذا القدر الضئيل من إدانة التطرف الإسرائيلي؟

تم نشره في السبت 19 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً
  • طفل فلسطيني يرفع يافطة تضامن مع الأسرى في سجون الاحتلال - (أرشيفية)

ياسمين علي باي-براون – (الإندبندنت) 

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
في شباط (فبراير) الماضي، كتب ثائر حلاحلة رسالة إلى زوجته شيرين من سجن إسرائيلي، وقال فيها: "لقد تم تجديد اعتقالي سبع مرات، ولم يوجهوا إليّ أيّ تهمة بعد. إنني لم أعد أستطيع التحمل أكثر من ذلك". ثم بدأ الشاب البالغ من العمر 34 عاماً إضراباً عن الطعام، وكذلك فعل زميله بلال دياب. كان ذلك قبل 77 يوماً. وكلاهما فلسطيني، وأب، واللذان تتعرض بناتهما الصغيرات لشتى أنواع التخويف ويخضعن للتفتيش عاريات عندما يأتين للزيارة. وقد نشر قصصهما مؤخراً ديفيد روز، وهو صحفي استقصائي استثنائي، ويهودي هو نفسه. وكان ثمانية آخرون يمارسون أيضاً نفس هذا الاحتجاج الصامت، المهدور، والمهلك للذات. كانت عيون حلاحلة تنزف الدم بدلاً من الدموع. ويحتمل كثيراً أن يكون هو، أو دياب وغيرهما، قد توفوا بينما تقرؤون هذا المقال. ففي يوم الجمعة الماضي، ردّ قضاة المحكمة العليا في هذه "الديمقراطية" المتغطرسة التماساً كانت قد تقدمت به جماعات الحقوق المدنية من أجل نقل الرجال المُضربين إلى المستشفيات المدنية. ربما لم يُرد هؤلاء القضاة أن يشهد مواطنوهم بأنفسهم مثل هذه الأشياء. إذ، ما الذي ستفعله رؤية ذلك بصورة الأمة الصغيرة المقدامة، المحاطة بكل الأخطار الحقيقية والمتخيلة؟
لن يظهر الحاخام الأكبر الأخلاقي على برنامج "فكرة اليوم" ليعرب عن أسفه على معاملة هؤلاء السجناء. ولن يتم الضغط على الصهاينة البريطانيين المتحمسين حتى يدينوا المسؤولين عن بربرية الدولة هذه. ولن تحصلوا أنتم بالتأكيد على "ضربة" تلفزيونية كبيرة مثل فيلم "الوطن"، (الذي أُنتج على أساس فكرة "هاتوفيم"، المسلسل التلفزيوني الإسرائيلي الذي روى قصة أسر نشطاء فلسطينيين لجندي جيش الدفاع الإسرائيلي جلعاد شاليط)، لأنّه لن يجري إنتاج شيء مشابه يحكي قصة هؤلاء الرجال. هيا، يا جماعة التلفزة باردي الأعصاب، أو المنفعلين: ماذا عن إنتاج فيلم عن شاب فلسطيني وسيم، يحتجزه الإسرائيليون إلى أن يفقد رشده؟ هل سمعتُ "كلا" جماعية، أم أنني أتخيل؟
وقد ظل صناع الرأي الغربيين أيضاً غير مبالين إزاء ما يحصل، حتى وهم يعرفون عن ذلك في بعض الحالات. ولم نسمع عن أي إدانات صدرت بحقّ ذلك في برلماننا. إنهم يقولون إننا يجب أن نتمتع بحق حرية التعبير، لكنه لا يتم استحضار هذا الحق أبداً عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. وفي حين يمكن للحزب القومي البريطاني وعصبة الدفاع الإنجليزية أن ينشرا سمومهما العنصرية بحرية، يقوم الصهاينة بإطلاق صفة الوحشية على البارونة جيني تونغ وحزبها بسبب قولها أن تلك الدولة "لن تبقى هناك إلى الأبد في شكلها الحالي". وقد غادرت تونغ لتوها حزب الديمقراطيين الأحرار. ولو أنها كانت قد قالت هذه الكلمات نفسها، عن زيمبابوي مثلاً، لكانت حظيت بالإشادة والإطراء.
لكن هناك أيضاً عدداً كبيراً من اليهود البريطانيين المستنيرين الذين يرون ازدواجية المعايير، ويعترضون على تعنت إسرائيل. ولا بد أن يكون من الصعب عليهم جداً فعل ما يفعلون، وأن يتصرفوا بنزاهة وتعاطف مع أولئك الذين يتلقون التعليمات بضرورة مناصبتهم الكراهية والعداء.
