صعود "القاعدة" في سورية

تم نشره في الخميس 17 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً
  • محتجون سوريون يصرون على سلمية الثورة - (أرشيفية)

دانييل برود - (ميدل إيست أونلاين)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
الموجة الأخيرة من التفجيرات الانتحارية في سورية، سوية مع القبض على سفينة شحن محملة بالأسلحة مرسلة للثوار السوريين، تشير إلى أن ثمة تسللاً يتم إلى سورية، ليس من جانب الأيديولوجية الجهادية السنية وحسب، بل وللأسلحة والتكتيكات والمقاتلين من عموم الشرق الأوسط أيضاً. ومن المرجح أن تكثف تلك القوى، سوية مع الإسلاميين السوريين الراديكاليين، هجماتها على الأهداف المدنية والحكومية على حد سواء، في محاولة لتحويل سورية، على الرغم من عدم أرجحية ذلك، إلى عراق جديد.
على العكس من مصر، أثبتت الحكومة السورية أنها متخندقة جيداً وأبعد ما تكون عن أن تزيلها الاحتجاجات المدنية والضغط الدولي وحدهما. وقد أفضى هذا الإدراك، سوية مع الحملة التي تزداد وحشية باطراد، إلى تعزيز العسكرة الحتمية للصراع الدائر في سورية، والذي أضافت إلى اشتداده العناصر السنية في عموم الشرق الأوسط، وفي المملكة العربية السعودية وقطر وليبيا بشكل رئيسي. وعلى الرغم من أنه لم يعد بمقدور المتشددين السنة إلحاق الهزيمة بالقوة القتالية الرسمية السورية المسلحة جيداً، التي تملك زمام المبادرة والكفؤة في ميدان القتال، فإنهم ينزعون إلى تبني استراتيجية يرجح أن تصبح فيها التفجيرات والهجمات البشعة الأخرى على الأهداف الحكومية والمدنية على حد سواء، هي الصبغة التي يصطبغ بها المستقبل القريب للمشهد السوري.
أما وقد قيل ذلك، فإن المعارضة السورية تظل متسمة بالنشاط والقدرة على القيام بنشاطاتها. ولكن، ولسوء طالعها، فإن حكومة الأسد لن تذهب إلى أي مكان في وقت قريب. وبينما ما يزال العديد من المعارضين السنة يتوقون إلى تحصيل حقوق شخصية وسياسية أكبر، فقد كان ثمة إدراك مبكر لتلك الحالة، والذي يقول بأن ذلك غير مرجح للحدوث ما لم تتم الإطاحة بالعلويين العلمانيين، المنضفرين معاً بإحكام. وفي الأثناء، ذهبت سورية إلى ما هو أبعد كثيراً من مجرد النضال من أجل حقوق شخصية وسياسية، لتدخل في أتون كفاح إقليمي على السلطة -بين العلويين وحلفائهم الأقليميين، وبين تكتل سني إسلامي صاعد مصمم على إعادة سورية إلى فضائه الإسلامي.
وبالرجوع وراء، سيكون من المهم ملاحظة أن التشدد السني والإسلام السياسي لا يشكلان تهديدا خارجياً موجهاً ضد النظام العلوي. ذلك لأن عائلة الأسد استطاعت الصمود، وعلى مدار أربعة عقود، في وجه هذه التهديدات، ونفذت العديد من العمليات العسكرية، بما فيها مجزرة حماة في العام 1982، من أجل قمعها. وعلى عكس ما كان عليه حالها في العام 1982، تتوافر حركة الإخوان المسلمين في هذه الأوقات على دعم أكبر، وهي تسير في مسار تصاعدي في عموم المنطقة -وكذلك هو الحال مع قطاعات إسلامية أخرى، حتى أكثر راديكالية.
