حيث ما يزال القذافي ملِكاً

تم نشره في الجمعة 18 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً
  • مواطنو فورت بورتال في أوغندا ما يزالون يرفعون صور القذافي - (أرشيفية)

أندرو غرين — (فورين بوليسي)
 أيار/ حزيران 2012
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
 ثمة مكان في أفريقيا حيث ما يزال العقيد معمر القذافي ملكاً، لكن الطريق بعيدة جداً بين هذا المكان وبين قبره غير المعلم والموجود عميقاً في الصحراء الليبية. وحتى تصل إلى هناك، سيكون عليك أن تسافر إلى الجنوب عبر السهول الملتهبة في دارفور، والأجمات الوعرة في جنوب السودان، وعبر غابات شمالي أوغندا إلى عاصمتها، كمبالا. ثم تتجه غربا، مسافة 150 ميلاً تقريباً فوق طرق مليئة بالأخاديد والحفر، وصولاً إلى التلال الخضراء لمملكة تورو التي يحكمها ملك شاب ليس له أب، كان قد نشأ وترعرع في رعاية القذافي.
وهنا في بلدة "فورت بورتال" في القصر الأصغر من قصري تورو على رأس تلة كابارول، ثمة رسم للقذافي ما يزال يهيمن على قاعة الاستقبال الملكية. ومعلقة في مقابل كرسي الملك، تظهر صورة الزعيم الليبي منتصراً وقبضة يده مرفوعة. وتخفي الصورة بفخامتها هيبة الصور والزخارف الأخرى في الصالة: صور ملوك تورو غير المبتسمين، والأثاث المنجد وجلود حيوانات. ويقول لي فيليب وينيي، وزير الإعلام والعلاقات الخارجية في المملكة: "سوف تفتقده العائلة المالكة كثيرا جداً. لقد كان القذاذفة بمثابة عائلة أخرى".
يعود أصل التورو، القبيلة الرعوية التي يبلغ عدد أفرادها نحو مليوني نسمة يعيشون فوق جبال روينزوري في أوغندا ويتكونون بشكل رئيسي من مسيحيين وأقلية مسلمة، إلى القرن السادس عشر، مع أنهم استطاعوا تحقيق الاستقلال في أوائل القرن التاسع عشر. وقد تفرعوا من مملكة بنيورو إلى الشمال. وجاء ارتباط التورو مع "الملكية" الليبية أكثر حداثة بكثير، إذ يعود إلى لقاء غير مرجح بين القذافي وعائلة تورو المالكة، بمناسبة مراسم أداء الرئيس الأوغندي يوري موسوفيني اليمين القانونية في كمبالا. وتقول الأسطورة المحلية إن الحاكم الليبي افتتن بمشهد الملك أويو نيمبا كابامبا إيغورو روكيدي الرابع، البالغ من العمر 9 سنوات –الملك أويو اختصاراً— وكان مرتدياً زيه الاحتفالي كأصغر ملك في العالم عندما ارتقى إلى العرش وهو في الثالثة من العمر. وبعد ذلك بوقت قصير، كانت طائرة القذافي النفاثة تربض في مطار عنتيبي الدولي لحمل أفراد عائلة تورو الملكية لزيارة طرابلس. وفي شهر تموز (يوليو) من ذلك العام، هبط القذافي في فورت بورتال لحضور احتفال على شرف الملك أويو وسط الكثير من الصخب والأبهة والإجراءات الأمنية، لدرجة أن أحد الصحفيين المحليين قال عند استحضاره ذلك الاحتفال بأنه كان "وكأن السماء كادت تلامس الأرض".
يبيع مصطوفور أكولبيرينغي أدوات التجميل في مخزن خشبي في سوق فورت بورتال. وعندما حضر القذافي للبلدة، كان أكولبيرينغي أحد أفراد فرقة رقص أدت عرضاً على شرف الدكتاتور الليبي. ويقول لي: "لقد شعرت بالبركة لأنني شاهدت رجلاً عظيماً". وكان قد تلقى بالمناسبة قميصاً قصير الأكمام، عليه صورة القذافي وهو يبتسم، وظل يرتديه إلى أن بلي بسبب تكرار غسله.
 أما رأي أكولبيرونغي في القذافي، فهو يعتبره واحداً من قادة إفريقيا الكبار. وهو رأي ظللت أسمعه عدة مرات في المدينة التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 40000 شخص. ربما يكون قد مكث وقتاً طويلاً جداً في السلطة، "لكنه كان من المفترض أن لا يتم قتل القذافي بهذه الطريقة"، كما يقول أكولبيرونغي الذي يضيف: "كان من المفترض أن يُنفى"، ربما حتى إلى مملكة تورو.