إن هؤلاء الفلسطينيين المعتقلين ينخرطون في عمل احتجاجي سلمي، على غرار احتجاج غاندي. إنهم يريدون أن تتمكن أسرهم من زيارتهم من دون قيود؛ أن يحصلوا على الحق في تلقي علاج طبي لائق؛ أن لا يتم وضعهم في الحبس الانفرادي لسنوات طويلة؛ أن يتم أخذهم إلى المحكمة ومحاكمتهم. فكيف يسمى هذا "إرهاباً؟". في حالة إضرابات أعضاء الجيش الجمهوري الأيرلندي عن الطعام في العام 1981، والذين توفي منهم 10، نشرت حتى أكثر الصحف البريطانية عداء للجمهورية صوراً، وأخبرتنا عما كان يحدث. كما تابع التلفزيون أيضاً قصصهم حتى النهاية.
أما في حالة هؤلاء السجناء الذين يموتون ببطء، ومعهم 6000 آخرون من الفلسطينيين المسجونين بدون اتباع الإجراءات القانونية، فلا شيء يُقال على الإطلاق. ولم أكن أعرف أبداً حتى هذا الأسبوع أن 700.000 فلسطيني كانوا قد تعرضوا للاعتقال منذ العام 1967. ولم يكن كل هؤلاء أبرياء، لكنهم لم يكونوا كلهم مذنبين أيضاً. أن تكون فلسطينياً، وأن تريد المساواة والحقوق والحرية والأرض، ليس جريمة، إلا في نظر الإسرائيليين المتشددين، حيث تصبح كذلك.
هؤلاء يحظى بلدهم بالإعفاء من اللوم، جزئياً، بسبب مخاوف من أن أي انتقاد لتصرفاتها يمكن أن يكون "معاداة للسامية". وربما يستخدم بعض المعادين للسامية إسرائيل فعلاً كغطاء، لكن إسرائيل تقوم بعد ذلك باستخدام هذه المسألة في تلطيخ وتثبيط جميع الانتقادات المشروعة التي تتوجه إليها. وتفعل حكوماتها ما تريد بينما تطالب بالاستثناء الدائم. وبهذا، تمرّ أكثر أفعالها حلكة وقبحاً بلا تمحيص ولا مُحاسبة. ومع ذلك، هبطت في هذه المرة فجأة على بعض الأشخاص المهمّين، ومن بينهم منقذ الشرق الأوسط البائس توني بلير، فكرة أن هؤلاء تجربة، هؤلاء "الشهداء" ربما تؤدي إلى قيام انتفاضة أخرى. وهو يحث المسؤولين الإسرائيليين على "اتخاذ جميع التدابير لمنع حدوث النتيجة المأساوية التي قد تكون لها تداعيات خطيرة على الاستقرار والأمن". بل إنه تلفظ حتى بعبارة "حقوق الإنسان". كما تدخلت الأمم المتحدة والهيئات الأخرى. لكن كل هؤلاء سيواجَهون بالرفض، فما أعظم غرور قيادة الجناح اليميني المتطرف الوحشي وصاحب الأنا المتضخمة. وعلى أي حال، يظل من الممكن أن يشير نتنياهو ومشاركوه -وبصلاحية مطلقة - إلى خليج غوانتانامو وسجنائنا نحن المحتجزين من دون محاكمة. إنهم مشتركون جميعاً في هذا معاً.
ومن حق بلير أن يكون خائفاً. ففي كل مرة يموت فيها مضرب عن الطعام، سوف يذهب المزيد من الشباب المسلمين الغاضبين إلى التطرف ويتحولون إلى قتلة. وبعضهم نشأ في الغرب ممتلئاً بالخطابة عن الحرية والعدالة والديمقراطية، ثم شاهد الخذلان الذي يواجهه الفلسطينيون. وربما يجعل هذا التنافر بين المبادئ والواقع منهم أكثر غضباً حتى من الفلسطينيين أنفسهم، الذين لديهم توقعات منخفضة وأوهام قليلة. وليس هذا اختلاق أعذار للإرهابيين، وإنما مجرد عرض للواقع، فحسب.
إنني أريد حقاً لإسرائيل أن تبقى وتنمو وتزدهر، لكنها تصبح باطراد أسوأ عدو لنفسها. لقد كان الناشط البريطاني توم هيرندال (21 عاماً) يحمي طفلاً فلسطينياً من الرصاص الإسرائيلي في غزة في العام 2003، عندما قتل. وقد نُشرت يومياته الصريحة توا، فاقرأوها واندبوا الشاب المثالي، ومعه فقدان كل مثالية في إسرائيل.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Yasmin Alibhai-Brown: Why so little condemnation of Israel's extremism?

التعليق