وبينما تستمر المعارضة السورية في إنكار أي دور لها في التفجيرات الأخيرة في سورية، فإن السياق الطائفي للأزمة، والذي يحرك التوترات عبر الحدود في تناغم مع صعود النزعة التطرفية في عموم العالم الإسلامي، يجعل من هذه الادعاءات غير مرجحة بنسبة عالية. وبالإضافة إلى ذلك، ثمة مجموعة سنية متشددة، هي "جبهة النصرة"، والتي أعلنت فعلياً على موقع عنكبوتي جهادي، مسؤوليتها عن الانفجار الذي وقع في دمشق في الاسبوع الماضي، بالإضافة إلى مسؤوليتها عن تفجيرات انتحارية سابقة.
الآن، يتلقى السنة السوريون الدعم من كافة أنحاء العالم الإسلامي. ومن الشيشان شرقاً إلى ليبيا غرباً، يبدي السنة تصميماً على رؤية النظام العلوي "الإلحادي" وقد أطيح به، كما أن العديدين يبدون رغبة في دعم شن المزيد من الهجمات المتشددة لتحقيق هذه الغاية. وفي الأثناء، ذكر على نطاق واسع بأنه تم تسجيل تدفق لمقاتلين من القاعدة من العراق المجاور إلى داخل الراضي السورية، ومن غير المرجح إلى حد كبير أن يكون هؤلاء قد قدموا من أجل رفع اليافطات الاحتجاجية. بل من المرجح أكثر أنهم إنما يجلبون معهم حربهم المقدسة -تلك التي استهدفت ذات مرة الشيعة والمسيحيين والأميركيين في العراق- لمقاتلة العلويين وحزب الله وإيران، في سورية.
وبالإضافة إلى المقاتلين الأجانب، أصبح العديدون من السنة السوريين راديكاليين واتباعاً للمبادئ الجهادية أيضاً. ويظهر هذا من خلال التسميات الإسلامية بوضوح للعديد من كتائب الجيش السوري الحر، وأشكال مقاتليها، وإعلاناتها، إلى جانب المد المتطرف المتنامي في عموم المنطقة، والذي لم يتخطّ سورية بالتأكيد. وكما أسلفنا سابقاً، فإن الإسلام السياسي كان قد لجأ إلى العنف في سورية من قبل. ولكن، وعلى النقيض من المرات السابقة، فإن التهديد المحتمل والحقيقي الآن لا يأتي من جهة الإخوان المسلمين، وإنما من العناصر السلفية والوهابية الموجودة راهناً داخل سورية.
 وعلى الرغم من أن حركة الإخوان المسلمين تعد تقليدياً أهم حزب سوري سني، فإن الطائفتين الوهابية والسلفية الأكثر راديكالية تبدوان آخذتين في الصعود حالياً في سورية. وبالإضافة إلى ذلك، تنطوي هاتان الطائفتان على قدرة شن حرب مقدسة متواصلة. ويصبح صعودهما هناك، والحرب المقدسة اللاحقة في سورية، أكثر ترجيحاً على ضوء تنامي المعتقدات الجهادية، التي جرى ترويجها في السياق مع "الربيع العربي" في عموم الشرق الأوسط.
في النهاية، وعلى الرغم من أن المعارضة قد فشلت سلمياً وعسكريا في خلع نظام الأسد، تبدي عناصر أكثر راديكالية في داخل سورية وفي خارجها الاستعداد لترويج وتنفيذ استخدام هجمات متشددة أكثر عدائية وعنفاً في داخل سورية. أما هدفها المرجح، فهو يكمن في إضعاف النظام العلوي في سورية وجعله يتآكل على المدى البعيد، إلى حد تحويل البلد في نهاية المطاف إلى العراق التالي.

*محلل استخبارات مع مؤسسة ماكس سيكيوريتي سوليوشنز الاستشارية في المخاطر الجيوسياسية، والتي تتخذ مركزاً لها في الشرق الأوسط.
*نشر هذا المقال تحت عنوان
: Al-Qaida's Rise in Syria

التعليق