كان باستطاعة القذافي أن يعيش هنا في واحد من رموز إحسانه الأكثر درامية —القصر الملكي. وفي أواخر السبعينيات (من القرن الماضي) كان الرئيس عيدي أمين وقواته قد عاثوا خراباً في البيت التقليدي لملوك التورو، والذي يعرف باسم قصر أوموكاما، حيث استخدموه كحامية عسكرية. وعندما خرجوا، سرق اللصوص المكان منتزعين الأبواب والشبابيك والثريات. ولاحقاً، تم بناء قصر أصغر على قمة تلة كابارول للعائلة المالكة إلى جانب أطلال قصر أوكاما، لأن المملكة لم تتمكن في حينه من دفع كلفة التجديدات المكلفة للبناء الذي يعود بناؤه لعدة عقود.
ومع ذلك، وخلال زيارته في تموز(يوليو) من العام 2001، أوفى القذافي بوعده في تمويل القصر الضخم على شكل صندوق القبعة، من خلال إرساء حجر الأساس الرسمي له. وخلال سنوات قليلة –وبعد إنفاق عدة مئات من آلاف الدولارات، وفق وينيي، وصبغ المكان بطبقة نهائية من الطلاء القرمزي المرجاني— تم استكمال البناء. وتم تثبيت لوحة عند المدخل تكريماً "للزعيم العظيم"، فيما درج سكان فورت بورتال على وصف البناء باسم " قصر القذافي" المنيف.
وفي المقابل، منحت مملكة تورو القذافي وسام "المدافع عن التاج" الذي يعد أسمى وسام شرف فيها، مع رمح ملكي وتاج. أما الشخص الخارجي الوحيد الآخر الذي نال هذا اللقب مؤخراً، فكان الرئيس موسوفيني الذي استعاد الملكيات التقليدية لأوغندا في العام 1993 بعد حوالي 26 عاماً من إقدام الرئيس ملتون أوبوتي على إلغائها رسميا. وقبل شهور قليلة من إلقاء القبض على القذافي وقتله، أضافت ملكة تورو الأم بيست كيميغيسا لقباً آخر له، واصفة إياه في مقابلة مع صحيفة محلية بأنه "أفضل صديق" لها.
 لكن سخاء القذافي لمملكة تورو لم يكن يخلو من الأنانية كلية. ومثل الحروب القارية التي ساعد في تمويلها والمساجد التي بناها، فقد كانت صداقة الدكتاتور الليبي نوعاً من الاستثمار أيضاً –إنشاء موطئ قدم يشتريه بين الزعماء التقليديين في إفريقيا، من أجل ترويج رؤياه حول إقامة دولة إفريقية موحدة وقبلية أيضاً. ويقول وينيي: "كانت مملكة تورو مؤسسته الحبيبة، وكان يستخدم مملكة تورو لعمل كل ما يريد عمله".
ولا بد أن يكون وينيي على معرفة. فهو الشخص الذي كان يتلقى المكالمات الهاتفية عند الساعة الثانية فجراً من مسؤولي السفارة الليبية الفزعين، الذين يسألون هل باستطاعته تنظيم مؤتمر للزعماء التقليديين في أوغندا في غضون ثلاثة أيام؟ وهل باستطاعته حشد مجموعة من الملوك القبليين في شرق إفريقيا وجلبهم إلى بنغازي في غضون 72 ساعة؟ كان هذا الطلب الأخير هو الذي أحرج العائلة المالكة ووضعها في وضع صعب مع الحكومة الأوغندية.
ويدعي وينيي بشيء من الكبرياء بأن الجسم الموحد من الزعماء التقليديين الذين جمعهم القذافي في آب (أغسطس) من العام 2008، والذي أطلق عليه اسم منتدى ملوك وسلاطين إفريقيا، كان في الأصل فكرة من تورو. ويقول وينيي إن المنتدى أقيم ليتدارس في مفهومه الأولي دور الزعماء التقليديين في إفريقيا الحديثة. لكن القذافي كان ينطوي على خطط أخرى، فأراد أن يستخدم المجموعة للضغط على الزعماء القاريين الذين كانوا قد رفضوا دعوته لإقامة دولة إفريقية موحدة. وسيحكم القذافي -الذي كان يوماً ما دكتاتوراً ذا قبضة حديدية وبدوياً بسيطاً وفيلسوفا ثوروياً وبليونيراً نفطياً- هذا التجمع الضبابي من القبائل الإفريقية. وفي اجتماع في العام 2008، هندس العقيد احتفالاً سماه خلاله الجسم المجتمع "ملك الملوك". وتظهر صور التقطت بتلك المناسبة القذافي وهو متربع على العرش، يحيط به الحكام الأفارقة المتألقين في أزيائهم التقليدية.
وبعد ستة أشهر من "تتويجه،" نظم القذافي للعائلة المالكة —بمن في ذلك الملكة الأم- فرصة نفض ملابسهم المزركشة عن أنفسهم، والسفر إلى القمة الإفريقية في أديس أبابا، عاصمة أثيوبيا حيث كان سيعلن عن تسميته رئيساً لمنظمة الوحدة الإفريقية. لكن الزعماء التقليديين مُنعوا في البداية من الدخول إلى القمة لأنهم لم يكونوا رؤساء دول. وفي النهاية، استطاع القذافي إدخال سبعة على الأقل من حلفائه الملكيين إلى داخل القاعة، بمن فيهم واحد من بنين، والذي تولى ريادة "تتويج" القذافي علناً في تصريح تم شطبه لاحقاً من السجل الرسمي. ويقول وينيي: "لقد شعر العديدون من زعماء الدول في إفريقيا بأن ذلك الأمر كان شيئاً سيئاً جداً جداً... وقد تسبب ذلك في كثير من المشاكل للزعماء التقليديين عندما عادوا إلى أوطانهم".
ووراء في أوغندا، لم يكن موسوفيني متسلياً. فالرئيس الذي ارتقى إلى السلطة في العام 1986 وأصبح — مع سقوط القذافي— الآن خامس زعيم إفريقي يحكم بلده من حيث الفترة، لطالما عارض دعوة القذافي لإقامة الولايات المتحدة الإفريقية. وعندما أعاد موسوفيني الملكيات التقليدية الأربع في أوغندا، فإنه قصرها فقط على المؤسسات الثقافية الصرفة وحسب —من دون سلطة سياسية. وكانت تلك خطوة ذكية فطنة. ففي بلد ما يزال الشعب فيه يعرف ويتزوج وفقاً لخطوطه القبلية، كسب موسوفيني أوسمة ونياشين لإعادته الملكيات إلى الشعب، بينما ضمنت المحددات التي فرضها عليها أنه لم يروج لأي منافسين سياسيين مستقبليين. لكن القذافي طفا على السطح، يدا بيد مع قيادة التورو، ما أضعف موقف موسوفيني على المسرح العالمي. وقد تحرك برلمان أوغندا على جناح السرعة للجم الملكيات. ويقول وينيي إنه لسبب واحد فحسب، فإن الطلبات للسفر الرسمي أصبحت تدار من جانب وزارة الشؤون الخارجية في أوغندا.
ومع ذلك، لم تخفف القيود الجديدة تحمس المملكة للقذافي، إذ حافظ العديدون في فورت بورتال على متابعة الحرب الأهلية في ليبيا في العام الماضي، داعين بأن يلحق القذافي الهزيمة بالثوار ويفلت منهم. ويقول بشير كاينادو، الشخصية المرموقة في الإذاعة المحلية، أنه عندما قتل القذافي، "كان وقع الحدَث رهيباً... واتصل بي أحدهم وهو يذرف الدموع... إن القذافي أيقونة هنا".
ولعل مما ينطوي على مفارقة، أنه إذا أصبح أي شخص أقل شعبية على المسرح هنا بعد ظهور القذافي، فقد كانت العائلة المليكة من التورو نفسها. واليوم، ترى صور العائلة المالكة تجول في ليبيا، أو صور الملك أويو أو أخته وهما يحضران افتتاح مدارس غربية أنيقة كان القذافي قد ساعد في دفع كلفتها، وهو ما يثير السخط عندما تعلم أن 30 % من الشعب في المملكة يعيش على 1.25 دولار في اليوم. ويقول سولومون أكوغيزيزبوي الذي يعمل لصالح منظمة غير حكومية توثق لإرث المملكة، أن شعب تورو رأى القذافي "وهو يعطي الأموال التي لم تصل إلى المواطن العادي".
ويصر أحد نواب الملك، وهو القس ريتشارد باغوما، على أن شعب التورو "ليس حسوداً" للعائلة الملكية. ويقول إنه عندما يعود الملك أويو الذي يبلغ من العمر الآن 20 عاماً من الدراسة في أكاديمية ساندهيرست البريطانية العسكرية لتتويجه في وقت لاحق هذا العام، فإنه سيتم استقباله بالبهرجة الاعتيادية. ويضيف مبتسماً أنه نظراً إلى أن "المدافع عن التاج" هو لقب تقليدي وراثي، فسيتم الترحيب بورثة القذافي -حيثما كانوا." لحضور الحفل.
ووراء على قمة تلة كابارول، يأخذني مسير الأعمال تشارلز موهانغا في جولة في "قصر القذافي"، واصفاً التجديد بأنه هدية من الشعب الليبي. وبعد الدوران حول القصر، يتوقف موهانغا عند المدخل. وهناك، إلى جوار إحدى البوابات، ثمة مستطيل ذو لون قاتم وأربعة ثقوب تدل على البراغي التي أزيلت من مكانها. وحتى وقت قريب، كانت اللوحة التي تؤرخ لليوم الذي أرسى فيه القذافي حجر الأساس تتعلق هناك. ولا يستطيع موهانغا القول متى ولماذا أنزلت.
لكن لا أحد هنا في أرض التورو يحتاج إلى لوحة لتذكر المستفيد في المملكة. ويقول أكوليبيرنغي، بائع أدوات التجميل، أن القذافي كان "رجلاً طيباً... وهنا في إفريقيا، فعل العديد من الأشياء الجيدة لنا".


*نشرت هذه القصة الإخبارية  تحت عنوان:
 Still the One

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق